الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة العقد مع الله و العقد مع الآدمي

المسألة الثامنة : إذا ثبت هذا فربط العقد تارة يكون مع الله ، وتارة يكون مع الآدمي ، وتارة يكون بالقول ، وتارة بالفعل ; فمن قال : " لله علي صوم يوم " فقد عقده بقوله مع ربه ; ومن قام إلى الصلاة فنوى وكبر فقد عقدها لربه بالفعل ، فيلزم الأول ابتداء الصوم ، ويلزم هذا تمام الصلاة ; لأن كل واحد منهما قد عقدها مع ربه ، والتزم .

والعقد بالفعل أقوى منه بالقول . وكما قال سبحانه : { يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا } . كذلك قال : { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } .

وما قال القائل : علي صوم يوم أو صلاة ركعتين إلا ليفعل ، فإذا فعل كان أقوى من القول ; فإن القول عقد وهذا نقد ; وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث على الشافعي تمهيدا بليغا ، فلينظر هنالك . [ ص: 9 ]

فإن قيل : فكيف يلزم الوفاء بعقد الجاهلية حين كانوا يقولون : هدمي هدمك ، ودمي دمك ، وهم إنما كانوا يتعاقدون على النصرة في الباطل .

قلنا : كذبتم ; إنما كانوا يتعاقدون على ما كانوا يعتقدون حقا ، وفيما كانوا يعتقدونه حقا ما هو حق كنصرة المظلوم ، وحمل الكل ، وقرى الضيف ، والتعاون على نوائب الحق . وفيه أيضا باطل ; فرفع الإسلام من ذلك الباطل بالبيان ، وأوثق عرى الجائز ، والحق منه بالأمر بالوفاء بإتيانهم نصيبهم فيه ، كما تقدم من النصيحة والرفادة والنصرة ، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : { المؤمنون عند شروطهم } . معناه إنما تظهر حقيقة إيمانهم عند الوفاء بشروطهم .

وقال صلى الله عليه وسلم : { أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج } . ثم قال : { ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان اشترط مائة شرط } . فبين أن الشرط الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله تعالى ، أي دين الله تعالى ، كذلك لا يلزم الوفاء بعقد إلا أن يعقد على ما في كتاب الله .

وعلى المسلمين أن يلتزموا الوفاء بعهودهم وشروطهم إلا أن يظهر فيها ما يخالف كتاب الله ، فيسقط . [ ص: 10 ] ولا يمنع هذا التعلق بعموم القولين ; ولذلك حث على فعل الخير ، فقال : { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } . وأمر بالكف عن الشر ، فقال : { لا ضرر ولا ضرار } .

فهذا حث على فعل كل خير واجتناب كل شر . فأما اجتناب الشر فجميعه واجب . وأما فعل الخير فينقسم إلى ما يجب وإلى ما لا يجب ; وكذلك الوفاء بالعقود ، ولكن الأصل فيها الوجوب ، إلا ما قام الدليل على ندبه ; وقد جهل بعضهم فقال : لما كانت العقود الباطلة والشروط الباطلة لا نهاية لها والجائز منها محصور فصار مجهولا فلا يجوز الاحتجاج على الوفاء بالعقود ولا بالشروط لأجل ذلك وهي عبارة عظيمة ، وهي : المسألة التاسعة : قلنا : وما لا يجوز [ كيف ] يدخل تحت مطلق أمر الله سبحانه حتى يجعله مجملا .

والله لا يأمر بالفحشاء ولا بالباطل : لقد ضلت إمامتك وخابت أمانتك ، وعلى هذا لا دليل في الشرع لأمر يفعل ; فإن منه كله ما لا يجوز ، ومنه ما يجوز ، فيؤدي إلى تعطيل أدلة الشرع وأوامره .

والذين قالوا بالوقف لم يرتكبوا هذا الخطر ، ولا سلكوا هذا الوعر ، فدع هذا ، وعد القول إلى العلم إن كنت من أهله .

فإن قيل : محمول قوله { أوفوا بالعقود } على المقيد لما بينا ، وهي : [ ص: 11 ] المسألة العاشرة : قلنا : فقد أبطلنا ما يثبت محمول قوله : { أوفوا بالعقود } على كل عقد مطلق ومقيد .

وماذا تريد بقولك مقيدا ؟ تريد قيد بالجواز أم قيد بقربة ، أو قيد بشرط ؟ فإن أردت به قيد بشرط لزمك فيه ما لزمك في المطلق من أن الشرط منه ما لا يجوز كما تقدم لك ، وإن قلت : مقيد بقربة ، فيبطل بالمعاملات ، وإن قلت : مقيد بالدليل ، فالدليل هو قول الله سبحانه ، وقد قال : { أوفوا بالعقود } .

فإن قيل : هذا عقد اليمين لا يجب الوفاء به ، وهي : المسألة الحادية عشرة : قلنا : لا يجب الوفاء بشيء أكثر مما يجب الوفاء باليمين ، وكيف لا يجب الوفاء به وهو عقد أكد باسم الله سبحانه ؟ حاشا لله أن نقول هذا ، ولكن الشرع أذن رحمة ورخصة في إخراج الكفارة بدلا من البر ، وخلفا من المعقود عليه الذي فوته الحنث . وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف ، وستراه في آية الكفارة من هذه السورة إن شاء الله تعالى .

فإن قيل : فقد قال الشافعي : إذا نذر قربة لا يدفع بها بلية ولا يستنجح بها طلبة فإنه لا يلزم الوفاء بها . قلنا : من قال بهذا فقد خفيت عليه دلائل الشرع ; وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : { أوف بنذرك } .

وقد بينا قول الله عز وجل فيه وماذا على الشريعة أو ماذا يقدح في الأدلة من رأي الشافعي وأمثاله من العلماء . [ ص: 12 ] وأما نذر المباح فلم يلزم بإجماع الأمة ونص النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح ، وهي شيء جهلته يا هذا العالم ، فادرج عن هذه الأغراض ، فليس بوكر إلا لمن أمنته معرفة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من المكر ، ولم يتكلم برأيه وحده ، ولا أعجب بطرق من النظر حصلها ، ولم يتمرس فيها بكتاب الله عز وجل ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ; فافهم هذا ، والله يوفقكم وإيانا بتوفيقه لتوفية عهود الشريعة حقها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث