الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعريف التقليد

تعريف التقليد

فإن هذا هو التقليد؛ ولهذا رسموه بأنه قبول قول الغير من دون مطالبة بحجة.

فحاصل التقليد: أن المقلد لا يسأل عن كتاب الله، ولا عن سنة رسوله، بل يسأل عن مذهب إمامه فقط.

فإذا جاوز ذلك إلى السؤال عن الكتاب والسنة، فليس بمقلد، وهذا يسلمه كل مقلد عاقل، ولا ينكره إلا جاهل صرف.

وإذا تقرر أن المقلد إذا سأل أهل الذكر عن كتاب الله وسنة رسوله، وأجابه المسؤول بما فيهما، أو ما في أحدهما، لم يكن مقلدا، علمت أن هذه الآية الشريفة -على تسليم أن السؤال ليس عن الشيء الخاص، الذي يدل عليه [ ص: 142 ] السياق، بل عن كل شيء في الشريعة، كما يزعمه المقلد- تدفع في وجهه، وترغم أنفه، وتكسر ظهره.

فإن معنى هذا السؤال الذي شرعه الله تعالى هو السؤال عن الحجة الشرعية وطلبها من العالم، فيكون هو تاليا، أو راويا، وهذا السائل مسترويا.

والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم، ولا يطالبه بالحجة، فالآية هي دليل الاتباع، لا دليل التقليد.

وبهذا ظهر لك أن هذه الحجة، التي احتج بها المقلد، هي حجة داحضة -على فرض أن المراد: المعنى الخاص- وهي عليه، لا له -على فرض أن المراد المعنى العام- انتهى.

وسيأتي الكلام على هذه الآية الشريفة الهادية إلى الاتباع، الناهية بمفهومها المخالف عن التقليد والابتداع، في ضمن نقل كلام "القول المفيد" إن شاء الله تعالى.

وقال تعالى -: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل: 89] المراد بالكتاب هنا: القرآن، ومثلها قوله سبحانه : ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38] .

ومعنى كونه تبيانا: أن فيه البيان البليغ لكثير من الأشياء، والإحالة فيما يبقى منها على السنة المطهرة، وأمرهم باتباع رسوله فيما يأتي به من الأحكام، وطاعته، كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك.

وقد صح عنه: أنه قال: "أوتيت القرآن ومثله معه".

قال ابن مسعود: تبيانا لكل شيء ، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن.

وعنه قال: "من أراد العلم فليثور القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين".

وفيه: أن من استدل بلفظ، أو آية منه، على معنى موافق للخبر الصحيح المرفوع، فاستدلاله صحيح، وفيه تبيان لما استدل به عليه.

[ ص: 143 ] وإنما قلنا ذلك; لأن كل مبطل، ومحرف، وغال، ومبتدع، ومحدث، ومقلد، ونحوهم، أيضا يستدل بالقرآن على مطلوبه، لكن لا بموافقة ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- فلا يكون استدلاله بهذه الآية على مدعاه.

قال في "فتح البيان": وقد احتج بهذه الآية جمع من أهل العلم على منع التقليد. انتهى.

قلت: كونه تبيانا يرشد إلى أن القرآن يكفي لأحكام جميع الحوادث إلى يوم القيامة، وكذلك السنة المطهرة، فإنها تلوه في هذا الأمر.

ومن زعم من أسراء التقليد، وعبيد الآراء: أن القرآن والحديث لا يكفيان لذلك، وأن الحاجة ماسة إلى الفقه المصطلح عليه اليوم، من المقلدة، ومن شابههم، فقد أساء الظن بالله وبكتابه، وبالرسول وبسنته.

وآية إكمال الدين تدفعه، وترد عليه، والمسألة منقحة في "حصول المأمول" و"إرشاد الفحول" وغيرهما.

وهدى للعباد من الضلالة، أي ضلالة كانت من تقليد وغيره، ورحمة لهم، للمتبعين للسنة، والمقتدين بالكتاب وبشرى [النحل: 89] للمسلمين خاصة دون غيرهم; لأنهم المنتفعون بذلك.

وقال تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان اختلف أهل العلم في معناهما، على أقوال كثيرة.

منها: أن العدل: اتباع الكتاب، والإحسان: اتباع السنة.

وعلى هذا القول يلزم ترك تقليد الرجال، فإنه يخالف ظاهر الكتاب; لآيات في هذا الباب، ويخالف الحديث; فإن في الأخذ بالرأي إساءة واضحة. والله أعلم.

[ ص: 144 ] والأولى تفسيرهما لغة، فيدخل فيهما كل ما يصدق عليه لفظ العدل والإحسان، كائنا ما كان، ويدخل فيه اتباع الحديث والقرآن دخولا أوليا.

وقال تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة "النحل" فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا.

قال في "فتح البيان": صدق -رحمه الله- فإن الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله، أو سنة رسوله، كما يقع لكثير من المؤثرين للرأي، المقدمين له على الرواية، والجاهلين بعلم الكتاب والسنة; كالمقلدة للمذاهب المنقولة عن الأئمة والرجال، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاواهم، ويمنعوا من جهالاتهم؛ فإنهم أفتوا بغير علم من الله، ولا هدى ولا كتاب منير، ودونوا الآراء والأهواء في دفاتر ضخيمة حمل بعير، فضلوا وأضلوا، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل:


كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الحائر



أخرج الطبراني عن ابن مسعود، قال: عسى رجل يقول: إن الله أمر بكذا، أو نهى عن كذا، فيقول الله -عز وجل-: كذبت.

أو يقول: إن الله حرم كذا، أو أحل كذا، فيقول الله: كذبت. انتهى.

ولا شك أن المقلدة الجامعين لكتب الفتاوى هذه، التي طبقت الأرض مشارقها، ومغاربها، يزعمون أن كل ما فيها هو أمره ونهيه، وحلاله وحرامه -عز وجل- كأن هذا كله في فاتحة الكتاب.

وإنك إذا فتشت مسائلها ورسائلها، لا تجدها إلا مبنية على آراء الرجال وأقيستهم، لا على كتاب الله وسنة رسوله، فإنها عنهما بعيدة جدا، وفيها الافتراء عليه سبحانه، و إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون [النحل: 116] بنوع من أنواع الفلاح، والفوز بالمطلوب، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بدليل ما بعده متاع قليل ولهم عذاب أليم .

[ ص: 145 ] رحم الله امرأ تأمل في هذه الآية، وجهد في محو هذا الافتراء الكثير المتجاوز عن الحد، وأفناه عن وجه البسيطة ما استطاع.

وقال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون تقدمت هذه الآية الشريفة، وتكرارها أفاد رد العلم إلى القرآن والسنة، فإنهما ذكر.

قال في "فتح البيان": استدل بهذه الآية على أن التقليد جائز، وهو خطأ، ولو سلم، لكان المعنى: سؤالهم عن نصوص الكتاب والسنة، لا عن الرأي البحت، ومذهب الإمام وتلاميذه. وليس التقليد إلا قبول قول الغير، دون حجته.

والمقلد إذا سائل أهل الذكر عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مقلدا.

قال الرازي: فأما ما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية، في أن للعامي أن يرجع إلى فتيا العلماء، وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر، فبعيد.

لأن هذه الآية خطاب مشافهة، وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة، ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين. انتهى.

وقد قدمنا في سورة "النحل" أن سياق هذه الآية يفيد أن المراد بها السؤال الخاص.

وبه يظهر أن هذه الآية دليل الاتباع، لا دليل التقليد. انتهى.

ولا يصح إطلاق "أهل الذكر" على الفقهاء المقلدة; لكونهم غير ممارسين للذكر، بل هم التاركون له، والناكبون عنه، فيما يدونونه من الآراء والأهواء، ويسردون وجوه الطروس والقراطيس بزبر الأقيسة المختلة، والاجتهادات المعتلة، إنما الذكر هو هذه التفاسير السنية، ودواوين الأحاديث النبوية، على صاحبها الصلوات والتحية.

[ ص: 146 ] وقال تعالى: قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين فقلدناهم واقتدينا بهم.

قال في "فتح البيان": أجابوه بهذا الجواب، الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق، وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء، وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل هذه الملة الإسلامية.

فإن العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأي المدفوع بالدليل، قالوا: هذا قد قال به إمامنا، الذي وجدنا آباءنا له مقلدين، وبرأيه آخذين.

قال الحفناوي: أي: فلم يكن جوابهم إلا التقليد. انتهى.

وجوابه: هو ما أجاب به إبراهيم الخليل -عليه السلام- هاهنا: قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين أي: في خسران واضح ظاهر، لا يخفى على أحد، ولا يلتبس على ذي عقل.

قال النسفي: أراد أن المقلدين والمقلدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر.

وأكد بـ"أنتم" ليصح العطف; لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع. انتهى.

ودلت الآية على تسمية المقلدة بـ"الضالين" فمن سماهم بذلك الاسم، فما أساء، بل تبع في ذلك ظاهر الكتاب، وصريح النص.

وهؤلاء المقلدة من أهل الإسلام، استبدلوا بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- كتبا ودفاتر وأساطير ودساتير قد دونت فيها اجتهادات عالم من علماء الإسلام وفتاواه أنه لم يقف على دليل يخالفها، إما لقصور منه، أو لتقصير في البحث، أو إنكار على من أظهره، تعصبا واعتسافا، أو صرف له عن ظاهره بلا موجب، أو تأويل له بما أضمره من الجمود على التقليد، والأخذ بالرأي، وعبادة الهوى، واتخاذ الإمام ربا له، إلى غير ذلك من الأسباب المشهودة الموجودة، في طائفة التقليد، وزمرة أهل الرأي.

[ ص: 147 ] فوجد ذلك الدليل من وجد، وأبرزه واضح المنار كأنه علم في رأسه نار، وقال: هذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله، وأنشد:


دعوا كل قول عند قول محمد     فما آمن في دينه كمخاطر



فقالوا كما قال الأول:


وما أنا إلا من غزية إن غوت     غويت وإن ترشد غزية أرشد



ولقد أحسن من قال:


يأبى الفتى إلا اتباع الهوى     ومنهج الحق له واضح



قال البيضاوي: والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على الحق. انتهى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث