الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

هذا الذي ذكرنا حكم الخارج من الأرض وأما حكم المستخرج من الأرض فالكلام فيه في موضعين : أحدهما في .

بيان ما فيه الخمس من المستخرج من الأرض وما لا خمس فيه ، والثاني في بيان من يجوز صرف الخمس إليه ومن له ولاية أخذ الخمس .

أما الأول فالمستخرج من الأرض نوعان : أحدهما يسمى كنزا وهو المال الذي دفنه بنو آدم في الأرض ، والثاني يسمى معدنا وهو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض ، والركاز اسم يقع على كل واحد منهما إلا أن حقيقته للمعدن واستعماله للكنز مجازا .

أما الكنز فلا يخلو إما أن وجد في دار الإسلام ، أو دار الحرب ، وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون في أرض مملوكة ، أو في أرض غير مملوكة ، ولا يخلو إما أن يكون به علامة الإسلام كالمصحف والدراهم المكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله ، أو غير ذلك من علامات الإسلام ، أو علامات الجاهلية من الدراهم المنقوش عليها الصنم ، أو الصليب ونحو ذلك ، أو لا علامة به أصلا فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة كالجبال والمفاوز وغيرها فإن كان به علامة الإسلام فهو بمنزلة اللقطة يصنع به ما يصنع باللقطة يعرف ذلك في كتاب اللقطة ; لأنه إذا كان به علامة الإسلام كان مال المسلمين ومال المسلمين لا يغنم إلا أنه مال لا يعرف مالكه فيكون بمنزلة اللقطة ، وإن كان به علامة الجاهلية ففيه الخمس وأربعة أخماسه للواجد بلا خلاف كالمعدن على ما بين ، وإن لم يكن به علامة الإسلام ولا علامة الجاهلية فقد قيل إن في زماننا يكون حكمه حكم اللقطة أيضا ولا يكون له حكم الغنيمة ; لأن عهد الإسلام قد طال فالظاهر أنه لا يكون من مال الكفرة بل من مال المسلمين لم يعرف مالكه فيعطى له حكم اللقطة ، وقيل حكمه حكم الغنيمة ; لأن الكنوز غالبا بوضع الكفرة وإن كان به علامة الجاهلية يجب فيه الخمس ; لما روي أنه { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكنز فقال : فيه وفي الركاز الخمس } ، ولأنه في معنى الغنيمة ; لأنه استولى عليه على طريق القهر وهو على حكم ملك الكفرة فكان غنيمة فيجب فيه الخمس وأربعة أخماسه للواجد ; لأنه أخذه بقوة نفسه وسواء كان الواجد حرا ، أو عبدا مسلما ، أو ذميا كبيرا ، أو صغيرا ; لأن ما روينا من الحديث لا يفصل بين واجد وواجد ولأن هذا المال بمنزلة الغنيمة .

ألا ترى أنه وجب فيه الخمس ؟ والعبد والصبي والذي من أهل الغنيمة إلا إذا كان ذلك بإذن الإمام وقاطعه على شيء فله أن يفي بشرطه لقول النبي صلى الله عليه وسلم { المسلمون عند شروطهم } ولأنه إذا قاطعه على شيء [ ص: 66 ] فقد جعل المشروط أجرة لعمله فيستحقه بهذا الطريق ، وإن وجد في أرض مملوكة يجب فيه الخمس بلا خلاف لما روينا من الحديث ولأنه مال الكفرة استولى عليه على طريق القهر فيخمس .

واختلف في الأربعة الأخماس قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله : هي لصاحب الخطة إن كان حيا وإن كان ميتا فلورثته إن عرفوا ، وإن كان لا يعرف صاحب الخطة ولا ورثته تكون لأقصى مالك للأرض ، أو لورثته ، وقال أبو يوسف : أربعة أخماسه للواجد .

وجه قوله إن هذا غنيمة ما وصلت إليها يد الغانمين وإنما وصلت إليه يد الواجد لا غير فيكون غنيمة يوجب الخمس ، واختصاصه بإثبات اليد عليه يوجب اختصاصه به وهو تفسير الملك كما لو وجده في أرض غير مملوكة ، ولهما أن صاحب الخطة ملك الأرض بما فيها ; لأنه إنما ملكها بتمليك الإمام والإمام إنما ملك الأرض بما وجد منه ومن سائر الغانمين من الاستيلاء والاستيلاء كما ورد على ظاهر الأرض ورد على ما فيها فملك ما فيها وبالبيع لا يزول ما فيها لأن البيع يوجب زوال ما ورد عليه البيع ، والبيع ورد على ظاهر الأرض لا على ما فيها وإذا لم يكن ما فيها تبعا لها فبقي على ملك صاحب الخطة وكان أربعة أخماسه له وصار هذا كمن اصطاد سمكة كانت ابتلعت لؤلؤة ، أو اصطاد طائرا كان قد ابتلع جوهرة أنه يملك الكل ، ولو باع السمكة ، أو الطائر لا تزول اللؤلؤة والجوهرة عن ملكه لورود العقد على السمكة والطير دون اللؤلؤة والجوهرة كذا هذا فإن قيل : كيف يملك صاحب الخطة ما في الأرض بتمليك الإمام إياه الأرض ؟ والإمام لو فعل ذلك لكان جورا في القسمة والإمام لا يملك الجور في القسمة فثبت أن الإمام ما ملكه إلا الأرض فبقي الكنز غير مملوك لصاحب الخطة فالجواب عنه من وجهين : أحدهما أن الإمام ما ملكه إلا رقبة الأرض على ما ذكرتم لكنه لما ملك الأرض بتمليك الإمام فقد تفرد بالاستيلاء على ما في الأرض وقد خرج الجواب عن وجوب الخمس ; لأنه ما ملك ما في الأرض بتمليك الإمام حتى يسقط الخمس وإنما ملكه بتفرده بالاستيلاء عليه فيجب عليه الخمس كما لو وجده في أرض غير مملوكة ، والثاني أن مراعاة المساواة في هذه الجهة في القسمة مما يتعذر فيسقط اعتبارها دفعا للحرج هذا إذا وجد الكنز في دار الإسلام .

فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض ليست بمملوكة لأحد فهو للواجد ولا خمس فيه ; لأنه مال أخذه لا على طريق القهر والغلبة لانعدام غلبة أهل الإسلام على ذلك الموضع فلم يكن غنيمة فلا خمس فيه ويكون الكل له ; لأنه مباح استولى عليه بنفسه فيملكه كالحطب والحشيش ، وسواء دخل بأمان ، أو بغير أمان ; لأن حكم الأمان يظهر في المملوك لا في المباح وإن وجده في أرض مملوكة لبعضهم ، فإن كان دخل بأمان رده إلى صاحب الأرض ; لأنه إذا دخل بأمان لا يحل له أن يأخذ شيئا من أموالهم بغير رضاهم لما في ذلك من الغدر والخيانة في الأمانة فإن لم يرده إلى صاحب الأرض يصير ملكا له لكن لا يطيب له لتمكن خبث الخيانة فيه فسبيله التصدق به ، فلو باعه يجوز بيعه لقيام الملك لكن لا يطيب للمشتري بخلاف بيع المشترى شراء فاسدا والفرق بينهما يذكر في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى وإن كان دخل بغير أمان حل له ولا خمس فيه .

أما الحل فلأن له أن يأخذ ما ظفر به من أموالهم من غير رضاهم .

وأما عدم وجوب الخمس فلأنه غير مأخوذ على سبيل القهر والغلبة فلم يكن غنيمة فلا يجب فيه الخمس حتى لو دخل جماعة ممتنعون في دار الحرب فظفروا بشيء من كنوزهم يجب فيه الخمس ولكونه غنيمة لحصول الأخذ على طريق القهر والغلبة وإن وجده في أرض مملوكة لأحد ، أو في دار نفسه ففيه الخمس بلا خلاف بخلاف المعدن عند أبي حنيفة ; لأن الكنز ليس من أجزاء الأرض ولهذا لم تكن أربعة أخماسه لمالك الرقبة بالإجماع فلو وجد فيه المؤنة وهو الخمس لم يصر الجزء مخالفا للكل بخلاف المعدن على ما نذكر .

وأما أربعة أخماسه فقد اختلف أصحابنا في ذلك عند أبي حنيفة ومحمد هي للمختط له ، وعند أبي يوسف للواجد ; لأنه مباح سبقت يده إليه ، ولهما أن هذا مال مباح سبقت إليه يد الخصوص وهي يد المختط يصير ملكا له كالمعدن إلا أن المعدن انتقل بالبيع إلى المشتري ; لأنه من أجزاء الأرض والكنز لم ينتقل إليه ; لأنه ليس من أجزاء المبيع والتمليك فإن استولى عليه بالاستيلاء فيبقى على ملكه كمن اصطاد سمكة في بطنها درة ملك السمكة والدرة لثبوت اليد عليهما فلو باع السمكة بعد ذلك لم تدخل الدرة في البيع كذا ههنا والمختط له من [ ص: 67 ] خصه الإمام بتمليك البقعة منه فإن لم يعرف المختط له يصرف إلى أقصى مالك له يعرف في الإسلام وكذا ذكر الشيخ الإمام الزاهد السرخسي رحمه الله هذا إذا وجد الكنز في دار الإسلام .

وأما المعدن فالخارج منه في الأصل نوعان : مستجسد ومائع ، والمستجسد منه نوعان أيضا : نوع يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس ونحو ذلك ، ونوع لا يذوب بالإذابة كالياقوت والبلور والعقيق والزمرد والفيروزج والكحل والمغرة والزرنيخ والجص والنورة ونحوها ، والمائع نوع آخر كالنفط والقار ونحو ذلك وكل ذلك لا يخلو إما أن وجده في دار الإسلام ، أو في دار الحرب في أرض مملوكة ، أو غير مملوكة فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة فالموجود مما يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية يجب فيه الخمس سواء كان ذلك من الذهب ، والفضة ، أو غيرهما مما يذوب بالإذابة وسواء كان قليلا ، أو كثيرا فأربعة أخماسه للواجد كائنا من كان إلا الحربي المستأمن فإنه يسترد منه الكل إلا إذا قاطعه الإمام فإن له أن يفي بشرطه وهذا قول أصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي : في معادن الذهب ، والفضة ربع العشر كما في الزكاة حتى شرط فيه النصاب فلم يوجب فيما دون المائتين ، وشرط بعض أصحابه الحول أيضا .

وأما غير الذهب ، والفضة فلا خمس فيه .

وأما عندنا فالواجب خمس الغنيمة في الكل لا يشترط في شيء منه شرائط الزكاة ويجوز دفعه إلى الوالدين ، والمولودين الفقراء كما في الغنائم .

ويجوز للواجد أن يصرف إلى نفسه إذا كان محتاجا ولا تغنيه الأربعة الأخماس احتج الشافعي بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { بلال بن الحارث المعادن القليلة وكان يأخذ منها ربع العشر } ولأنها من نماء الأرض وريعها فكان ينبغي أن يجب فيها العشر إلا أنه اكتفى بربع العشر لكثرة المؤنة في استخراجها ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : وفي الركاز الخمس } وهو اسم للمعدن حقيقة وإنما يطلق على الكنز مجازا لدلائل : أحدها أنه مأخوذ من الركز وهو الإثبات وما في المعدن هو المثبت في الأرض لا الكنز ; لأنه وضع مجاورا للأرض ، والثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عما يوجد من الكنز العادي ، فقال : فيه { وفي الركاز الخمس } عطف الركاز على الكنز ، والشيء لا يعطف على نفسه هو الأصل فدل أن المراد منه المعدن ، والثالث ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال { المعدن جبار ، والقليب جبار ، وفي الركاز الخمس قيل : وما الركاز يا رسول الله ؟ فقال : هو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق السموات ، والأرض } فدل على أنه اسم للمعدن حقيقة فقد ، أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الخمس في المعدن من غير فصل بين الذهب ، والفضة وغيرهما فدل أن الواجب هو الخمس في الكل ; ولأن المعادن كانت في أيدي الكفرة وقد زالت أيديهم ولم تثبت يد المسلمين على هذه المواضع ; لأنهم لم يقصدوا الاستيلاء على الجبال ، والمفاوز فبقي ما تحتها على حكم ملك الكفرة وقد استولى عليه على طريق القهر بقوة نفسه فيجب فيه الخمس ويكون أربعة أخماسه له كما في الكنز ولا حجة له في حديث بلال بن الحارث ; لأنه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على ربع العشر لما علم من حاجته وذلك جائز عندنا على ما نذكره فيحمل عليه عملا بالدليلين .

وأما ما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه ويكون كله للواجد ; لأن الزرنيخ ، والجص ، والنورة ونحوها من أجزاء الأرض فكان كالتراب ، والياقوت ، والفصوص من جنس الأحجار إلا أنها أحجار مضيئة ولا خمس في الحجر .

وأما المائع كالقير ، والنفط فلا شيء فيه ويكون للواجد ; لأنه ماء وأنه مما لا يقصد بالاستيلاء فلم يكن في يد الكفار حتى يكون من الغنائم فلا يجب فيه الخمس .

وأما الزئبق ففيه الخمس في قول أبي حنيفة الآخر وكان يقول أولا : لا خمس فيه وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال : فيه الخمس فإن أبا يوسف قال سألت أبا حنيفة عن الزئبق فقال : لا خمس فيه فلم أزل به حتى قال : فيه الخمس وكنت أظن أنه مثل الرصاص ، والحديد ثم بلغني بعد ذلك أنه ليس كذلك وهو بمنزلة القير ، والنفط .

وجه قول أبي حنيفة الأول أنه شيء لا ينطبع بنفسه فأشبه الماء .

وجه قوله الآخر وهو قول محمد إنه ينطبع مع غيره إن كان لا ينطبع بنفسه فأشبه الفضة ; لأنها لا تنطبع بنفسها لكن لما كانت تنطبع مع شيء آخر يخالطها من نحاس ، أو آنك وجب فيها الخمس كذا هذا إذا وجد المعدن في دار الإسلام في أرض غير مملوكة فأما إذا وجده في أرض مملوكة ، أو دار ، أو منزل ، أو حانوت فلا خلاف في أن الأربعة [ ص: 68 ] الأخماس لصاحب الملك وحده ، أو غيره ; لأن المعدن من توابع الأرض ; لأنه من أجزائها خلق فيها ومنها .

ألا ترى أنه يدخل في البيع من غير تسمية ؟ فإذا ملكها المختط له بتمليك الإمام ملكها بجميع أجزائها فتنتقل عنه إلى غيره بالبيع بتوابعها أيضا بخلاف الكنز على ما مر واختلف في وجوب الخمس قال أبو حنيفة لا خمس فيه في الدار وفي الأرض عنه روايتان ذكر في كتاب الزكاة أنه لا خمس فيه وذكر في الصرف أنه يجب فيه الخمس وكذا ذكر في الجامع الصغير وقال أبو يوسف ومحمد : يجب فيه الخمس في الأرض ، والدار جميعا إذا كان الموجود مما يذوب بالإذابة واحتجا بقول النبي صلى الله عليه وسلم { وفي الركاز الخمس } من غير فصل ، والركاز اسم للمعدن حقيقة لما ذكرنا ولأن الإمام ملك الأرض من ملكه متعلقا بهذا الخمس ; لأنه حق الفقراء فلا يملك إبطال حقهم .

وجه قول أبي حنيفة إن المعدن جزء من أجزاء الأرض فيملك بملك الأرض ، والإمام ملكه مطلقا عن الحق فيملكه المختط له كذلك وللإمام هذه الولاية .

ألا ترى أنه لو جعل الكل للغانمين الأربعة الأخماس مع الخمس إذا علم أن حاجتهم لا تندفع بالأربعة الأخماس جاز ؟ وإذا ملكه المختط له مطلقا عن حق متعلق به فينتقل إلى غيره كذلك .

وجه الفرق بين الدار ، والأرض على الرواية الأخرى أن تمليك الإمام الدار جعل مطلقا عن الحقوق .

ألا ترى أنه لا يجب فيها العشر ولا الخراج ؟ بخلاف الأرض فإن تمليكها وجد متعلقا بها العشر ، أو الخراج فجاز أن يجب الخمس ، والحديث محمول على ما إذا وجده في أرض غير مملوكة توفيقا بين الدليلين ، هذا إذا وجده في دار الإسلام فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض غير مملوكة فهو له ولا خمس فيه لما مر ، وإن وجده في ملك بعضهم فإن دخل بأمان رد على صاحب الملك لما بينا ، وإن دخل بغير أمان فهو له ولا خمس فيه كما في الكنز على ما بينا هذا الذي ذكرنا في حكم المستخرج من الأرض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث