الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( 249 ) )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في أمر هذين الفريقين أعني القائلين : " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " والقائلين : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " من هما ؟

فقال بعضهم : الفريق الذين قالوا : " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " هم أهل كفر بالله ونفاق ، وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده ؛ لأنهم انصرفوا عن طالوت ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه ، وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر .

ذكر من قال ذلك :

5734 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي بذلك .

وهو قول ابن عباس . وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه آنفا .

5735 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن [ ص: 351 ] ابن جريج : " قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله " الذين اغترفوا وأطاعوا ، الذين مضوا مع طالوت المؤمنون ، وجلس الذين شكوا .

وقال آخرون : كلا الفريقين كان أهل إيمان ، ولم يكن منهم أحد شرب من الماء إلا غرفة ، بل كانوا جميعا أهل طاعة ، ولكن بعضهم كان أصح يقينا من بعض . وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " . والآخرون كانوا أضعف يقينا . وهم الذين قالوا : " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " .

ذكر من قال ذلك :

5736 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " ويكون [ والله ] المؤمنون بعضهم أفضل جدا وعزما من بعض ، وهم مؤمنون كلهم .

5737 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " أن النبي قال لأصحابه يوم بدر : أنتم بعدة أصحاب طالوت : ثلاثمائة . قال قتادة : وكان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر .

5438 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : الذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوا ، وهم الذين قالوا : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " .

ويجب على القول الذي روي عن البراء بن عازب : أنه لم يجاوز النهر مع طالوت [ ص: 352 ] إلا عدة أصحاب بدر - أن يكون كلا الفريقين اللذين وصفهما الله بما وصفهما به أمرهما على نحو ما قال فيهما قتادة وابن زيد .

قال أبو جعفر : وأولى القولين في تأويل الآية ما قاله ابن عباس والسدي وابن جريج ، وقد ذكرنا الحجة في ذلك فيما مضى قبل آنفا .

وأما تأويل قوله : " قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله " فإنه يعني : قال الذين يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو الله .

5739 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي " قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله " الذين يستيقنون .

فتأويل الكلام : قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدقون بالمرجع إلى الله للذين قالوا : " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " " كم من فئة قليلة " يعني ب " كم " كثيرا ، غلبت فئة قليلة " فئة كثيرة بإذن الله " يعني : بقضاء الله وقدره " والله مع الصابرين " يقول : مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته .

وقد أتينا على البيان عن وجوه " الظن " وأن أحد معانيه : العلم واليقين ، بما يدل على صحة ذلك فيما مضى ، فكرهنا إعادته .

وأما " الفئة " فإنهم الجماعة من الناس ، لا واحد له من لفظه ، وهو مثل " الرهط " و " النفر " يجمع " : فئات " و " فئون " في الرفع ، و " فئين " في [ ص: 353 ] النصب والخفض ، بفتح نونها في كل حال . " وفئين " بالرفع بإعراب نونها بالرفع وترك الياء فيها ، وفي النصب " فئينا " وفي الخفض " فئين " فيكون الإعراب في الخفض والنصب في نونها . وفي كل ذلك مقرة فيها " الياء " على حالها . فإن أضيفت قيل : " هؤلاء فئينك " بإقرار النون وحذف التنوين ، كما قال الذين لغتهم : " هذه سنين " في جمع " السنة " : " هذه سنينك " بإثبات النون وإعرابها وحذف التنوين منها للإضافة . وكذلك العمل في كل منقوص مثل " مئة " " وثبة " " وقلة " " وعزة " : فأما ما كان نقصه من أوله ، فإن جمعه بالتاء ، مثل " عدة وعدات " و " صلة وصلات " .

وأما قوله : " والله مع الصابرين " فإنه يعني : والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته ، وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين عن سبيله ، المخالفين منهاج دينه .

وكذلك يقال لكل معين رجلا على غيره : " هو معه " بمعنى هو معه بالعون له والنصرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث