الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العلماء من المفسرين والمحدثين لم يكونوا مقلدين

العلماء من المفسرين والمحدثين لم يكونوا مقلدين

ومن هنا علم أن العلماء الذين ذموا التقليد، وفاهوا بقبحه في تفسير الكتاب العزيز، وفي غيره من الكتب المؤلفة منهم، لم يكونوا في نفس الأمر مقلدين للأئمة، كحالة هؤلاء المقلدة اليوم، المتسمة بالعلماء، المتحلية بكل لوم.

وإنما نسبهم إلى هذه المذاهب المعروفة هؤلاء المقلدة الجهلة من عند أنفسهم لما رأوا موافقتهم مع إمامهم في المسائل، أكثرها أو أقلها، وهم عن ذلك مبعدون.

والموافقة لا تستلزم التقليد، ولا التعريف به، ولا سيما مع إنكاره عنه، ورده عليه، وذمه له، وتقبيحه إياه.

وهذه مغالطة عظيمة، وغفلة صريحة، أو حمية عصبية، أوقعت كثيرا من الناس في مهاوي الاعتساف، وأبعدتهم عن باب الإنصاف، وصارت سببا للقتال والجدال، وطال فيه القيل والقال، من الفضلاء الذين هم في الحقيقة جهال وضلال.

[ ص: 148 ] وقال تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] أي: ليس الخلل في مشاعرهم وحواسهم، وإنما أصابت الآفة عقولهم باتباع الهوى، والانهماك في تقليد الرأي، بترك الكتاب والسنة والعمل بهما; أي: لا تدرك عقولهم مواطن الحق، ومواضع الاعتبار، ومحال الصواب.

وقال تعالى: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أي: الرسول إذا فريق منهم معرضون [النور: 48] عن المحاكمة إلى الله والرسول، وعن الإجابة والمجيء إليه في حياته، وإلى سنته بعد مماته.

قال في "الفتح": وهكذا هو شأن مقلدة المذاهب بعينه، منذ حدثت هذه البدعة، يعرضون عن إجابة الداعي إلى الله وإلى رسوله، وعن التحاكم إلى كتابه، وسنة رسوله، ويرمونه بكل حجر ومدر، ويسبونه، ويشتمونه، ويذمونه، ويقبحونه، ويعادونه، ويفترون عليه بكل افتراء، ويكذبون فيه كل كذب.

هذه رسائلهم ومسائلهم بين أيدي مقلدة المقلدة، وعبيد العبيد، وأرقاء الأهواء، وملك يمين الأهواء في بلادهم تشهد لما قلنا وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين [النور: 49] طلبا لحقهم، لا رضا بحكم الرسول.

أفي قلوبهم مرض الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم.

والمرض: النفاق. وقيل: كفر وميل إلى الظلم أم ارتابوا أي: شكوا في أمر عدله في الحكم أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله في الحكومة، و"الحيف": الميل في الحكم.

ثم أضرب سبحانه عن هذه الأمور، وقال: بل أولئك هم الظالمون [النور: 50] أي: ليس شيء مما ذكر، بل لعنادهم وظلمهم.

قال في "فتح البيان": وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه; لأن العلماء ورثة الأنبياء.

[ ص: 149 ] والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء، هو حكم بحكم الله ورسوله.

فالداعي إلى التحاكم إليهم، داع إلى الله ورسوله; أي: إلى حكمهما.

قال القرطبي: في هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم; لأن الله ذم من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح ذم، فقال: أفي قلوبهم مرض الآية. انتهى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث