الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان حقيقة التدبير

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 421 ] باب ) التدبير : تعليق مكلف رشيد وإن زوجة في زائد الثلث العتق بموته ، لا على وصية

[ ص: 421 ]

التالي السابق


[ ص: 421 ] باب ) في بيان حقيقة التدبير وأحكامه

( التدبير ) أي حقيقته شرعا ( تعليق ) شخص ( مكلف ) أي ملزم بما فيه كلفة فخرج تعليق صغير ومجنون ودخل تعليق السكران بحرام لأنه مكلف . المصنف الأقرب لزوم تدبيره كعتقه ( رشيد ) يخرج تعليق السفيه إن لم يكن زوجة في زائد على الثلث ، بل ( وإن ) كان المكلف ( زوجة ) فيلزم تدبيرها ( في ) رقيق ( زائد ) القيمة على ( الثلث ) لمالها فليس لزوجها رده لبقائه على حكم الرق لموتها ، فيخرج من ثلث مالها فلا حجة لزوجها ، هذا أحد قولي الإمام مالك رضي الله عنه . ابن القاسم ولو لم يكن لها مال سواه ، ومفعول " تعليق " المضاف لفاعله قوله ( العتق ) أخرج تعليق غيره كطلاق وصدقة ومشي لمكة ، وصلة تعليق ( بموته ) أي المكلف أخرج تعليق المكلف الرشيد العتق بغيره ، ولا بد من كون التعليق على وجه اللزوم ( لا على ) وجه ( وصية ) غير لازمة له الرجوع عنها أخرج الوصية بالعتق . ابن عرفة التدبير عقد يوجب عتق مملوك من ثلث مالكه بعد موته بعقد لازم فيخرج العتق لأجل ، والإيلاد والإيصاء بالعتق . وقال ابن الحاجب عتق معلق على الموت على غير الوصية ، ورده ابن عبد السلام أنه تعريف بالإضافيات وهو مجتنب لإجماله .

قلت : لا أعرف هذا حسبما تقرر في موضعه ، وليست الإضافة ملزومة للإجمال ، ولذا وقعت في تعريفاتهم كثيرا كقول القاضي : القياس حمل معلوم بإضافة حمل إلى معلوم ، وقولهم في تعريف التناقض اختلاف قضيتين إلى غير ذلك ، ولو تعقبه باشتماله على التركيب وهو وقف [ ص: 422 ] معرفة المعرف على معرفة حقيقة أجنبية عنه ليست أعم ، ولا أخص كان صوابا ، وتعقبه ابن هارون بعدم طرده ، فإنه يدخل فيه ما علق على موت غير مالكه ، وهو من العتق إلى أجل .

وأجاب ابن عبد السلام بأن على غير وصية قرينة على أن المراد موت مالكه ، ورد بأن على غير وصية إنما يدل على دخول موت مالكه لا على انحصاره فيه فهي عناية في التعريف ، وينقض أيضا بحكم عتق أم الولد فإنه عتق معلق على موت مالكها ، ولا يجاب بعدم تعليقه لأنه إن أريد ب " معلق " التعليق اللفظي خرج عنه أنت حر عن دبر مني ، فإنه لا تعليق فيه لفظا ، وإن أريد المعلق معنى فعتق أم الولد كذلك .

وأجاب ابن عاشر لأن التعليق ثلاثة أنواع ، تعليق معنوي وتعليق لفظي غير نحوي ، وتعليق لفظي نحوي وكل واحد أخص مما قبله ، فالأول يشمل عتق أم الولد فإنه معلق معنى على موت سيدها ، واللفظي يشمل النحوي ، وهو الذي لا يكون إلا بأداة الشرط ، ويشمل نحو أنت مدبر ودبرتك . ومراد ابن الحاجب اللفظي الشامل للنحوي وغيره والخارج عنه عتق أم الولد ، ولا يخفى ما في قوله كل واحد أخص مما قبله فإنها متباينة . وأخرج ابن عرفة بعقد لازم الوصية لا يقال : خرجت ب يوجب لأنها لا توجب ، لأن مراده ب يوجب بسبب فلا يفيد اللزوم .

اللخمي مالك " رضي الله عنه " التدبير أوجبه على نفسه فوجب عليه ، والوصية بالعتق عدة ، فإن شاء رجع عنها . ابن عرفة وحكمه السابق قبل إيقاعه الندب لأنه سبب في العتق وبعده اللزوم المعرض لرفعه بأقوى منه ، وفي كون لزومه ; لأنه كوصية بعتق ملتزم عدم الرجوع عنها ، بخلاف الوصية المطلقة ، أو لأنه كعتق التزمه مالكه في حياته ووقف إنفاذه على موته كعتق المعتق إلى أجل لا أنه أوقف التزامه على موته طريقا . التونسي مع ظاهر الموازية حسبما يأتي في الصيغة وظاهر نقل الصقلي عن ابن القاسم ، ثم قال المدبر هو المالك السالم عن حجر التبرع .

سمع ابن القاسم : تدبير ذات الزوج عبدا لا تملك غيره نافذ لا رد لزوجها فيه . ابن القاسم [ ص: 423 ] إنما فرق بين تدبيرها إياه كله وبين عتقها إياه لأن التدبير لا يخرج من يدها شيئا هو موقوف معها حتى يخرج من ثلثها فلا حجة لزوجها إنما هي وصية ، وكرهه سحنون ورآه خطأ لا شك فيه ، وقاله الأخوان . ابن رشد روى عن الإمام مالك رضي الله عنه مثل قول ابن الماجشون وسحنون ، وروى محمد عن يحيى السبائي في امرأة دبرت نصف عبد لا تملك غيره ولها زوج لا يدبر عليها كله ولا يكون مدبرا إلا ما ذكرت لأن زوجها يمنعها من ذلك ، وفي هذه الرواية نظر ، وقياس مذهبه أن لا يكون مدبرا منه إلا ثلثه .



( تنبيهان )

الأول : " غ " قوله مكلف لا شك في إخراجه الصبي والمجنون ، وأما قول ابن الحاجب تابعا لابن شاس ، وشرطه التمييز لا البلوغ فينفذ من المميز ، فقال ابن عبد السلام : ظاهره أنه ينفذ من المميز ، ولو كان صغيرا وهو مشكل ، إذ غير المكلف لا يلزمه شيء من التزاماته ، وإنما لزمته الوصية إذا مات استحسانا ، ولما روي عن الماضين فيها ; لأن له الرجوع عنها ولا رجوع له عن التدبير إذا لزمه ، وقد نص عبد الملك على أن تدبير من لم يبلغ الحلم لا يجوز ، وكل من رأيته ممن يعتمد عليه ينكر هذا الموضع من كلام ابن الحاجب ، وكذا استشكله ابن رشد وابن هارون ، وتبعهم المصنف . ابن عرفة هذا الاستشكال واضح ويؤيده قول ابن القاسم في ذات الزوج لا حجة لزوجها إنما هي وصية ، وقول عبد الملك : لا يجوز تدبير من لم يحتلم ، وفي البيان أما الصغير فلا اختلاف أنه لا يلزمه طلاقه ، ولا عتقه ، ولا شيء من أفعاله .

وفي النوادر : تدبير من لم يبلغ الحلم لا يجوز بخلاف وصيته ، والفرق أن الوصية لا تخرج إلا بعد الموت ، وأن له الرجوع فيها وفيها عتق السكران وتدبيره جائزان . ابن عرفة هذا يبطل قول ابن الحاجب شرطه التمييز . العدوي المعتمد ما أفاده غير واحد من شيوخنا أن تدبير الصبي المميز لا يصح ولا [ ص: 424 ] ينقلب وصية كما اعتمده عج . طفي قول ابن عرفة عقب قوله واضح إن حمل قوله ينفذ على اللزوم ، وإن حمل على صحته دون لزومه فيصير كالوصية ، فيصح فيه نظر ; إذ الكلام في التدبير اللازم ، وإذا كان غير لازم فهو وصية وصحتها منه واضحة ، وليس الكلام فيها . عج قول ابن الحاجب ينفذ من المميز غير ظاهر ، سواء أريد به اللزوم أو الصحة . البناني هذا ظاهر ; لأن الكلام في التدبير لا في الوصية .



الثاني : البناني بعض الشيوخ لم يتعرض من رأيت من الشيوخ للفرق بين التدبير والوصية في الحقيقة ، وإنما فرقوا بينهما باللزوم وعدمه ، وهذا فرع عن معرفة حقيقة كل منهما ; إذ اللزوم وعدمه من الأحكام ، وربما يؤخذ الفرق بين حقيقتيهما معا في المعيار عن ابن رشد ، ونصه الفرق بين الوصية والتدبير أن التدبير عتق أوجبه السيد على نفسه في حياته إلى أجل آت لا محالة ، فوجب أن لا يكون له الرجوع عنه بقول ولا فعل كالعتق إلى أجل ، لأن عتقه عليه بعد موته وحمله الثلث بعقده عتقه على نفسه في حياته والموصي بالعتق لم يعقد على نفسه عتقا ، وإنما أمر أن يعتق بعد وفاته فالعتق إنما يعقد بعد موته كمن وكل من يبيع عبده أو يهبه فله الرجوع عن توكيله بما شاء من قول أو فعل ما لم ينفذ الوكيل ما أمره به ، فالتدبير عتق ناجز حال في عين العبد ، ونازل فيه تراخى حكمه إلى موت سيده كالعتق لأجل والموصي بعتقه لم يحل فيه عتق ولم ينزل فيه إلا ما يعقده الموصي إليه فيه بعد موت الموصي ا هـ وقد تقدم هذا الفرق عن نفس الإمام مالك رضي الله عنه بقوله : إن التدبير أوجبه على نفسه ، والوصية بالعتق عدة ، ونقله اللخمي وابن عرفة وغيرهما .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث