الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( والاستنجاء واجب من البول والغائط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وليستنج بثلاثة أحجار } " ولأنها نجاسة لا تلحق المشقة في إزالتها غالبا فلا تصح الصلاة معها كسائر النجاسات ) .

                                      [ ص: 111 ]

                                      التالي السابق


                                      [ ص: 111 ] الشرح ) حديث أبي هريرة هذا صحيح رواه الشافعي وأبو داود وغيرهما بأسانيد صحيحة ، وسأذكره بكماله إن شاء الله تعالى . قوله : " وليستنج " هو هكذا بالواو معطوف على ما قبله ، كما سأذكره بكماله إن شاء الله تعالى . وقول المصنف " لا تلحقه المشقة في إزالتها " احتراز من دم البراغيث ونحوه . وقوله " فلم تصح الصلاة معها " عبارة حسنة فإنه لو قال فوجب إزالتها لانتقض بنجاسة على ثوب لا يصلى فيه ، والغائط معروف وتقدم في هذا الباب بيان أصله .

                                      ( أما حكم المسألة ) فالاستنجاء واجب عندنا من البول والغائط ، وكل خارج من أحد السبيلين نجس ملوث ، وهو شرط في صحة الصلاة ; وبه قال أحمد وإسحاق وداود وجمهور العلماء ورواية عن مالك . وقال أبو حنيفة : هو سنة ، وهو رواية عن مالك ، وحكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعبدري وغيرهم عن المزني وجعل أبو حنيفة هذا أصلا للنجاسات ، فما كان منها قدر درهم بغلي عفي عنه وإن زاد فلا ، وكذا عنده في الاستنجاء إن زاد الخارج على درهم وجب وتعين الماء ولا يجزيه الحجر ولا يجب عنده . الاستنجاء بالحجر . واحتجوا بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " { من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج } " رواه الدارمي وأبو داود وابن ماجه ; وهو حديث حسن ; ولأنها نجاسة لا تجب إزالة أثرها فكذا عينها كدم البراغيث ، ولأنه لا تجب إزالتها بالماء فلم يجب غيره ، وقال المزني : ولأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني .

                                      واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " { إنما أنا لكم مثل الوالد ، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول وليستنج بثلاثة أحجار ، ونهى عن الروث والرمة وأن يستنجي الرجل بيمينه } " حديث صحيح رواه الشافعي في مسنده وغيره بإسناد صحيح ، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم بأسانيد صحيحة بمعناه ; قال البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار : قال الشافعي [ ص: 112 ] في القديم : هو حديث ثابت .

                                      وعن سلمان رضي الله عنه قال : " { نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار } " رواه مسلم . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن ، فإنها تجزي عنه } " حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني ، وقال إسناده حسن صحيح . واحتج الأصحاب بحديث ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال : إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير . أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله } " وروي " لا يستبرئ " رواه البخاري ومسلم وفي الاستدلال به نظر . واحتجوا من القياس بما ذكره المصنف ، والجواب عن حديثهم أنه لا حرج في ترك الإيتار ، وهو محمول على الإيتار الزائد على ثلاثة أحجار جمعا بينه وبين باقي الأحاديث الصحيحة لحديث سلمان وغيره . والجواب عن قياسهم على دم البراغيث أن ذلك مشقة عظيمة بخلاف أصل الاستنجاء ، ولهذا تظاهرت الأحاديث الصحيحة على الأمر بالاستنجاء ، ولم يرد خبر في الأمر بإزالة دم البراغيث . وقياس المزني على المني لا يصح لأنه طاهر والبول نجس ، والله أعلم




                                      الخدمات العلمية