الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

31 [ ص: 8 ] باب

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما [الحجرات: 9]

فسماهم المؤمنين.

31 - حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فقلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه". [6875، 7083 - مسلم: 2888 - فتح: 1 \ 84]

التالي السابق


ثنا عبد الرحمن بن المبارك، ثنا حماد بن زيد، ثنا أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه".

نا سليمان بن حرب نا شعبة، عن واصل، عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا، فعيرته بأمه، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم".

هكذا وقع في أكثر النسخ بعد الآية الثانية، حديث الأحنف عن أبي [ ص: 9 ] بكرة، ثم حديث أبي ذر، ووقع في كثير من نسخه قبل ذكر الآية الثانية حديث أبي ذر ثم قال: باب: وإن طائفتان [الحجرات: 9] الآية ثم ساق حديث أبي بكرة، والجميع حسن.

ومقصوده بذلك أن مرتكب المعصية لا يكفر، ولا يخرج بذلك عن اسم الإيمان والإسلام، وهذا مذهب أهل السنة.

فإن قلت: إنما سمي في الآية مؤمنا، وفي الحديث مسلما حال الالتقاء لا في حال القتال وبعده، قلت: الدلالة من الآية ظاهرة، فإن قوله تعالى: فأصلحوا بين أخويكم [الحجرات: 10] سماهما أخوين بعد القتال، وأمر بالإصلاح بينهما; ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سعيا إليه وقصداه. والحديث محمول على معنى الآية.

وحديث عبادة بن الصامت صريح في الدلالة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". والأحاديث بنحو هذا كثيرة (صريحة) صحيحة معروفة مع آيات من القرآن العزيز.

ثم الكلام على الحديث الأول - وهو حديث أبي بكرة - من وجوه:

أحدها:

أخرجه أيضا البخاري في الفتن عن عبد الله بن عبد الوهاب، نا حماد بن سلمة، عن رجل لم يسمه، عن الحسن قال؟ خرجت [ ص: 10 ] بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يعني: عليا وهذا بيان للمبهم في الرواية السالفة، ثم ساق الحديث. قال حماد بن زيد : فذكرت هذا الحديث لأيوب، ويونس بن عبيد، وأنا أريد أن يحدثاني به، فقالا: إنما روى هذا الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة .

قال البخاري : ونا سليمان، نا حماد بن زيد، فساقه وفيه: فقلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل. والباقي مثله، وأخرجه مسلم من طرق.

ثانيها: في التعريف برجاله:

فأيوب سلف، وأما أبو بكرة فهو: نفيع -بالنون- بن الحارث بن كلدة -بالكاف واللام المفتوحتين- بن عمرو بن علاج بن سلمة -وهو عبد العزى- بن غيرة -بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة تحت- ابن عوف بن قسي - بفتح القاف وكسر السين المهملة - وهو: ثقيف بن منبه الثقفي، وقيل: نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: اسمه مسروح، وأمه: سمية أمة للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله من حصن الطائف في بكرة، وكني أبا بكرة لذلك.

قال الجوهري : بكرة البئر: ما يستقى عليها، وجمعها بكر بالتحريك كحلقة وحلق وهو من شواذ الجمع.

[ ص: 11 ] أعتقه رسول الله جييه، وهو معدود في مواليه، وكان أبو بكرة يقول: أنا من إخوانكم في الدين، وأنا مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن أبى الناس ألا ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح.

وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، ولم يزل مجتهدا في العبادة حتى توفي. قال الحسن: لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل منه، ومن عمران بن حصين، روي له مائة واثنان وثلاثون حديثا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث.

روى عنه: ابناه عبد الرحمن ومسلم وغيرهما من كبار التابعين، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين.

وأما الأحنف بن قيس فهو أبو بحر، واسمه الضحاك، وقيل: صخر بن قيمس بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ولد وهو أحنف، والأحنف : الأعوج، والحنف: الاعوجاج في الرجل، وهو أن تقبل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين على الأخرى، وقيل: هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها. أي: [ ص: 12 ] الذي يلي خنصرها، وكانت أمه ترقصه، وتقول:

والله لولا حنف في رجله ما كان في الحي غلام مثله

وعنه عن رجل من بني ليث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهم اغفر للأحنف" فما شيء أرجى عندي من ذلك.

أدرك زمان النبي جيخييه، ولم يره، وسمع: عمر وعليا والعباس وغيرهم، وعنه: الحسن وغيره.

قال الحسن: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف . وعنه أنه قال: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة الجواب. مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير.

وأما الحسن فهو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاري، مولاهم، البصري، وأمه خيرة مولاة أم سلمة أم المؤمنين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قالوا: ربما خرجت أمه في شغل فيبكي [ ص: 13 ] فتعطيه أم سلمة ثديها فيدر عليه، فيرون أن الفصاحة (والبركة) والحكمة من بركة ذلك.

نشأ بوادي القرى، ورأى طلحة بن عبيد الله وعائشة، ولم يصح له سماع منهما، وقيل: لقي عليا ولم يصح، وحضر الدار وله أربع عشرة سنة، فسمع ابن عمر وأنسا وجندب بن عبد الله وغيرهم من الصحابة وخلقا من التابعين. وعنه خلق من التابعين فمن بعدهم.

روينا عن الفضيل بن عياض قال: سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من الصحابة؟ فقال: مائة وثلاثين. قلت: فابن سيرين قال: ثلاثين.

وسئل أبو زرعة عن الحسن، ألقي أحدا من البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليا، قيل له: سمع منهما؟ قال: لا، كان الحسن يوم بويع علي ابن أربع عشرة سنة رأى عليا بالمدينة ج، ثم خرج علي إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذلك.

وروينا عنه قال: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، وقال ابن سعد : كان جامعا عالما رفيعا فقيها ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما، قدم مكة فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه فحدثهم، وكان فيمن أتاه مجاهد وعطاء وطاوس وعمرو بن شعيب، [ ص: 14 ] فقالوا (أو) قال بعضهم: ما رأينا مثل هذا قط.

وسئل أنس بن مالك عن مسألة (فقال): سلوا مولانا الحسن; فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا. وإمامته وجلالته مجمع عليها. مات سنة عشر ومائة، ومات ابن سيرين بعده بمائة يوم.

فائدة: روى البخاري هذا الحديث هنا عن الحسن عن الأحنف كما سلف، ورواه في: الفتن عن الحسن عن أبي بكرة، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن من أبي بكرة . قال الدارقطني : بينهما الأحنف، واحتج بما سلف.

وكذا رواه هشام (و) المعلى بن زياد عن الحسن، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه كما ساقه في الفتن، واستدل بما أخرجه البخاري أيضا: في الفتن في باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن ابني هذا سيد" [ ص: 15 ] عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن إسرائيل. فذكر الحديث. وفيه: قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب.

قال البخاري : قال علي بن المديني : إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث.

وقال الباجي: هذا الحسن المذكور في هذا الحديث الذي قال فيه: سمعت أبا هريرة . إنما هو الحسن بن علي، وليس بالحسن البصري.

وأثنى علي بن المديني وأبو زرعة على مراسيل الحسن، وضعفها بعضهم.

وأما يونس فهو: أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي مولاهم البصري التابعي، رأى أنسا، وسمع الحسن وابن سيرين وغيرهما من كبار التابعين، وعنه: الأئمة الأعلام، منهم: الثوري وشعبة وآخرون. وجلالته وفضله وثقته مجمع (عليها).

قال سعيد بن عامر: ما رأيت رجلا قط أفضل منه، وأهل البصرة على ذا. مات سنة تسع وثلاثين ومائة.

قال حماد بن زيد : وولد بعد الجارف.

وأما حماد بن زيد فهو: الإمام أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم [ ص: 16 ] الأزدي البصري مولى جرير بن حازم . سمع ثابتا البناني وغيره من التابعين، وعنه السفيانان وخلق.

قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة، الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة، وما رأيت أعلم من حماد بن زيد، ولا سفيان ولا مالك .

وقال عبيد الله بن الحسن: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم فاطلبوه منهما.

وقال ابن معين : ليس أحد أثبت من حماد بن زيد .

وقال يحيى بن يحيى : ما رأيت أحدا من الشيوخ أحفظ من حماد بن زيد .

وقال أبو زرعة : حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة .

وقال ابن سعد : كان ثقة ثبتا حجة كثير الحديث، وأنشد ابن المبارك فيه:

أيها الطالب علما     ائت حماد بن زيد
فخذ العلم بحلم     ثم قيده بقيد ودع البدعة من
آثار عمرو بن عبيد



وإجماع الأئمة والحفاظ من أهل عصره فمن بعده منعقد على جلالته، وعظم علمه، وحفظه، وإتقانه، وإمامته. ولد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، عن إحدى وثمانين. قال الخطيب: حدث عن حماد بن زيد : إبراهيم بن أبي عبلة، والهيثم بن سهل وبين وفاتيهما مائة وثماني سنين وأكثر. وحدث عنه الثوري : [ ص: 17 ] وبين وفاته ووفاة الهيثم مائة سنة أو أكثر.

وأما شيخ البخاري فهو أبو بكر، ويقال: أبو محمد عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله البصري القيشي -بالمثناة والشين المعجمة- سمع جمعا، منهم: خالد الواسطي، وعنه جماعة من الأعلام والحفاظ منهم: البخاري وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: صدوق، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يرو له مسلم شيئا.

مات سنة ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائتين، وقيل: سنة عشرين.

حكاه النووي في "شرحه"، ولم يذكره المزي، وإنما حكى الأولين فقط، (ووقع في شرح شيخنا الشيخ قطب الدين: مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: تسع وعشرين فاعلم ذلك).

فائدة:

في هذا الإسناد لطيفتان: كل رجاله بصريون، وفيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم: الأحنف والحسن وأيوب مع يونس.

الوجه الثالث:

الآية الأولى دالة (على مذهب) أهل الحق على أن من مات موحدا لا يخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر -غير الشرك- ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة في قوله: "وإن زنى، [ ص: 18 ] وإن سرق". والمراد بالآية: من مات على الذنوب من غير توبة; لأنه لو مات عليها فلا فرق فيه بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة، وإجماع السلف عليه.

وأما الآية الثانية فهي عمدة أصحابنا وغيرهم من العلماء في قتال أهل البغي. وسيأتي بسط الكلام في ذلك في بابه، حيث ذكره البخاري، إن شاء الله تعالى.

الرابع:

الطائفة: القطعة من الشيء. قاله أهل اللغة. والمراد بالطائفتين في الآية: الفرقتان من المسلمين. وقد تطلق الطائفة على الواحد، هذا قول الجمهور من أهل اللغة وغيرهم.

وقال الزجاج: الذي عندي أن أقل الطائفة اثنان. وقد حمل الشافعي وغيره من العلماء الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه مختلفة بحسب المواطن، فهي في قوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة [التوبة: 122]، واحد فأكثر، واحتج به في قبول خبر الواحد، وفي قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة [النور: 2] أربعة. وفي قوله تعالى: فلتقم طائفة منهم معك [النساء: 102] ثلاثة.

وفرقوا في هذه المواضع بحسب القرائن، أما في الأولى فلأن

الإنذار يحصل به، وفي الثانية; لأنها البينة فيه، وفي الثالثة; لذكرهم

بلفظ الجمع في قوله: وليأخذوا أسلحتهم [النساء: 102].. إلى [ ص: 19 ] آخره، وأقله ثلاثة على المذهب المختار، وقول جمهور أهل اللغة والفقه والأصول. فإن قلت: فقد قال تعالى في آية الإنذار: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم [التوبة: 122] وهذه ضمائر جموع.

فالجواب: أن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق.

الخامس:

الرجل المبهم في هذه الرواية هو علي بن أبي طالب كما أسلفناه في الرواية الأخرى.

السادس:

قوله: ("إذا التقى المسلمان") وفي الرواية الأخرى: "إذا تواجه المسلمان". ومعنى تواجه: ضرب كل منهما صاحبه أي: ذاته وجملته.

السابع:

معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ("فالقاتل والمقتول في النار") أنهما يستحقانها، وأمرهما إلى الله تعالى، كما هو مصرح به في حديث عبادة، "فإن شاء عفا عنهما، وإن شاء عاقبهما" ثم أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل. ونظير هذا الحديث في المعنى قوله تعالى: فجزاؤه جهنم [النساء: 93] معناه: هذا [ ص: 20 ] جزاؤه، وليس بلازم أن يجازى، ثم هذا الحديث محمول على غير المتأول، كمن قاتل لعصبية وغيرها.

الثامن:

اختلف العلماء في القتال في الفتنة، فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه، عملا بظاهر هذا الحديث، وبحديث أبي بكرة في "صحيح مسلم " الطويل: "إنها ستكون فتن"، الحديث. وقال هؤلاء: لا يقاتل وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله، ولا تجوز له المدافعة عن نفسه; لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة وغيره.

وفي "طبقات ابن سعد " مثله عن أبي سعيد الخدري، وقال عمران بن حصين وابن عمر وغيرهما: لا يدخل فيها فإن قصدوا (دافع) عن نفسه. وقال معظم الصحابة والتابعين وغيرهما: يجب نصر الحق وقتال الباغين; لقوله تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله [الحجرات: 9] وهذا هو الصحيح.

وتتأول أحاديث المنع على من لم يظهر له الحق، أو على عدم التأويل لواحد منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطالوا.

والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عن ما شجر بين الصحابة، وحسن الظن بهم والتأويل لهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، فمنهم المخطئ في اجتهاده والمصيب. وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع، وضعف أجر [ ص: 21 ] المصيب. وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح (به الجمهور) إذ كان أفضل من كان على وجه الدنيا حينئذ.

وتأول غيره بوجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكره، وأنهم لا يعتقدون إمامة، ولا (يعطون) بيعة حتى نقضوا ذلك، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم للإمام، وكانت الأمور لم تستقر، وفيهم عدد ولهم منعة وشوكة، ولو أظهر تسليمهم أولا أو القصاص منهم لاضطرب الأمر، ومنهم جماعة لم يدخلوا في شيء، واحتجوا بالنهي عن التلبس بالفتن، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها.

التاسع:

قوله - صلى الله عليه وسلم -: ("إنه كان حريصا على قتل صاحبه") وفي رواية أخرى: "إنه قد أراد قتل صاحبه" فيه حجة للقول الصحيح الذي عليه. الجمهور: أن العزم على الذنب، والعقد على عمله معصية يأثم به وإن لم يعمله ولا تكلم به، بخلاف الهم المعفو عنه، وللمخالف أن يقول: هذا فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال.

[ ص: 22 ] الحديث الثاني: حديث أبي ذر .

والكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن سليمان عن شعبة، وأخرجه في: العتق: عن آدم عن شعبة أتم من هذا، وفي الأدب: عن عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه، وأخرجه مسلم في: الإيمان والنذور، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، وعن أحمد بن يونس، عن زهير، وعن (أبي كريب)، عن أبي معاوية، وعن (إسحاق بن إبراهيم)، عن عيسى بن يونس، كلهم، عن الأعمش، وعن أبي موسى وبندار، عن غندر، عن شعبة، عن واصل كلاهما، عن المعرور.

الوجه الثاني: في التعريف برواته:

وقد سلف ترجمة شعبة وسليمان.

وأما أبو ذر فهو جندب -بضم الجيم والدال، وحكي فتح الدال، وعن بعضهم فيه كسر أوله وفتح ثالثه، وكأنه قاله لغة من واحد الجنادب، الذي هو طائر -وقيل: اسمه برير- بضم الموحدة وراء مكررة -بن جندب. والمشهور الأول. (جندب) بن جنادة- بضم [ ص: 23 ] الجيم- بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليل -بضم الميم وفتح اللام- بن ضصرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، السيد الجليل.

أسلم قديما، جاء عنه أنه قال: أنا رابع أربعة في الإسلام.

ويقال: كان خامس خمسة. أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت (بدر) وأحد والخندق، ثم رجع إلى المدينة.

وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهورة في "الصحيح"، ومناقبه جمة، وزهده مشهور، وتواضعه وزهده مشبه في الحديث بتواضع عيسى عصيه وزهده.

[ ص: 24 ] روي له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثا، اتفقا منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه: ابن عباس وأنس، وعنه خلق من التابعين، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وقصته فيها مشهورة.

وقد أوضحت ترجمته في كتابنا المسمى بـ "العدة في معرفة رجال العمدة" فراجعها منه.

ومن مذهبه أنه يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال، وكان قوالا بالحق. وسئل علي عنه فقال: ذاك رجل وعى علما عجز عنه الناس، وأوكأ علمه، ولم يخرج شيئا منه.

وعن أبي ذر قال: تركنا رسول الله، وما يقلب طائر جناحيه في [ ص: 25 ] السماء، إلا ذكرنا منه علما. وعن أبي مرثد قال: جلست إلى أبي ذر إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا فقال أبو ذر: والله لو وضعتم على هذه -وأشار إلى حلقه- أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله لأنفذتها قبل أن يكون ذلك.

كان طوالا آدم، أبيض الرأس واللحية. روي عنه أنه قال: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقا.

[ ص: 26 ] وأما المعرور فهو:-بعين مهملة وراء مكررة- أبو أمية المعرور بن سويد الأسدي الكوفي التابعي. سمع عمر بن الخطاب وغيره، وعنه: واصل والأعمش، وقال: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة، وهو أسود الرأس واللحية. قال يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة.

وأما واصل فهو: ابن حيان -بالمثناة تحت- الأسدي الكوفي الأحدب. سمع جماعة من التابعين، وعنه جمع من الأعلام منهم: الثوري . قال يحيى بن معين : ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. مات سنة عشرين ومائة.

الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه:

الأول: الجاهلية: ما قبل الإسلام. سموا بذلك (لشدة جهالاتهم).

الثاني: الربذة -بفتح الراء ثم موحدة ثم ذال معجمة- على ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق.

الثالث: الحلة: ثوبان لا يكون ثوبا واحدا، قاله أهل اللغة،

ويكونان غير لفيفين، رداء وإزار سميا بذلك; لأن كل واحد منهما يحل على الآخر.

وفي أبي داود قال: رأيت أبا ذر بالربذة، وعليه برد غليظ، وعلى [ ص: 27 ] غلامه مثله. فقال القوم: يا أبا ذر لو كنت أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبا آخر. فقال أبو ذر: إني ساببت رجلا. وذكر الحديث وفي آخره: "إنهم إخوانكم، فضلكم الله عليهم، فمن لم يلائمكم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله".

الرابع: قوله: (فسألته عن ذلك). إنما سأله لأن عادة العرب وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون سيده.

الخامس: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ("إنك امرؤ فيك جاهلية"). معناه: إنك في التعيير بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية، ولمست جاهليا محضا، وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم.

قيل: إنه عير الرجل بسواد أمه كما سيأتي، كأنه قال: يا ابن السوداء ونحوه. وقد ذكره البخاري في كتاب: الأدب، فقال فيه: كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، فذكرني للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي: "أساببت فلانا؟ ". قلت: نعم. قال: "أفنلت من أمه؟ ". قلت: نعم. قال: "إنك امرؤ فيك جاهلية". قلت: على ساعتي هذه من كبر السن! قال: "نعم، هم إخوانكم".. الحديث وفي آخره: "فليعنه عليه".

وجاء في مسلم في أول هذا الحديث: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وفيه: فقال له - صلى الله عليه وسلم -: "إنك امرؤ فيك جاهلية". فقلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه. فقال: "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية".

[ ص: 28 ] وجاء في رواية لمسلم "فليبعه" بدل "فليعنه"، وهي وهم، كما نبه عليه القاضي.

والصواب ما في البخاري كما رواه الجمهور. وفي غير البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر : "أعيرته بأمه؟ ارفع رأسك فما أنت بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل (في دين).

وقد روي أن بلالا كان هو الذي عيره بأمه، عن الوليد بن مسلم قال: كان بين بلال وبين أبي ذر محاورة فعيره أبو ذر بسواد أمه. فانطلق بلال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه تعييره بذلك، فأمره أن يدعوه.

فلما جاء أبو ذر قال له: "أشتمت بلالا وعيرته بسواد أمه؟ " قال: نعم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من أمر الجاهلية شيء". فألقى أبو ذر نفسه بالأرض، ثم وضع خده على التراب، وقال: والله لا أرفع خدي من التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه. فوطئ خده.

السادس: قد عرفت الرجل المبهم في هذا الحديث وأنه بلال، وأما الغلام فلا يحضرني اسمه فليتتبع.

[ ص: 29 ] السابع: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ("إخوانكم خولكم"). قال أهل اللغة: الخول: الخدم. سموا بذلك; لأنهم يتخولون الأمور أي: يصلحونها، ويقومون بها. يقال: خال المال يخوله إذا أحسن القيام عليه، وقيل: إنه لفظ مشترك، تقول: خال المال، والشيء يخول وخلت أخول خولا إذا سست الشيء وتعاهدته، وأحسنت القيام عليه. والخائل: الحافظ، ويقال: خال المال، وخائل مال، وخولي مال، وخوله الله الشيء أي: ملكه إياه.

الثامن: قوله: ("أعيرته بأمه؟ ") فيه رد على [من] منع أن يقال: عيره بكذا، وإنما يقال: عيره أمه وردوا على من قال:

أيها الشامت المعير بالدهر      ....................



والحديث حجة عليهم، والعار: العيب، والمعاير: المعايب.

الوجه الرابع في فوائده:

الأولى: ما ترجم له البخاري من أن المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، واحترز بارتكابها عن اعتقادها، فإنه إذا اعتقد حل محرم معلوم من دين الإسلام ضرورة كالخمر والزنا وشبههما كفر قطعا، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، بحيث يجوز أن يخفى عليه تحريم ذلك; فإنه حينئذ لا يكفر، بل يعرف تحريم ذلك، فإن اعتقد حله بعد ذلك كفر.

[ ص: 30 ] وما ذكرناه من كونه لا يكفر بارتكاب المعاصي الكبائر هو مذهب أهل السنة بأجمعهم، وشذ الخوارج فكفروه، والمعتزلة حيث حكموا بتخليده في النار من غير تكفير، ومذهب أهل الحق أنه لا يخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، كما جاءت الأحاديث: "وإن زنى، وإن سرق".

واحتج البخاري بالآية السالفة: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] وهي صريحة في الدلالة لأهل الحق; لأن المراد: من مات على الذنوب بلا توبة، ولو كان المراد: من تاب لما كان فرق بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك، وإجماع السلف عليه.

الثانية: النهي عن سب العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحث على الإحسان إليهم، والرفق بهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه، وخاصة نفسه، كما نهى عن الفخر بالآباء، ويلحق بالعبد من في معناه من أجير، وخادم، وضعيف، وكذا الدواب، ينبغي أن يحسن إليها، ولا تكلف من العمل ما لا تطيق الدوام عليه، فإن كلفه ذلك لزمه إعانته (عليه) بنفسه أو بغيره.

الثالثة: عدم الترفع على المسلم، وإن كان عبدا أو نحوه من الضعفة; لأن الله تعالى قال: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] وقد تظاهرت الدلائل على الأمر باللطف بالضعفة، وخفض الجناح لهم، وعلى النهي عن احتقارهم والترفع عليهم.

[ ص: 31 ] الرابعة: استحباب الإطعام مما يأكل، والإلباس مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق الدوام عليه، وسيأتي بسط ذلك في: العتق، إن شاء الله.

الخامسة: المحافظة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

السادسة: إطلاق الأخ على الرقيق.

السابعة: أن إطعام المملوك من الخبز وما يقتاته إطعام مما يأكله; لأن (من) للتبعيض، ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل على العموم من الأدم، وطيبات العيش، مع أن المستحب أن لا يستأثر على عياله، ولا يفضل نفسه في العيش عليهم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث