الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث السادس عشر أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 361 ] الحديث السادس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني ، قال : لا تغضب فردد مرارا قال : لا تغضب رواه البخاري .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه البخاري من طريق أبي الحصين الأسدي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، ولم يخرجه مسلم ، لأن الأعمش رواه ، عن أبي صالح ، واختلف عليه في إسناده فقيل : عنه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، كقول أبي حصين ، وقيل : عنه ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، وعند يحيى بن معين أن هذا هو الصحيح ، وقيل : عنه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة وأبي سعيد ، وقيل : عنه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أو جابر ، وقيل : عنه ، عن أبي صالح ، عن رجل من الصحابة غير مسمى . وخرج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي حصين أيضا ولفظه : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله علمني شيئا ولا تكثر علي لعلي أعيه ، قال : لا تغضب فردد ذلك مرارا كل ذلك يقول : لا تغضب وفي رواية أخرى لغير الترمذي قال : قلت : يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ولا تكثر علي قال : لا تغضب . فهذا الرجل طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال [ ص: 362 ] الخير ، ليحفظها عنه خشية أن لا يحفظها لكثرتها ، فوصاه النبي أن لا يغضب ، ثم ردد هذه المسألة عليه مرارا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يردد عليه هذا الجواب ، فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر ، وأن التحرز منه جماع الخير . ولعل هذا الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو الدرداء ، فقد خرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قال : قلت : يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال : لا تغضب ولك الجنة . وقد روى الأحنف بن قيس عن عمه جارية بن قدامة أن رجلا قال : يا رسول الله قل لي قولا ، وأقلل علي لعلي أعقله ، " قال لا تغضب " فأعاد عليه مرارا كل ذلك يقول : " لا تغضب " خرجه الإمام أحمد وفي رواية له أن جارية بن قدامة قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فذكره . فهذا يغلب على الظن أن السائل هو جارية بن قدامة ، ولكن ذكر الإمام أحمد عن يحيى القطان أنه قال : هكذا قال هشام ، يعني : أن هشاما ذكر في الحديث أن جارية سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يحيى : وهم يقولون : إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا قال العجلي وغيره : إنه تابعي وليس بصحابي . وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن ، عن [ ص: 363 ] رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قلت : يا رسول الله أوصني ، قال : لا تغضب قال الرجل : ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ، فإذا الغضب يجمع الشر كله ورواه مالك في " الموطأ " عن الزهري ، عن حميد مرسلا . وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ماذا يباعدني من غضب الله عز وجل ؟ قال : لا تغضب . وقول الصحابي : ففكرت فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الغضب يجمع الشر كله يشهد لما ذكرناه أن الغضب جماع الشر ، قال جعفر بن محمد : الغضب مفتاح كل شر . وقيل لابن المبارك : اجمع لنا حسن الخلق في كلمة ، قال : ترك الغضب . وكذا فسر الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه حسن الخلق بترك الغضب ، وقد روي ذلك مرفوعا ، خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب " الصلاة " من حديث أبي العلاء بن الشخير أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه ، فقال : يا رسول الله أي العمل أفضل ؟ فقال : " حسن الخلق " ثم أتاه عن يمينه ، فقال : يا رسول الله أي العمل أفضل فقال : " حسن الخلق " ، ثم أتاه عن شماله فقال : يا رسول الله ، أي العمل أفضل ؟ قال : حسن الخلق ثم أتاه من بعده ، يعني : من خلفه ، فقال : يا رسول الله أي العمل أفضل ؟ فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " مالك لا تفقه ! حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت " . وهذا مرسل . فقوله صلى الله عليه وسلم لمن استوصاه : لا تغضب يحتمل أمرين : [ ص: 364 ] أحدهما : أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى ، والصفح والعفو ، وكظم الغيظ ، والطلاقة والبشر ، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة ، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق ، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه . والثاني : أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك ، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به ، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان الآمر والناهي له ، ولهذا المعنى قال الله عز وجل ولما سكت عن موسى الغضب [ الأعراف : 154 ] فإذا لم يمتثل الإنسان ما يأمره به غضبه ، وجاهد نفسه على ذلك ، اندفع عنه شر الغضب ، وربما سكن غضبه ، وذهب عاجلا ، فكأنه حينئذ لم يغضب ، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله عز وجل وإذا ما غضبوا هم يغفرون [ الشورى : 37 ] ، وبقوله عز وجل : والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين [ آل عمران : 134 ] .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث