الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في تعريف بعضهم التوبة بترك اختيار

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في تعريف بعضهم التوبة بترك اختيار ذنب سبق مثله منه منزلة لا صورة .

( السادس ) : عرف بعضهم التوبة بترك اختيار ذنب سبق مثله منه منزلة لا صورة تعظيما لله تعالى وحذرا من سخطه ، فشمل هذا التعريف أربع أمور :

الأول : ترك الاختيار للمذنب بأن يوطن قلبه ويجرد عزمه على عدم العود إلى الذنب ألبتة . فأما إن ترك الذنب وفي نفسه العود إليه أو يتردد في العود فهذا ليس بتائب وإنما هو ممتنع .

الثاني : أن يتوب عن ذنب قد سبق منه مثله ، فإن لم يكن سبق له ذنب فهو متق غير تائب .

( الثالث ) : إن الذي سبق يكون مثل ما يترك اختياره في المنزلة والدرجة لا في الصورة . ألا ترى أن الشيخ الفاني الهرم الذي قد كان سبق منه الزنا وقطع للطريق إذا أراد أن يتوب عن ذلك تمكنه التوبة وتقبل منه توبته لا محالة لأنه لم يغلق عنه بابها ، مع أنه لا يمكنه ترك اختيار الزنا وقطع الطريق لعدم قدرته على فعل ذلك ، فلا يصح وصفه بأنه تارك له ممتنع عنه وهو عاجز عنه غير متمكن من فعله لكنه يقدر على ما هو مثل الزنا وقطع الطريق في المنزلة والدرجة كالقذف والغيبة والنميمة إذ جميع ذلك معاص [ ص: 597 ] وإن تفاوت الإثم في حق الآدمي في كل خصلة ومعصية بقدرها ولكن جميع هذه المعاصي الفرعية كلها بمنزلة واحدة وهي دون منزلة البدعة ، ومنزلة البدعة دون منزلة الكفر ، فإن كانت البدعة مكفرة اتحدت منزلتها مع الكفر .

فظهر أن المنازل ثلاثة : منزلة الكفر ، ومنزلة البدع ، ومنزلة المعاصي . ثم إن المعاصي تقسم إلى صغيرة وكبيرة . وللكبائر منها الموبقات السبع ، وهي قتل النفس والزنا وأكل الربا والسحر والقذف وأكل أموال اليتامى والتولي يوم الزحف .

قال الإمام العلامة ابن مفلح في الآداب الكبرى : وتصح توبة من عجز عما حرم عليه من قول وفعل كتوبة الأقطع عن السرقة . والزمن عن السعي إلى حرام ، والمجبوب عن الزنا . ومقطوع اللسان عن القذف ، والمراد إما أن يكون ما تاب منه كان قد وقع منه ، وإما أن تكون التوبة عن عزمه على المعصية لو قدر عليها . انتهى .

الرابع : كون التوبة والرجوع تعظيما لوجه الله تعالى وامتثالا لأمره .

فإن لم يكن كذلك فليس بتائب وإنما هو مراء أو خائف ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا توبة نصوحا تمحى بها الأوزار ، ونرتقي منها إلى منازل الأبرار ، مع السادة الأخيار . إنه التواب الغفار .

لا رب لنا سواه . ولا نعبد إلا إياه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث