الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله تعالى : وأنذر به الذين يخافون الآيات .

أخرج أحمد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في الحلية ، عن عبد الله بن مسعود قال : مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أنحن نكون تبعا لهؤلاء ! اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ، فأنزل فيهم القرآن : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم إلى قوله والله أعلم بالظالمين .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن عكرمة قال : مشى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل ، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا : لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد ، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا - كان أعظم له في صدورنا ، وأطوع له عندنا ، وأدنى لاتباعنا إياه [ ص: 55 ] وتصديقه ، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم ؟ فأنزل الله : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم إلى قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين قالوا : وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبي حذيفة وصبيحا مولى أسيد ، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم ، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا الآية ، فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن ماجه وأبو يعلى ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، عن خباب قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس من ضعفاء المؤمنين ، فلما رأوهم حوله حقروهم ، فأتوه فخلوا به فقالوا : إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا [ ص: 56 ] فإن وفود العرب ستأتيك فنستحيي أن ترانا العرب قعودا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت . ، قال : نعم ، قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتابا . فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بهذه الآية ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى قوله فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول : سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فكنا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الآية [الكهف : 28] ، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم .

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة ، عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة ، أنه قال في أسطوان التوبة : كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها ، وقد سبق إليها الضعفاء والمساكين [ ص: 57 ] وأهل الضر ، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم ، والمؤلفة قلوبهم ، ومن لا مبيت له إلا المسجد ، قال : وقد تحلقوا حولها حلقا بعضهم دون بعض ، فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح ، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته ويحدثهم ويحدثونه ، حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغنى ، فلم يجدوا إليه مخلصا ، فتاقت أنفسهم إليه ، وتاقت نفسه إليهم ، فأنزل الله عز وجل : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الآيتين [الكهف : 38 ، 39] ، فلما نزل ذلك فيهم قالوا : يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك ، فأنزل الله عز وجل : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى منتهى الآيتين .

وأخرج الفريابي وأحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه والحاكم ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الدلائل ، عن سعد بن أبي وقاص قال : لقد نزلت هذه الآية في ستة ؛ أنا وعبد الله بن مسعود وبلال ورجل من هذيل واثنين ، قالوا : يا رسول الله اطردهم فإنا نستحيي أن نكون تبعا لهؤلاء ، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع ، فأنزل الله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى قوله : أليس الله بأعلم بالشاكرين .

[ ص: 58 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي قال : المصلين ؛ بلال ، وابن أم عبد ، كانا يجالسان محمدا صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش تحقرة لهما : لولاهما وأشباههما لجالسناه ، فنهي عن طردهم حتى قوله : أليس الله بأعلم بالشاكرين .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن الربيع بن أنس قال : كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم بلال وصهيب وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم ، وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية ، فقالوا : صهيب رومي ، وسلمان فارسي ، وبلال حبشي ، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية ! حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا سادة قومك وأشرافهم ، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا . قال : فهم أن يفعل ، فأنزل الله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم الآية .

وأخرج ابن عساكر ، عن مجاهد قال : كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال وسلمان وصهيب وغيرهم مثل ابن أم عبد وعمار وخباب ، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش : بلال حبشي وسلمان فارسي وصهيب رومي [ ص: 59 ] فلو نحاهم لأتيناه ، فأنزل الله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طريق علي ، عن ابن عباس في قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يعني : يعبدون ربهم بالغداة والعشي يعني الصلاة المكتوبة .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي قال : الصلاة المفروضة ؛ الصبح والعصر .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن إبراهيم في قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي قال : هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر ، قال سفيان : هم أهل الفقر .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طريق علي ، عن ابن عباس في قوله : وكذلك فتنا بعضهم ببعض يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء ، فقال الأغنياء للفقراء أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [ ص: 60 ] يعني : هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخريا .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، عن قتادة في قوله : وكذلك فتنا بعضهم ببعض يقول : ابتلينا بعضهم ببعض .

وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس وكذلك فتنا بعضهم ببعض الآية ، قال : هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس : نؤمن لك ، وإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد، ومسدد في مسنده ، وابن جرير ، [153و] وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ماهان قال : أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا أصبنا ذنوبا عظاما ، فما رد عليهم شيئا، فانصرفوا فأنزل الله : وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الآية ، فدعاهم فقرأها عليهم .

وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج قال : أخبرت أن قوله سلام عليكم قال : كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال : سلام عليكم ، وإذا [ ص: 61 ] لقيهم فكذلك أيضا .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، عن قتادة في قوله : وكذلك نفصل الآيات قال : نبين الآيات .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : ولتستبين سبيل المجرمين قال : الذين يأمرونك بطرد هؤلاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث