الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة تداعيا عينا في يد غيرهما ولا بينة لهما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 8515 ) مسألة ; قال : ( ولو كانت الدابة في يد غيرهما ، واعترف أنه لا يملكها ، وأنها لأحدهما لا يعرفه عينا ، قرع بينهما ، فمن قرع صاحبه ، حلف ، وسلمت إليه ) وجملته أن الرجلين إذا تداعيا عينا في يد غيرهما ، ولا بينة لهما ، فأنكرهما ، فالقول قوله مع يمينه ، بغير خلاف نعلمه . وإن اعترف أنه لا يملكها ، وقال : لا أعرف صاحبها . أو قال : هي لأحدكما ، لا أعرفه عينا . أقرع بينهما ، فمن قرع صاحبه ، حلف أنها له ، وسلمت إليه ; لما روى أبو هريرة ، { أن رجلين تداعيا عينا ، لم تكن لواحد منهما بينة ، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يستهما على اليمين ، أحبا أم كرها } . رواه أبو داود ، ولأنهما تساويا في الدعوى ، ولا بينة لواحد منهما ولا يد ، والقرعة تميز عند التساوي ، كما لو أعتق عبيدا لا مال له غيرهم ، في مرض موته .

وأما إن كانت لأحدهما بينة ، حكم بها ، بغير خلاف نعلمه . وإن كانت لكل واحد منهما بينة ، ففيه روايتان ، ذكرهما أبو الخطاب ; إحداهما ، تسقط البينتان ، ويقترع المدعيان على اليمين ، كما لو لم تكن بينة . وهذا الذي ذكره القاضي . وهو ظاهر كلام الخرقي ; لأنه ذكر القرعة ، ولم يفرق بين أن تكون معهما بينة أو لم تكن . وروي هذا عن ابن عمر وابن الزبير وبه قال إسحاق ، وأبو عبيد . وهو رواية عن مالك ، وقديم قول الشافعي . وذلك لما روى ابن المسيب ، { أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر ، وجاء كل منهما بشهود عدول ، على عدة واحدة فأسهم النبي صلى الله عليه وسلم بينهما } . رواه الشافعي ، في " مسنده " . ولأن البينتين حجتان تعارضتا ، من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى ، فسقطتا ، كالخبرين . والرواية الثانية ، تستعمل البينتان . وفي كيفية استعمالهما روايتان ; إحداهما ، تقسم العين بينهما . وهو قول الحارث العكلي ، وقتادة ، وابن شبرمة ، وحماد ، وأبي حنيفة ، وقول للشافعي ; لما روى أبو موسى ، { أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير ، وأقام كل واحد منهما البينة أنه له ; فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم به بينهما نصفين } .

ولأنهما [ ص: 252 ] تساويا في دعواه ، فيتساويان في قسمته . والرواية الثانية ، تقدم إحداهما بالقرعة . وهو قول الشافعي . وله قول رابع ، يوقف الأمر حتى يتبين . وهو قول أبي ثور ، لأنه اشتبه الأمر ، فوجب التوقف ، كالحاكم إذا لم يتضح له الحكم في قضيته . ولنا ، الخبران ، وأن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف ، كالخبرين ، بل إذا تعذر الترجيح ، أسقطناهما ، ورجعنا إلى دليل غيرهما . إذا ثبت هذا ، فإننا إذا قلنا : إن البينتين تسقطان . أقرع بينهما ، فمن خرجت له قرعته ، حلف ، وأخذها ، كما لو لم تكن لهما بينة .

وإن قلنا : يعمل بالبينتين ، ويقرع بينهما ، فمن خرجت له القرعة ، أخذها من غير يمين . وهذا قول الشافعي ; لأن البينة تغني عن اليمين . وقال أبو الخطاب : عليه اليمين مع البينة ، ترجيحا لها . وعلى هذا القول تكون هذه الرواية كالأولى في هذا الحكم ، وإنما يظهر الفرق بينهما في شيء آخر ، سنذكره ، إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث