الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) في موجب المؤن ومسقطاتها

( الجديد أنها ) أي المؤن السابقة من نحو نفقة وكسوة ( تجب ) يوما بيوم وفصلا بفصل أو كل وقت اعتيد فيه التجديد أو دائما بالنسبة للمسكن والخدم على ما مر ( بالتمكين ) التام ومنه أن تقول مكلفة أو سكرانة أو ولي غيرهما متى دفعت المهر الحال سلمت ، ويثبت بإقراره أو ببينة به أو بأنها في غيبته باذلة للطاعة ملازمة للمسكن ونحو ذلك ، وخرج بالتام ما لو مكنته ليلا فقط مثلا أو في دار مخصوصة مثلا فلا نفقة لها ، وبحث الإسنوي أنه لو حصل التمكين وقت الغروب فالقياس وجوبها بالغروب .

قال الشيخ : والظاهر أن مراده وجوبها بالقسط ، فلو حصل ذلك وقت الظهر فينبغي وجوبها كذلك من حينئذ ، وخالف البلقيني فرجح عدم وجوب القسط مطلقا .

والأوجه أن المراد بالقسط توزيعها على الليل والنهار فتحسب حصة ما مكنته من ذلك وتعطاها لا على اليوم فقط ولا على وقت الغذاء والعشاء ، بل قول الإسنوي فالقياس وجوبها بالغروب صريح فيه ، إذ الظاهر أن مراده وجوبها به بالقسط لا مطلقا كما أفاده الشيخ ، ولا ينافي ذلك قولهم تسقط نفقة اليوم بليلته بنشوز لحظة ولا توزع على زماني الطاعة والنشوز لأنها لا تتجزأ ، ومن ثم سلمت دفعة فلم تفرق [ ص: 203 ] غدوة وعشية لإمكان الفرق بأنه تخلل هنا مسقط فلم يمكن التوزيع معه لتعديها به غالبا ، بخلافه ثم فإنه لا يسقط فوجب توزيعها على زمن التمكين وعدمه إذ لا تعدي هنا أصلا ، وقياس ذلك أنها لو منعته من التمكين بلا عذر ثم سلمته أثناء اليوم مثلا لم توزع ، وسيأتي عن الأذرعي ما يؤيده قال البلقيني : ومقتضى كلام الرافعي في الفسخ بالإعسار أن ليلة اليوم في النفقات هي التي بعده كما مر ، وسببه أن عشاء الناس قد يكون بعد المغرب وقد يكون قبله فلتكن ليالي النفقة تابعة لأيامها ( إلا العقد ) لأنه لا يوجب مجهولا ، والقديم تجب بالعقد كالمهر بدليل استحقاقها [ ص: 204 ] للمريضة والرتقاء فإن امتنعت سقطت ( فإن اختلفا فيه ) أي التمكين بأن ادعته وأنكره ( صدق ) بيمينه ، ومن ثم لو اتفقا عليه وادعى سقوطه بنشوزها فأنكرت صدقت لأن الأصل حينئذ بقاؤه ( فإن لم تعرض ) نفسها ( عليه مدة فلا نفقة ) لها ( فيها ) أي تلك المدة وإن لم يطالبها ولم تعلم بالعقد كأن زوجت بالإجبار كما هو ظاهر لعدم التمكين .

( وإن عرضت ) نفسها عليه إن كان مكلفا وإلا فعلى وليه بأن أرسلت له غير المحجورة أو ولي المحجورة إني ممكنة أو ممكن ( وجبت ) النفقة والكسوة ونحوها ( من بلوغ الخبر ) له لأنه المقصر حينئذ ( فإن ) ( غاب ) الزوج عن بلدها ابتداء أو بعد تمكينها ثم نشوزها كما يأتي ثم أرادت عرض نفسها لتجب لها مؤنتها رفعت الأمر للحاكم فأظهرت له التسليم ، وحينئذ ( كتب الحاكم ) وجوبا كما هو ظاهر ( لحاكم بلده ) إن عرف ( ليعلمه ) بالحال ( فيجيء ) لها ( أو يوكل ) من يتسلمها ويحملها إليه ، وتجب مؤنتها من وصوله بنفسه أو وكيله ( فإن لم يفعل ) ذلك مع قدرته عليه ( ومضى ) بعد أن بلغه ذلك ( زمن ) إمكان ( وصوله ) إليها ( فرضها القاضي ) في ماله من حين إمكان وصوله وجعل كالمتسلم لها لأن الامتناع منه ، أما لو لم يعرف فليكتب لحكام البلاد التي تردها القوافل عادة من تلك البلدة ليطلب وينادي باسمه ، فإن لم يظهر فرض الحاكم نفقتها الواجبة على المعسر ما لم يعلم أنه بخلافه في ماله الحاضر ، ويجوز له أن يفرض دراهم ويأخذ منها كفيلا بما تأخذه منه لاحتمال عدم استحقاقها كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ، فإن لم يكن له مال حاضر اتجه اقتراضه عليه أو إذنه لها في الاقتراض .

أما إذا منعه من السير أو التوكيل عذر فلا يفرض عليه شيء لانتفاء تقصيره ، ورجح الأذرعي وغيره قول الإمام يكتفي بعلمه من غير جهة الحاكم ولو بإخبار من تقبل روايته ( والمعتبر في مجنونة ومراهقة ) قيل الأحسن ومعصر لأن المراهقة وصف مختص [ ص: 205 ] بالغلام يقال غلام مراهق وجارية معصر ( عرض ولي ) لها لا هي لأنه المخاطب بذلك ، نعم لو تسلم المعصر بعد عرضها نفسها وصار بها في منزله لزمته مؤنتها ، ويتجه كما قاله الأذرعي أن نقلها لمنزله ليس بشرط بل الشرط التسليم التام ، والأوجه أن عرضها نفسها عليه غير شرط أيضا بل متى تسلمها ولو كرها عليها وعلى وليها لزمه مؤنته ، وكذا تجب بتسليم البالغة نفسها لزوج مراهق فتسلمها هو وإن لم يأذن وليه لأن له يدا عليها بخلاف نحو مبيع له

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( فصل ) في موجب المؤن ومسقطاتها

( قوله : ومسقطاتها ) أي وما يتبع ذلك كالرجوع بما أنفقه بظن الحمل ( قوله : ومنه ) أي التمكين ( قوله : أن تقول مكلفة ) أي ولو سفيهة ( قوله أو ولي غيرهما ) قضية هذا أن غير محجورة لا يعتد بفرض وليها وإن زوجت بالإجبار فلا يجب بفرضه نفقة ولا غيرها ، والظاهر أنه غير مراد اكتفاء بما عليه عرف الناس من أن المرأة سيما البكر إنما يتكلم في شأن زواجها أولياؤها ( قوله : متى دفعت المهر الحال ) خرج به ما اعتيد دفعه من الزوج لإصلاح شأن المرأة كحمام وتنجيد ونقش فلا يكون عدم تسليم الزوج ذلك عذرا للمرأة ، بل امتناعها لأجله مانع من التمكين فلا تستحق نفقة ولا غيرها ، وما اعتيد دفعه أيضا لأهل الزوجة فلا يكون الامتناع لأجله عذرا في التمكين ( قوله أو بأنها في غيبته إلخ ) هذا إنما يحتاج إليه إذا لم يسبق تمكين منها أو سبق نشوز وإلا فالقول قولها في عدم النشوز من غيبته كما يصرح به قوله الآتي ، ومن ثم لو اتفقا عليه وادعى سقوطه إلخ ( قوله : ونحو ذلك ) أي كإرسال القاضي له في غيبته على ما يأتي ( قوله : أو في دار مخصوصة ) أي ولم يتمتع بها فيه أو في الوقت الذي سلمت في تلك الدار ، [ ص: 203 ] وإلا وجبت كما لو سافرت معه بلا إذن منه ولكنه تمتع بها في السفر لأن تمامه في الدار المذكورة رضا منه بإقامتها فيه كما يؤخذ من قوله الآتي بعد قول المصنف ولحاجتها تسقط مؤنتها إلخ ولو امتنعت من النقلة إلخ ( قوله : لتعديها به غالبا ) أي ولا نظر إلى كونها قد لا تكون متعدية بالنشوز كالمجنونة ( قوله : وقياس ذلك أنها لو منعته إلخ ) معتمد ( قوله لم توزع ) والفرق بين هذه وما مر عن الإسنوي أنه ثم لم يسبق منها نشوز ولا ما يشبهه كما مر ، وأما هنا فامتناعها من التمكين في معنى النشوز وهو مسقط لنفقة اليوم والليلة .

[ فائدة ] سئل شيخنا الشهاب الرملي عن امرأة غاب عنها زوجها وترك معها أولادا صغارا ولم يترك عندها نفقة ولا أقام لها منفقا وضاعت مصلحتها ومصلحة أولادها وحضرت إلى حاكم شرعي وأنهت له ذلك وشكت وتضررت وطلبت منه أن يفرض له ولأولادها على زوجها نفقة ففرض لهم عن نفقتهم نقدا معينا في كل يوم وأذن لها في إنفاق ذلك عليها وعلى أولادها أو في الاستدانة عليه عند تعذر الأخذ من ماله والرجوع عليه بذلك وقبلت ذلك منه فهل التقدير والفرض صحيح .

وإذا قدر الزوج لزوجته نظير كسوتها عليه حين العقد نقدا كما يكتب في وثائق الأنكحة ومضت على ذلك مدة وطالبته بما قدر لها عن تلك المدة وادعت عليه به عند حاكم شافعي واعترف به وألزمه به فهل إلزامه صحيح أم لا ، وهل إذا مات الزوج وترك زوجته ولم يقدر لها كسوة وأثبتت وسألت الحاكم الشافعي أن يقدر لها عن كسوتها الماضية التي حلفت على استحقاقها نقدا وأجابها لذلك وقدره لها كما تفعله القضاة الآن فهل له ذلك أو لا ، وهل ما تفعله القضاة من الفرض للزوجة والأولاد عن النفقة أو الكسوة عند الغيبة أو الحضور نقدا صحيح أو لا ؟ فأجاب تقدير الحاكم في المسائل الثلاث صحيح إذ الحاجة داعية إليه والمصلحة تقتضيه فله فعله ويثاب عليه بل قد يجب عليه ا هـ سم على حج .

وقد يتوقف في بعض ذلك إذ لا يجوز الاعتياض عن النفقة المستقبلة كما تقدم ، وما في الشرح عند قول المصنف ولا يصير دينا إلا بفرض قاض ينافي ما قاله والده .

وعبارة سم على منهج : فرع : إذا تراضيا أن يقرر القاضي لهما دراهم عن الكسوة مثلا جاز ، فإذا حكم بشيء لزم ما دام رضاهما بذلك حتى إذا مضى زمن استقر واجبه بمقتضى التقرير فيلزم بدفعه ، فإذا رجعا أو أحدهما عن التقرير ارتفع حكمه من حين الرجوع لا فيما مضى أيضا قاله مر ، ثم ذكر ما يخالف ذلك وأنه ينبغي أنها إذا قبضت لزم وإلا فلا وأن الحكم بذلك ليس حكما حقيقة وهو ظاهر ( قوله : إن ليلة اليوم في النفقات هي التي بعده ) معتمد ( قوله : كالمهر ) ومع وجوبه بالعقد لا يجب تسليمه إلا بالتمكين فلو كانت صغيرة لا تحتمل الوطء لا يجب تسليمه حتى تطيقه ، ومعنى وجوبه بالعقد حينئذ أنه لو مات أحدهما قبل التمكين استقر المهر أو طلقها قبل الدخول استقر النصف [ ص: 204 ] قوله وادعى سقوطه ) أي الواجب ( قوله : فإن لم تعرض نفسها ) عبارة حج : فإن لم تعرض عليه من جهة نفسها أو وليها وعليه فتعرض مبني للمفعول خلاف ما اقتضاه كلام الشارح وهي أولى ( قوله : بأن أرسلت له غير المحجورة ) قضيته أنه لا يعتد بفرض السفيهة ، وقضية التعبير فيما مر بالمكلفة خلافه ، وعبر بالمكلفة في المنهج أيضا ، وعليه فالمراد بالمحجورة هنا من حجر عليها بصبا أو جنون وهو مفهوم قول المصنف الآتي : والمعتبر في مجنونة ومراهقة عرض ولي ( قوله : أو ممكن ) أي لك منها ( قوله : من بلوغ الخبر له ) ظاهره وإن لم يمض زمن يمكنه الوصول إليها ، وسيأتي في الغائب اعتبار الوصول إليها ا هـ سم على منهج ( قوله : فيجيء لها ) بالنصب عطف على ليعلمه ، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدإ محذوف ( قوله : وتجب مؤنتها من وصوله ) أي إلى المرأة نفسها ولا تجب بوصوله إلى السور ( قوله ما لم يعلم ) أي بطريق من الطرق كإخبار أهل القوافل عن حاله ( قوله : ويأخذ منها ) أي ويجوز أن إلخ كما هو ظاهر هذه العبارة ، والأقرب أنه واجب عليه وعليه فهو بالرفع ( قوله : أو إذنه لها في الاقتراض ) ويصرح به قول الشيخ في منهجه : فإن لم يظهر فرضها القاضي وأخذ منها كفيلا إلخ ، ثم ظاهر قوله ويأخذ أنه يأخذ منها كفيلا قبل أن يصرف إليها ويشكل بأنه ضمان ما لم يجب .

فإن قلت : هو من ضمان الدرك المتقدم .

قلت : ليس كذلك لما تقدم أن ضمان الدرك إنما يكون بعد قبض المقابل وهذا ليس كذلك ، اللهم إلا أن يقال : إن هذا مستثنى ( قوله : يكتفي الحاكم ) أي في العذر وعدمه ( قوله قيل الأحسن ) أي قال بعضهم ( قوله : فلا يفرض عليه شيء ) أي فلو فرض القاضي لظن عدم العذر فبان خلافه لم يصح فرضه ، وينبغي أنه لو ادعى [ ص: 205 ] العذر وأنكرت إلا ببينة يقبل منه لسهولة إقامتها ( قوله : عرض ولي ) قضيته أن العبرة في السفيهة بعرضها دون وليها لكن قضية قول الشارح المار بأن أرسلت له غير المحجورة أو ولي المحجورة خلافه ، والذي يظهر ما اقتضاه كلام المصنف ويفهمه تعبير الشيخ في منهجه بالمكلفة دون الرشيدة فإن السفيهة مكلفة ( قوله : بل متى تسلمها ) وعلى هذا فالقياس أنه لو تسلم المجنونة بنفسه كفى في وجوب نفقتها ( قوله : ولو كرها عليها ) والقياس أن البالغة كالمعصر في ذلك لما يأتي أنه لو تمتع بالناشز لم تسقط نفقتها ( قوله : وكذا تجب تسليم البالغة ) قضيته أن المراهقة لو سلمت نفسها للمراهق تسلمها لا يعتد به ، وقضية قوله لأن له يدا عليها خلافه ( قوله : فتسلمها هو ) قيد معتبر

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث