الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أدلة القائلين بجواز التقليد والرد عليها

[ ص: 184 ] أدلة القائلين بجواز التقليد والرد عليها

وقد جاء المجوزون بأدلة منها قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، قالوا: فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه.

والجواب: أن هذه الآية الشريفة واردة في سؤال خاص، خارج عن محل النزاع، كما يفيد ذلك السياق المذكور قبل هذا اللفظ، الذي استدلوا به، وبعده.

قال ابن جرير، والبغوي، وأكثر المفسرين: إنها نزلت ردا على المشركين لما أنكروا كون الرسول بشرا، وقد استوفى ذلك السيوطي في "الدر المنثور" ، وهذا هو المعنى الذي يفيده السياق.

قال الله تعالى: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، وقال: أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم [يونس: 2]، وقال: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى [يوسف : 109] .

وعلى فرض أن المراد السؤال العام، فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذكر، و"الذكر" هو كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم- لا غيرهما.

ولا أظن مخالفا يخالف في هذا; لأن هذه الشريعة المطهرة هي، إما من الله - عز وجل -، وذلك هو القرآن الكريم، أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وذلك هو السنة المطهرة، ولا ثالث كذلك.

وإذا كان المأمور بسؤالهم هم أهل القرآن والسنة، فالآية المذكورة حجة على المقلدة، وليست بحجة لهم; لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر ليخبروهم به.

فالجواب من المسؤولين أن يقولوا: قال الله كذا، قال رسوله كذا، فيعمل السائلون بذلك.

وهذا هو غير ما يريده المقلد المستدل بالآية الكريمة، فإنه إنما استدل بها على جواز ما هو فيه من الأخذ بأقوال الرجال من دون سؤال عن الدليل، فإن هذا هو التقليد، ولهذا رسموه بأنه قبول قول الغير من دون مطالبة بحجة .

[ ص: 185 ] فحاصل التقليد: أن المقلد لا سأل عن كتاب الله، ولا عن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، بل يسأل عن مذهب إمامه فقط، فإذا جاوز ذلك إلى السؤال من الكتاب والسنة، فليس بمقلد، وهذا يسلمه كل مقلد ولا ينكره.

وإذا تقرر بهذا أن المقلد إذا سأل أهل الذكر عن كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، لم يكن مقلدا، علمت أن هذه الآية الشريفة - على تسليم أن السؤال ليس عن الشيء الخاص، الذي يدل عليه السياق، بل عن كل شيء من الشريعة كما يزعمه المقلد - تدفع في وجهه، وترغم أنفه، وتكسر ظهره كما قررناه .

ومن جملة ما استدلوا به: هل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال في حديث صاحب الشجة: "ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال" ، وكذلك حديث العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره، فقال أبوه: إني سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة، وأن على امرأة هذا الرجم.

وهو حديث ثابت في "الصحيح" . قالوا: فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه.

والجواب: أنه لم يرشدهم -صلى الله عليه وسلم- في حديث صاحب الشجة إلى السؤال عن آراء الرجال، بل أرشدهم إلى السؤال عن الحكم الشرعي الثابت عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم- ، ولهذا دعا عليهم لما أفتوا بغير علم، فقال: "قتلوه قتلهم الله" ، مع أنهم أفتوا بآرائهم.

فكان الحديث حجة عليهم، لا لهم، فإنه اشتمل على أمرين:

أحدهما: الإرشاد لهم إلى السؤال عن الحكم الثابت بالدليل.

والآخر: الذم لهم على اعتماد الرأي والإفتاء به، وهذا معلوم لكل عالم.

فإن المرشد إلى السؤال، هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وهو باق بين أظهرهم، [ ص: 186 ] فالإرشاد منه إلى السؤال، وإن كان مطلقا، ليس المراد به إلا سؤاله صلى الله عليه وسلم- ، أو سؤال من قد علم هذا الحكم منه .

والمقلد - كما عرفت سابقا - لا يكون مقلدا، إلا إذا لم يسأل عن الدليل، أما إذا سأل عنه، فليس بمقلد، فكيف يتم الاحتجاج بذلك على جواز التقليد؟ وهل يحتج عاقل على ثبوت شيء بما ينفيه، وعلى صحة أمر بما يفيد فساده؟

فإنا لا نطلب منكم - معشر المقلدة - إلا ما دل عليه ما جئتم به، فنقول لكم: اسألوا أهل الذكر عن الذكر، وهو كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، واعملوا عليه، واتركوا آراء الرجال، والقيل والقال.

ونقول لكم كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ألا تسألون; فإنما شفاء العي السؤال عن كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، لا عن رأي فلان، ومذهب فلان.

فإنكم إذا سألتم عن محض الرأي، فقد قتلكم من أفتاكم به كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث صاحب الشجة: "قتلوه قتلهم الله" .

وأما السؤال الواقع من والد العسيف، فهو إنما سأل علماء الصحابة عن حكم مسألة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يسألهم عن آرائهم ومذاهبهم، وهذا يعلمه كل عالم، ونحن لا نطلب من المقلد إلا أن يسأل كما سأل والد العسيف، ويعمل على ما قام عليه الدليل الذي رواه العالم المسؤول.

ولكنه قد أقر على نفسه أنه لا يسأل إلا عن رأي إمامه، لا عن روايته، فكان استدلاله بما استدل به هاهنا، حجة عليه، لا له، والله المستعان.

ومن جملة ما استدلوا به: ما ثبت أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال في "الكلالة" : أقضي فيها، فإن يكن صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ، فمني، ومن الشيطان، والله بريء منه، وهو ما دون الولد والوالد.

فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر. وصح أنه قال لأبي بكر: رأينا تبع لرأيك.

وصح عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه كان يأخذ بقول عمر .

[ ص: 187 ] وصح: أن الشعبي قال: كان ستة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفتون الناس: 1 - ابن مسعود 2 - وعمر بن الخطاب 3 - وعلي بن أبي طالب 4 - وزيد بن ثابت 5 - وأبي بن كعب 6 - وأبو موسى - رضي الله عنهم -.

وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة: 1 - كان عبد الله يدع قوله لقول عمر 2 - وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي رضي الله عنه 3 - وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث