الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في السخرية والهزو وما ورد فيهما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في السخرية والهزو وما ورد فيهما .

( و ) يحرم ( سخرية والهزو ) وهما لفظان مترادفان معناهما واحد . قال الجوهري : الهزو السخرية وفي الحديث { أتسخر مني وأنت الملك } ؟ أي أتهزأ بي .

وفي القاموس هزأ منه وبه كمنع وسمع هزءا وهزءا ومهزأة سخر كتهزأ واستهزأ ، ورجل هزأة بالضم يهزأ منه وكهمزة يهزأ بالناس . وقال سخر منه وبه كفرح سخرا وسخرا وسخرة هزئ كاستخر والاسم السخرية .

قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن } قال الضحاك : نزلت في وفد تميم كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة لما يرون من رثاثة حالهم .

والقوم وإن كان اسما يجمع الرجال والنساء إلا أنه قد يختص بالرجال ، فمن ثم عطف عليه قوله { ولا نساء من نساء } وقد روى [ ص: 131 ] أنس أن قوله تعالى { ولا نساء من نساء } نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين رضي الله عنها قال لها النساء يهودية بنت يهوديين .

وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة فيقال لهم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له هلم فما يأتيه من الإياس } رواه البيهقي مرسلا .

وفي هذا وعظ لمن اتعظ وإيقاظ لمن تيقظ . قال العلامة الشيخ مرعي في أقاويل الثقات : الاستهزاء من باب العبث والسخرية فمعنى يستهزئ بهم يعني يجازيهم على استهزائهم وهو من باب المشاكلة في اللفظ ليزدوج الكلام ك ( { جزاء سيئة سيئة مثلها } { نسوا الله فنسيهم } والمعنى يعاملهم معاملة المستهزئ ، أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإمهال ، وأما في الآخرة فيروى أنه يفتح لأحدهم باب الجنة فيسرع نحوه فإذا سار إليه سد دونه ثم يفتح له باب آخر فإذا أقبل عليه سد دونه .

وهذا الذي قاله على طريقة الخلف . وأما مذهب السلف فلا يؤولون ولا يكيفون فيؤمنون بما أخبر لا كما يخطر في أوهام البشر ، والله الموفق .

( تنبيه ) : المستهزئ بغيره يرى فضل نفسه بعين الرضى عنها ، ويرى نقص غيره بعين الاحتقار ، إذ لو لم يحتقر غيره لما سخر منه . وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا ، التقوى ههنا ، ويشير إلى صدره ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله } قال الحافظ ابن رجب في شرح النووية : المتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال وإلى غيره بعين النقص فيحتقرهم ويزدريهم ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم ولا أن يقبل من أحد منهم الحق إذا أورده عليه .

وقال في قوله صلى الله عليه وسلم { بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم } يعني يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم ، فإنه إنما يحقر أخاه [ ص: 132 ] المسلم لتكبره عليه ، والكبر من أعظم خصال الشر .

وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا ، فقال إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق - أي دفعه ورده - وغمط الناس } أي بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة هو احتقارهم وازدراؤهم كما جاء مفسرا عند الحاكم .

وأخرج الإمام : مالك ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم } قال أبو إسحاق سمعته بالنصب والرفع ولا أدري أيهما قال يعني بنصب الكاف من أهلكهم ورفعها . وفسره الإمام مالك إذا قال ذلك معجبا بنفسه مزدريا بغيره فهو أشد هلاكا منهم ، لأنه لا يدري سرائر الله في خلقه . انتهى .

قال الحافظ ابن رجب : وإذا كانت التقوى في القلوب فلا يطلع أحد على حقيقتها إلا الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم } رواه مسلم . فكثير من يكون له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا ويكون قلبه خرابا من التقوى ، ويكون من ليس له ذلك قلبه مملوءا من التقوى فيكون أكرم عند الله عز وجل بل ذلك هو الأكثر وقوعا .

وأخرج الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد ، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملئوه ، ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين أو عمل صالح } ورواه البيهقي بلفظ { ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين ، أو عمل صالح ، حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا } وفي رواية له { ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى ، وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا } قوله طف الصاع بالإضافة أي قريب بعضكم من بعض .

[ ص: 133 ] وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى } . وأخرج البيهقي بإسناد فيه من يجهل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال : يا أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد . ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى . إن أكرمكم عند الله أتقاكم . ألا هل بلغت ؟ قالوا بلى يا رسول الله ، قال فليبلغ الشاهد الغائب ، ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض } .

وروى الطبراني في الصغير والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا قال البيهقي والمحفوظ الموقوف { إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا ، فجعلت أكرمكم أتقاكم ، فأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان ، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ، أين المتقون } . وفي الحديث الصحيح { من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه }

. وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ، الناس بنو آدم وآدم من تراب ، مؤمن تقي ، وفاجر شقي ، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها } .

وفي رواية { أهون على الله من الجعل يدفع الخرء بأنفه } . وفي رواية { الذي يدهده الخرء بأنفه } قوله عبية الجاهلية هي بضم العين المهملة وكسرها وتشديد الباء الموحدة مكسورة وبعدها ياء مثناة تحتية مشددة أيضا هي الكبر والفخر والنخوة ، والجعلان جمع جعل بضم الجيم وفتح العين المهملة دويبة أرضية .

قال في حياة الحيوان : الجعل كصرد ورطب جمعه جعلان ويقال له أبو جعران وهو دويبة معروفة تسمى الزعقوق وهي أكبر من [ ص: 134 ] الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة للذكر قرنان يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس ومواضع الروث يتولد غالبا من أخثاء البقر ، ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها ومن عجيب أمره أنه يموت من ريح الورد وريح الطيب ، فإذا أعيد إلى الروث عاش .

وفي كلام شيخنا الشيخ عبد الغني النابلسي : ومن أين للجعلان تعبث في الورد وفي لامية ابن الوردي :

أيها العائب قولي عبثا إن طيب الورد مؤذ بالجعل

وفي كلام المتنبي :

كما تضر رياح الورد بالجعل

وله جناحان لا يكاد أن يريان إلا إذا طار ، وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا ، وهو يمشي القهقرى إلى خلفه وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته ويسمى الكبرتك . وإذا أراد الطيران تنفس فيظهر جناحاه . ومن عادته أنه يحرس النيام ، فمن قام منهم لقضاء حاجته تبعه من شهوته للغائط لأنه قوته . وقوله يدهده أي يدحرج وزنه ومعناه .

وفي مسند أبي داود الطيالسي والشعب للبيهقي عن ابن عباس مرفوعا { لا تفخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية } .

والحاصل أن كل من افتخر على إخوانه واحتقر أحدا من أقرانه وأخدانه أو سخر أو استهزأ بأحد من المؤمنين فقد باء بالإثم والوزر المبين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث