الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرائط المحلية فأنواع منها أن تكون الأرض عشرية فإن كانت خراجية يجب فيها الخراج ولا يجب في الخارج منها العشر فالعشر مع الخراج لا يجتمعان في أرض واحدة عندنا .

وقال الشافعي : يجتمعان فيجب في الخارج من أرض الخراج العشر حتى قال بوجوب العشر في الخارج من أرض السواد .

وجه قوله أنهما حقان مختلفان ذاتا ومحلا وسببا فلا يتدافعان أما اختلافهما ذاتا فلا شك فيه .

وأما المحل فلأن الخراج يجب في الذمة والعشر يجب في الخارج .

وأما السبب فلأن سبب وجوب الخراج الأرض النامية وسبب وجوب العشر الخارج حتى لا يجب بدونه والخراج يجب بدون الخارج وإذا ثبت اختلافهما ذاتا ومحلا وسببا فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر ، ولنا ما روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم } ; ولأن أحدا من أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشرا إلى يومنا هذا فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع فيكون باطلا ; ولأن سبب وجوبهما واحد وهو الأرض النامية فلا يجتمعان في أرض واحدة كما لا يجتمع زكاتان في مال واحد وهي زكاة السائمة والتجارة .

والدليل على أن سبب وجوبهما الأرض النامية أنهما يضافان إلى الأرض ، يقال : خراج الأرض وعشر الأرض ، والإضافة تدل على السببية فثبت أن سبب الوجوب فيهما هو الأرض النامية إلا أنه إذا لم يزرعها وعطلها يجب الخراج ; لأن انعدام النماء كان لتقصير من قبله فيجعل موجودا تقديرا حتى لو كان الفوات لا بتقصيره بأن هلك لا يجب وإنما لا يجب العشر بدون الخارج حقيقة ; لأنه متعين ببعض الخارج فلا يمكن إيجابه بدون الخارج وعلى هذا قال أصحابنا فيمن اشترى أرض عشر للتجارة أو اشترى أرض خراج للتجارة أن فيها العشر ، أو الخراج ولا تجب زكاة التجارة مع أحدهما هو الرواية المشهورة عنهم .

وروي عن محمد أنه يجب العشر والزكاة ، أو الخراج والزكاة .

وجه هذه الرواية أن زكاة التجارة تجب في الأرض والعشر يجب في الزرع وأنهما مالان مختلفان فلم يجتمع الحقان في مال واحد .

وجه ظاهر الرواية أن سبب الوجوب في الكل واحد وهو الأرض ألا ترى أنه يضاف الكل إليها ؟ يقال : عشر الأرض وخراج الأرض وزكاة الأرض وكل واحد من ذلك حق الله تعالى ، وحقوق الله تعالى المتعلقة بالأموال النامية لا يجب فيها حقان منها بسبب مال واحد كزكاة السائمة مع التجارة .

وإذا ثبت أنه لا سبيل إلى اجتماع العشر والزكاة واجتماع الخراج والزكاة فإيجاب العشر ، أو الخراج أولى ; لأنهما أعم وجوبا ألا ترى أنهما لا يسقطان بعذر الصبا والجنون ، والزكاة تسقط به فكان إيجابهما أولى .

وإذا عرف أن كون الأرض عشرية من شرائط وجوب العشر لا بد من بيان الأرض العشرية .

وجملة الكلام فيه أن الأراضي نوعان : عشرية وخراجية ، أما العشرية فمنها أرض العرب كلها قال محمد رحمه الله : وأرض العرب من العذيب إلى مكة وعدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة وذكر الكرخي هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية وإنما كانت هذه أرض عشر ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده لم يأخذوا من أرض العرب خراجا فدل أنها عشرية إذ الأرض لا تخلو عن إحدى المؤنتين ; ولأن الخراج يشبه الفيء فلا يثبت في أرض العرب كما لم يثبت في رقابهم والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث