الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وهذا الكتاب ينقسم إلى قسمين :

الأول : النظر في القصاص في النفوس .

والثاني : النظر في القصاص في الجوارح ، فلنبدأ من القصاص في النفوس .

كتاب القصاص في النفوس

والنظر أولا في هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين : إلى النظر في الموجب ( أعني : الموجب للقصاص ) ، وإلى النظر في الواجب ( أعني : القصاص ) وفي إبداله إن كان له بدل . فلنبدأ أولا بالنظر في الموجب .

[ القسم الأول ]

[ النظر في موجب القصاص ]

والنظر في الموجب يرجع إلى النظر في صفة القتل والقاتل التي يجب بمجموعها والمقتول القصاص ، فإنه ليس أي قاتل اتفق يقتص منه ، ولا بأي قتل اتفق ، ولا من أي مقتول اتفق ، بل من قاتل محدود بقتل محدود ومقتول محدود ، فإذ كان المطلوب في هذا الباب إنما هو العدل . فلنبدأ من النظر في القاتل ، ثم في القتل ، ثم في المقتول .

القول في شروط القاتل

فنقول : إنهم اتفقوا على أن القاتل الذي يقاد منه يشترط فيه باتفاق أن يكون عاقلا بالغا مختارا للقتل مباشرا غير مشارك له فيه غيره ، واختلفوا في المكره والمكره ، وبالجملة الآمر والمباشر ، فقال مالك والشافعي ، والثوري ، وأحمد ، وأبو ثور وجماعة : القتل على المباشر دون الآمر ، ويعاقب الآمر . وقالت طائفة : يقتلان جميعا ، وهذا إذا لم يكن هنالك إكراه ولا سلطان للآمر على المأمور . وأما إذا كان للآمر سلطان على المأمور ( أعني : المباشر ) ، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال :

1 - فقال قوم : يقتل الآمر دون المأمور ، ويعاقب المأمور ، وبه قال داود ، وأبو حنيفة ، وهو أحد قولي الشافعي .

[ ص: 718 ]

2 - وقال قوم : يقتل المأمور دون الآمر وهو أحد قولي الشافعي .

3 - وقال قوم : يقتلان جميعا ، وبه قال مالك .

فمن لم يوجب حدا على المأمور اعتبر تأثير الإكراه في إسقاط كثير من الواجبات في الشرع ، لكون المكره يشبه من لا اختيار له .

ومن رأى عليه القتل غلب عليه حكم الاختيار ، وذلك أن المكره يشبه من جهة المختار ، ويشبه من جهة المضطر المغلوب ، مثل الذي يسقط من علو ، والذي تحمله الريح من موضع إلى موضع .

ومن رأى قتلهم جميعا لم يعذر المأمور بالإكراه ولا الآمر بعدم المباشرة .

ومن رأى قتل الآمر فقط شبه المأمور بالآلة التي لا تنطق .

ومن رأى الحد على غير المباشر اعتمد أنه ليس ينطلق عليه اسم قاتل إلا بالاستعارة .

وقد اعتمدت المالكية في قتل المكره على القتل بالقتل بإجماعهم على أنه لو أشرف على الهلاك من مخمصة لم يكن له أن يقتل إنسانا فيأكله .

وأما المشارك للقاتل عمدا في القتل ، فقد يكون القتل عمدا وخطأ ، وقد يكون القاتل مكلفا وغير مكلف ، وسنذكر العمد عند قتل الجماعة بالواحد .

وأما إذا اشترك في القتل عامد ومخطئ أو مكلف وغير مكلف ، مثل عامد وصبي أو مجنون ، أو حر وعبد في قتل عبد عند من لا يقيد من الحر بالعبد ، فإن العلماء اختلفوا في ذلك :

فقال مالك ، والشافعي : على العامد القصاص ، وعلى المخطئ والصبي نصف الدية ، إلا أن مالكا يجعله على العاقلة ، والشافعي في ماله على ما يأتي ، وكذلك قالا في الحر والعبد يقتلان العبد عمدا أن العبد يقتل ، وعلى الحر نصف القيمة ، وكذلك الحال في المسلم والذمي يقتلان جميعا .

وقال أبو حنيفة : إذا اشترك من يجب القصاص عليه مع من لا يجب عليه القصاص ، فلا قصاص على واحد منهما وعليهما الدية .

وعمدة الحنفية أن هذه شبهة ، فإن القتل لا يتبعض وممكن أن تكون إفاتة نفسه من فعل الذي لا قصاص عليه كإمكان ذلك ممن عليه القصاص ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : " ادرءوا الحدود بالشبهات " ، وإذا لم يكن الدم وجب بدله ، وهو الدية .

وعمدة الفريق الثاني النظر إلى المصلحة التي تقتضي التغليظ لحوطة الدماء ، فكأن كل واحد منهما انفرد بالقتل فله حكم نفسه ، وفيه ضعف في القياس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث