الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح

( الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح )

أن الرجل إذا وكل وكيلين في بيع سلعة فباعاها من رجلين كان النافذ من البيعين هو الأول [ ص: 104 ] وإذا جعلت المرأة أمرها لوليين فزوجاها من رجلين كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف كالبيع إلا أن يدخل بها الأخير فهو أحق بها وهذه القاعدة فيها سبع مسائل يفيتهن الدخول مسألة الوليين وامرأة المفقود تتزوج بعد الأجل المضروب يفيتها الدخول فإن قدم قبل الدخول بها فهو أحق بها ، والمرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج ثم تثبت رجعة الأول فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحق بها وألغيت الرجعة .

وقال مالك في المدونة إذا طلق زوج الأمة الأمة طلاقا رجعيا فراجعها في السفر فلم تعلم بذلك فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع علمه بالرجعة كان وطء السيد مفيتا لها كالوطء بالزوج وتكون هذه المسألة ثامنة لهذه المسائل ، وامرأة الرجل يرتد فيشك في كفره بالأرض البعيدة هل هو إكراه أو اختيار ثم يتبين أنه إكراه وقد تزوجت امرأته بناء على ظاهر كفره فإن دخل بها الثاني فهو أحق بها وإن لم يدخل بها فهي للأول ، والرجل يسلم على عشرة نسوة فاختار منهن أربعا فوجدهن ذوات محارم فإنه يرجع ويختار من البواقي ما لم يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن فمن دخل بها فات الأمر فيها بالدخول ومن لم يدخل بها كان له أخذها وقيل لا يفيتهن الدخول والمرأة تطلق للغيبة ثم يقدم بحجة .

فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتت عليه وإن لم يدخل بها لم تفت عليه ، والمرأة تسلم وزوجها كافر فيفرق بينهما ثم يبين تقدم إسلامه عليها ، وخولفت هذه القاعدة في أربع مسائل في المذهب أيضا المرأة ينعى لها زوجها ثم يتبين حياته وقد تزوجت فإنها لا يفيتها الدخول وقيل يفيتها الدخول ، والمطلقة بسبب الإعسار بالنفقة ثم يتبين أنها أسقطتها عنه قبل ذلك وقد تزوجت فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني ، والرجل يقول عائشة طالق وله امرأة حاضرة اسمها عائشة وقال لم أردها ولي امرأة أخرى تسمى عائشة ببلد آخر وهي التي أردت فإنها تطلق عليه هذه لأن الأصل عدم امرأة أخرى فإن تبين صدقه وقد تزوجت ودخل بها زوجها ردت إليه ولا يفتيها الدخول والأمة تختار نفسها تتزوج ويدخل بها زوجها ثم يتبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها فالشافعي رضي الله عنه يسوي بين القاعدتين وجعل العقد السابق هو المعتبر وما بعده باطل حصل دخول أم لا فهذا [ ص: 105 ] هو القياس فإن من شرط عقد النكاح أن تكون خالية عن زوج وهذه ذات زوج فلا يصح العقد عليها واعتمد مالك رحمه الله تعالى على قضاء عمر رضي الله عنه في مسألة الوليين وقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير في مسألة الرجعة وأفاتوا المرأة بالدخول وهذا مدرك عند مالك ، وعند الشافعي رضي الله عنه ليس بمدرك لأن مذهبه أن قول الصحابي يصلح للترجيح لا للاستقلال ووجه الحجة على الشافعي وهو سر الفرق المقصود بين القاعدتين أنا أجمعنا على الأخذ بالشفعة وهو إبطال أثر العقد السابق وتسليط الشفيع على إبطاله لأجل الضرر الداخل على الشريك من توقع القسمة .

وإذا قضى بتقديم الضرر على القعد هنالك وجب أن يقضي ههنا بتقديم الضرر على العقد السابق بطريق الأولى من وجهين

( الأول ) أن ضرر الشفعة متوقع فإن القسمة قد تحصل وقد لا تقع ألبتة وأما الضرر ههنا فناجز وتقريره أن الرجل إذا طلع على المرأة حصل له بها تعلق في الغالب وحصل لها هي أيضا تعلق فإن الرجل إنما يتزوج في الغالب من مالت نفسه إليها وإذا دخل عليها مع الميل المتقدم وجدت الرؤية والمباشرة فالغالب حصول الميل كذا هي أيضا إنما رضيت به بعد ميل نفسها إليه فإذا باشرته مع الميل المتقدم وحصول الإرب فالغالب حصول الميل وإذا كان الظاهر حصول الميل إما من الجانبين وإما من أحدهما فلو قضينا بالفراق بعد هذا الميل الناشئ من الدخول وقضاء الأوطار لحصل الضرر الناجز لمن حصل له الميل بألم الفراق فعلم أن ضرر الشفعة متوقع وضرر هذه المسائل واقع والواقع أقوى من المتوقع الوجه

( الثاني ) في موجب القياس بطريق الأولى أن الشريك الشفيع يأخذ بغير عقد أضيف إليه بل بمجرد الضرر وههنا الزوج الثاني معه عقد يقابل به العقد الأول فصار دفع ضرره معضودا بعقد ودفع ضرر الشريك غير معضود بعقد فكان المعضود أولى فإن قلت وجود هذا العقد كعدمه لأن المحل غير قابل له فلا يصح للترجيح قلت كون وجوده كعدمه هو محل النزاع نحن نقول ليس وجوده كعدمه بل اتفقنا على أن [ ص: 106 ] مثل هذه الصورة من العقد موجبة للعصمة في غير صورة النزاع فوجب أن يكون هنا كذلك عملا بوجود الصورة من الإيجاب والقبول ورضى الولي والمرأة وكون تقدم العقد مانعا صورة النزاع .

وهذا وجه الترجيح فإن قلت ما الفرق بين مسألة الوليين ومسألة الوكيلين وكلا على أن يزوج كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما فتبين أنها خامسة فإنها لا يفتيها الدخول إجماعا فكذلك ههنا والجامع بطلان العقد قلت بالفرق بينهما من عشر أوجه

( أحدها ) المانع من الصحة في الخامسة هو عقد الرابعة مع ما تقدمه من العقود والمانع في الوليين عقد واحد فهو أخف فسادا وأقل موانع ففاتت بالدخول بخلاف الخامسة

( الثاني ) أن الأولياء الغالب عليهم الكثرة دون الولاء فصورة الوليين مما يكثر وقوعها فالقول ببطلان العقد الثاني بعد الدخول يؤدي إلى كثرة الفساد والخامسة نادرة لأن الفساد فيها الناشئ عن الاطلاع والكشف قليل

( الثالث ) أن الزوج كالمشتري الذي هو صاحب الصداق الذي هو الثمن والمرأة كالبائع لأنها صاحبة السلعة والسلع مقاصد والأثمان وسائل ورتبتها أخفض من رتبة المقاصد فلذلك لم يبطل عقد الرابعة لأنه إبطال لمقصد وإبطال العقد الأول للزوج الأول إبطال لصاحب وسيلة التعارض إنما وقع بين الزوجين اللذين هما صاحبا وسيلة وبين الرابعة والخامسة في صاحبي مقصد فاجتمع في الرابعة كونه مقصدا وموافقة الأوضاع الشرعية فامتنع إبطاله لقوته بخلاف الزوج الأول

( الرابع ) أن ولوع الرجال بالنساء وشغفهم بهن أكثر منهن بهم والعادة شاهدة بذلك فإن الرجال هم الباذلون والخاطبون إلى غير ذلك من الدلائل على فرط الميل ولم يوجد ذلك في النساء لضعف طبعهن وغلبة الحياء عليهن وإذا كان شغف الرجال بهن أعظم صعب التفريق في مسألة الوليين لأنه ضرر بالزوج الثاني الذي حصل له الشغف بالدخول والخامسة إنما يتوقع فيها داعية ضعيفة فكان الفساد أقل

( الخامس ) أن داعية الرجال في السؤال عن الواقع من أولياء المرأة ضعيف وعن الواقع من الوكلاء في التزويج قوي فكثر الأول دون الثاني فكان مخالفة القاعدة في [ ص: 107 ] الوليين أقل

( السادس ) أنه يتهم في الخامسة أن يكون عدل إليها عن الرابعة مع عمله بها لأنه المختار للدخول والمرأة محكوم عليها لا خيرة لها

( السابع ) أن الخامسة على خلاف القاعدة المعتبرة فعظمت أسباب إبطالها لأن الله تعالى جعل ثلاثا مستثنيات فتجوز الهجرة ثلاثا والإحداد ثلاثا وأيام الخيار ثلاثا والضرات ثلاثا ثم يلزم ويمكث الهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وجعل المرأة تضر بثلاث من النساء والخامسة لو صححناها وقع الإضرار بأربع ولم يوجد في مسألة الوليين مخالفة قاعدة إلا ما اشتركا فيه

( الثامن ) إن شاء أولياء السؤال عن حال الزوج وليس شأن أولياء الرجل السؤال عن حال المرأة فضعفت الشبهة في الخامسة بكشف أوليائها

( التاسع ) أن عقد الوكالة ضعيف لأنه جاء من الطرفين ولأن المكلف ينشئه فيكون ضعيفا كالنذر مع الواجب المتأصل بخلاف الأولياء

( العاشر ) أن في الخامسة مفسدة اندفعت بالفسخ وهي أنها على ضرات أربع لها والفائت على ذات الوليين صحبة الزوج الأول ودرء المفاسد أولى من تحصيل المصالح فإن قلت في صورة الشفعة الشريك مخير وههنا الزوج الثاني ليس مخيرا بل أنتم تعينون المرأة له جزما فقد زادت صورة الفرع المقيس على صورة الأصل المقيس عليه بوصف اللزوم فليس الحكم مثل الحكم فلا يصح القياس لتباين الأحكام قلت الوجه الذي وقع فيه القياس لا اختلاف فيه لأن القياس إنما وقع من جهة تقديم المضرة على العقد السابق والصورتان من هذا الوجه مستويتان لا اختلاف فيهما وإنما جعل اللزوم في صورة النزاع دون صورة الشفعة لامتناع الخيار في النكاح لئلا تكون المخدرات بذلة بالخيار فلذلك حصل اللزوم والتعيين للزوج الثاني ولما كانت السلع والعقار قابلة للتخيير والخيار ثبت للشفيع الخيار من غير لزوم ، فإن قلت إنما أبطلنا العقد في الشفعة لضرر الشفيع لأن العقار مال ورتبة الأموال أخفض من رتبة الإبضاع ولا يلزم من مخالفة العقد المقتضي لما هو أدنى مخالفة العقد المقتضي لما هو أعلى وهذا فرق يبطل القياس قلت هذا بعينه مستندنا في أولوية القياس وذلك أنكم إذا سلمتم أن الإبضاع أعلى رتبة من الأموال يكون الضرر بفوات مقاصدها أعظم من ضرر الشريك فيكون أولى بالمراعاة فإن قلت الزوج الثاني كما حصل له تعلق بالدخول في مسألة الوليين فالزوج الأول [ ص: 108 ]

وقد حصل له أيضا تعلق في مسألة الرجعة والمفقود وغيرهما فلم كان دفع ضرر الثاني أولى من الأول لا سيما وصحبة الأول أطول ومعاهد قضاء الأوطار بينهما أكثر قال الشاعر :

" ما الحب إلا للحبيب الأول

" قلت بل ضرر الثاني هو الأولى بالمراعاة وذلك لأن الأول أعرض بالطلاق ، وتوحش العصمة إما بالطلاق وإما بالفراق من غير طلاق وإما بحصول السآمة من طول المباشرة وقد جرت العادة أن طول صحبة المرأة توجب قلة وقعها في النفس وأن جدتها توجب شدة وقعها في النفس وبهذا يظهر أن ضرر الثاني أقوى وأولى بالمراعاة فهذا هو سر الفرق بين قاعدة الأنكحة في هذا الباب وبين قاعدة الوكالات في السلع والإجارات فإن قلت قد سردت ثنتي عشرة مسألة منها ثمانية من هذه القاعدة ومنها أربع تعارضها وهي نقض على ما ذكرته من الفرق والنقض موجب لعدم الاعتبار فيلغى ما ذكرته من الفرق ما لم تفرق بينهما قلت ما ذكرته سؤال حسن مسموع وبيان الفرق بين الأربعة والثمانية يتضح بأن تعين أقرب الثمانية للأربعة وتبين الفرق بين تلك الصورة وتلك الأربعة فيحصل الفرق بين الأربعة والثمانية أو تعين أقرب الصور الثمانية لعدم الفوات بالدخول وأقرب الأربعة للفوات بالدخول وتفرق بين هاتين الصورتين فيكون الفرق قد حصل بين الجميع بطريق الأولى فإنه إذا حصل باعتبار الأبعد حصل باعتبار الأقرب بطريق الأولى فنقول : كل مسألة دخل فيها حكم حاكم من هذه الثماني فهي أقرب إلى التفويت بالدخول من الصورة التي لم يدخل فيها حكم حاكم بسبب أن حكم الحاكم يتنزل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال إن الحاكم إذا حكم بالطلاق بشهادة زور نفذ الطلاق في الظاهر والباطن وكذلك إذا حكم بالنكاح والزوجية بشهود زور ثبت النكاح في الظاهر والباطن وجاز لأحد تلك الشهود الزور أن يتزوج تلك المرأة التي شهد بطلاقها مع علمه بكذب نفسه وأبيحت الزوجة في المسألة الأخرى في نفس الأمر لأن حكم الحاكم في هذه المسائل وإن لم يصادف عقدا ولا طلاقا لكن حكمه نفسه يتنزل منزلة الطلاق والنكاح ولهذا المدرك عمم نفوذ الأحكام بشهادة الزور في العقود والفسوخ دون الديون وغيرها من القضايا فإن الدين ونحوه لا يدخل حكم الحاكم فتستقل الذمة به [ ص: 109 ]

والفسخ يمكن أن يستقل به الحاكم في صور مجمع عليها وكذلك الحاكم يستقل بالعقد ولا تستقل الذمم بالمال إلا أخذه بالفرض أو غيره فلذلك عمم في العقود والفسوخ ومنع غيرهما ونحن وإن لم نقل بهذا المدرك وقلنا لا ينفذ هذا الحكم غير أنه يبقى فارقا من حيث الجملة بين ما فيه حكم حاكم وبين ما ليس فيه حكم حاكم فيكون ما فيه حكم حاكم أقرب إلى الفوات بالدخول من حيث الجملة فأقول الذي دخل فيه حكم الحاكم منها مسألة المفقود ومسألة المرأة تطلق بسبب طول الغيبة ومسألة المرأة تسلم ثم يتبين تقدم إسلام زوجها فهذه الثلاث المسائل فيها حكم الحاكم يوجب الفرق بينها وبين غيرها والخمس المسائل الباقية منها ما بني فيها على ظاهر فانكشف خلافه ومنها ما لا يبنى فيها على ظاهر فالتي يبنى فيها على ظاهر انكشف خلافه المرأة فيها معذورة بسبب الظاهر مأذون لها في الإقدام على العقد الثاني بسبب الظاهر وكذلك وليها بخلاف ما لا ظاهر فيه يقتضي بطلان العقد الأول والتي فيها ظاهر هي المرأة الحرة تعلم بالطلاق دون الرجعة فإن ظاهر الطلاق يبيح العقد والأمة يطلقها زوجها كما تقدم وامرأة المرتد فإن ظاهر الكفر يبيح العقد والرجل يسلم على كثير نسوة فإن ظاهر حالهن يقتضي الاختيار وتزوجهن بناه على ظاهر الاختيار فهن معذورات فهذه أربع فيها عذر يبيح وفي مسألة الوليين ليس فيها حكم حاكم ولا ظاهر فهي أبعد المسائل عن الفوات بالدخول فنعينها للبحث والفرق وأما الأربع وهي المرأة ينعى لها زوجها فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن الموت شأنه الشهرة والظهور فالخطأ فيه نادر فيضعف العذر .

فلا يفوت بالدخول وعقد الولي الأول على المرأة ليس اشتهاره في الوجود كاشتهار الموت ولا تتوفر الدواعي للإخبار به كتوفره على الإخبار بموت إنسان والتفجع عليه والعوائد شهادة بذلك ومسألة التطليق بالإعسار فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن المرأة هنا ظالمة قاصدة للفساد فناسب أن تعاقب بنقيض مقصودها في إبطال تصرفها بالزواج لأنها تعلم أنها أسقطت النفقة وأنها مبطلة في جميع تصرفها ودعواها بخلاف مسألة الوليين لم يكن عندها علم بالعقد الأول وأما مسألة الذي يقول عائشة طالق فإن الحكم هنا يبني على استصحاب الحال من جهة أن الأصل عدم زواجه لامرأة أخرى واستصحاب الولي [ ص: 110 ] بعدم العقد على موليته فإن العقود لأوليائها غالبا بخلاف عقود الرجال على النساء لا يشتهر عند الحاكم فإن قلت الطلاق بسبب الغيبة أيضا اعتمد الحاكم فيه على الأصل العدمي وهو أن الأصل عدم إيصال حقوقها إليها قلت الغيبة صورة ظاهرة تشهد بعدم زواج امرأة أخرى تسمى عائشة فإذا تقرر الفرق بين هذه وبين ما وقع فيه حكم فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن الولي العاقد للعقد الثاني ما دون له في العقد إجماعا وليس له معارض من حيث الظاهر والمرأة لما تزوجت ههنا مع قول الزوج لي امرأة أخرى تسمى عائشة قول ظاهره الصدق فإنه مسلم عاقل وقد أخبر عن أمر ممكن لا يعلم إلا من قبله فينبغي أن يصدق فيه كما تصدق المرأة في حيضها وطهرها وسقطها وانقضاء عدتها لأنها أمور لا تعلم إلا من قبلها فكذلك ههنا قول الزوج معارض بتصرف المرأة وتصرف وليها في العقد والولي الثاني في مسألة الوليين لا ظاهر يعارضه فكان بالنفوذ أولى .

وأما الأمة تختار نفسها فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن زوجها متهافت عليها متعلق بها غاية التعلق بسبب أنها نزعت عصمتها منه قهرا والنفوس مجبولة على حب ما منعت منه فناسب ذلك الرد إليه بخلاف مسألة الوليين لم يحصل للزوج المعقود له أولا هذا التعلق بسبب أنه لم ير المرأة ولم يباشرها فكانت أولى بالفوات عليه فهذا هو الفرق الرافع للنقوض الأربعة وإذا اندفعت النقوض بالفرق صح المدرك وتبين الفرق بين قاعدة الوكالات في البياعات وقاعدة الوكالات في الأنكحة فاعلم ذلك فقد يسر الله فيه من الحجة ما لم أره قط لأحد فإن المكان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد غير أنه إذا لوحظت هذه المباحث قربت من القواعد وظهر وجه الصواب فيها لا سيما وجمع كثير من الصحابة أفتوا بها فلا بد لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها ولعلهم لاحظوا ما ذكرته وبهذا ظهر الفرق بين الوليين والوكيلين في عقود البياعات والإجارات وغيرها في أن المعتبر هو الأول فقط التحق بالثاني تسليم أم لا وقد وقع لمالك في المدونة والجلاب أن الوكيل والموكل إذا باع أحدهما بعد الآخر انعقد عقد السابق إلا أن يتصل بالثاني تسليم قال الأصحاب هذا قياس على مسألة الوليين وقال ابن عبد الحكم لا عبرة بالتسليم والفرق أن [ ص: 111 ] كشف النكاح مضرة عظيمة بخلاف البيع وهذا هو الصحيح والتخريج مع قيام الفارق باطل إجماعا ولم أجد لمالك ولا لأصحابه نصا في الوكيلين أن التسليم يفيت بل في الموكل .

والوكيل خاصة فلو رام مخرج تخريج الوكيلين على الموكل والوكيل لتعذر ذلك بسبب الفرق أيضا وهو أن الموكل له التصرف بطريق الأصالة والوكيل له التصرف بطريق النيابة فهو فرع فإن تأخر عقده ووقع التسليم في عقد الموكل أمكن أن يقول مالك ذلك عندي مضاف للتسليم وكونه متصرفا بطريق الأصالة والأصالة لها قوة وله أيضا قوة العزل والتصرف بنفسه وهو معنى مناسب مفقود في الوكيلين فإن كليهما فرع لا أصالة له فلا ينعقد عقد اللاحق منهما مطلقا اتصل به قبض أم لا ومهما وجدنا معنى يمكن أن يلاحظه الإمام امتنع التخريج على محل ذلك الفارق كما أن المجتهد إذا وجد معنى يمكن أن يكون فارقا امتنع عليه القياس فالمقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الشارع فإن قلت الوكيلان في النكاح فرعان لا متأصل فيهما فيسقط ما ذكرته من المناسبة قلت ما ذكرته مسلم غير أن المرأة يتعذر عليها الاستقلال فسقط اعتبار التأصل وههنا يمكن الاستقلال فأمكن أن يكون إمكان الاستقلال فرقا يلاحظه الإمام فيتعذر التخريج ، والصواب عدم التخريج مطلقا في الموكل والوكيل والوكيلين أيضا والله أعلم .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وقاعدة الولاية في النكاح إلى قوله ثم يتبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها )

قلت هذا الفرق عندي فاسد الوضع فإنه لا فرق بين البيع والنكاح من حيث إن السلعة إذا هلكت كان هلاكها فوتا ونفوذا للعقد الثاني وكذلك [ ص: 104 ] في النكاح في المسائل الثماني التي ذكر الفرق فيها وإنما يحتاج إلى الفرق بين هذه المسائل والمسائل الأربع التي ذكر عدم الفوت فيها وأما الفرق بين تينك القاعدتين فليس بصحيح والله أعلم قال ( فالشافعي رحمه الله تعالى يسوي بين القاعدتين إلى قوله يصلح للترجيح لا للاستقلال ) قلت ما قاله من أن الشافعي يسوي بين القاعدتين يشعر بأن مالكا لا يسوي [ ص: 105 ] بينهما وليس الأمر كذلك بل مالك أيضا يسوي بينهما غير أنه فرق بين مسائل من فروع القاعدتين فيطلب وجه ذلك الفرق وما قاله من أن القياس قول الشافعي صحيح [ ص: 106 ] قال ( ووجه الحجة على الشافعي إلى ما ذكر في الفرق ) قلت ما قاله يحتاج إلى تأمل ونظر [ ص: 107 - 111 ] .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح )

وذلك أن الأصل قال لم أجد لمالك ولا لأصحابه نصا في أن الوكيلين إذا باع أحدهما بعد الآخر سلعة واتصل بالثاني تسليم انعقد عقده وفات عقد الأول بل إنما قالوا النافذ من البيعين هو الأول مطلقا نعم وقع لمالك في المدونة والجلاب أن الوكيل والموكل خاصة إذا باع أحدهما بعد الآخر انعقد عقد السابق إلا أن يتصل بالثاني تسليم فقال الأصحاب هذا قياس على مسألة الوليين تجعل المرأة أمرها لهما فيزوجاها من رجلين كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف إلا أن يدخل بها الأخير فهو أحق بها لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك ، ومذهب مالك رحمه الله تعالى أن يقول : الصحابي الواحد كما يصلح للترجيح كذلك يصلح للاستقلال فيكون حجة على غيره من غير الصحابة لحديث { أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم } رواه ابن ماجه وهو كذلك عند الشافعي في القديم وعلى قوله الجديد يصلح للترجيح لا للاستقلال فليس بحجة على غيره من الصحابة اتفاقا ولا على غيره من غير الصحابة كما في شرح الحطاب على ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه مع المتن وقال ابن عبد الحكم لا عبرة بالتسليم بل إنما ينعقد عقد الأول والفرق بين مسألة الوليين في النكاح ومسألة الوكيل وموكله في البيع أن كشف النكاح مضرة عظيمة بخلاف البيع وهذا هو الصحيح والتخريج مع قيام الفارق باطل إجماعا فلو رام مخرج تخريج الوكيلين على الموكل والوكيل على ما لمالك في المدونة والجلاب لتعذر ذلك بسبب الفرق أيضا وهو أن الموكل له التصرف بطريق الأصالة والوكيل له التصرف بطريق النيابة فهو فرع فإن تأخر عقده ووقع التسليم في عقد الموكل [ ص: 130 ] أمكن أن يقول مالك ذلك عندي مضاف للتسليم وكونه متصرفا بطريق الأصالة ، والأصالة لها قوة وله أيضا قوة العزل والتصرف بنفسه وهو معنى مناسب مفقود في الوكيلين فإن كليهما فرع لا أصالة له فلا ينعقد عقد اللاحق منهما مطلقا اتصل به قبض أم لا ومهما وجدنا معنى يمكن أن يلاحظه الإمام امتنع التخريج على محل ذلك الفارق كما أن المجتهد إذ وجد معنى يمكن أن يكون فارقا امتنع عليه القياس فالمقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الشارع والوليان في النكاح وإن كانا فرعين لا متأصل فيهما إلا أن المرأة في النكاح لما كان يتعذر عليها الاستقلال سقط اعتبار التأصل فيها بخلاف الموكل في البيع فإنه لما كان يمكن استقلاله أمكن أن يكون إمكان استقلاله فرقا يلاحظه الإمام فيتعذر التخريج والصواب عدم التخريج مطلقا في الموكل والوكيل والوكيلين أيضا فتكون قاعدة الوكيلين والموكل والوكيل عند مالك تخالف قاعدة مسألة الوليين والسبع المسائل نظائرها عنده في أن دخول الأخير بالمرأة فيها يفيتها على من قبله ( المسألة الأولى )

امرأة المفقود تتزوج بعد الأجل المضروب فإن قدم قبل الدخول بها فهو أحق بها وإلا فاتت عليه بالدخول ( المسألة الثانية )

المرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج ثم ثبتت رجعة الأول فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحق بها وألغيت الرجعة لقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بذلك وأفاتاها بالدخول ( المسألة الثالثة )

قال مالك في المدونة إذا طلق زوج الأمة الأمة طلاقا رجعيا فراجعها في السفر فلم تعلم بذلك فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع عدم علمه بالرجعة كان وطء السيد مفيتا لها كالوطء بالزوج ( المسألة الرابعة )

امرأة الرجل يرتد فيشك في كفره بالأرض البعيدة هل هو إكراه أو اختيار ثم تبين أنه إكراه وقد تزوجت امرأته بناء على ظاهر كفره فإن دخل بها الثاني فهو أحق بها وإن لم يدخل بها فهي للأول ( المسألة الخامسة )

الرجل يسلم على عشر نسوة فاختار منهن أربعا فوجدهن ذوات محارم فإنه يرجع ويختار من البواقي ما لم يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن فمن دخل بها فات الأمر فيها بالدخول ومن لم يدخل بها كان له أخذها وقيل لا يفيتهن الدخول ( المسألة السادسة )

المرأة تطلق للغيبة ثم يقدم بحجة فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتت عليه وإن لم يدخل بها لم تفت عليه ( المسألة السابعة )

المرأة تسلم وزوجها كافر فيفرق بينهما ثم يبين تقدم إسلامه عليها فتفوت عليه إن تزوجت ودخل بها وإن لم يدخل بها لم تفت عليه وتخالف هذه القاعدة أعني قاعدة مسألة الوليين ونظائرها السبع أربع مسائل في المذهب [ ص: 131 ] أيضا

( الأولى ) المرأة ينعى لها زوجها ثم يتبين حياته وقد تزوجت فإنها لا يفيتها الدخول وقيل يفيتها الدخول

( الثانية ) المطلقة بسبب الإعسار للنفقة ثم يتبين أنها أسقطتها عنه قبل ذلك وقد تزوجت فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني

( الثالثة الرجل ) يقول عائشة طالق وله امرأة حاضرة اسمها عائشة وقال لم أردها ولي امرأة أخرى تسمى عائشة ببلد آخر وهي التي أردت فإنها تطلق عليه هذه الحاضرة لأن الأصل عدم امرأة أخرى فإن تبين صدقه وقد تزوجت ودخل بها زوجها ردت إليه ولا يفيتها الدخول

( الرابعة ) الأمة تعتق وتختار نفسها وتتزوج ويدخل بها زوجها ثم تبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها الدخول وسوى الشافعي رضي الله عنه بين القاعدتين في اعتبار العقد السابق في بابي البيع كالنكاح في جميع مسائله والعقد الذي بعده باطل حصل دخول أم لا وهو القياس فإن من شرط عقد النكاح أن تكون خالية عن زوج وهذه ذات زوج فلا يصح العقد عليها إلا أن مالكا رحمه الله تعالى اعتمد على قضاء عمر رضي الله عنه في مسألة الوليين وقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في مسألة الرجعة وأفاتوا المرأة بالدخول وهذا مدرك عنده لا عند الشافعي كما تقدم فيحتاج على مذهب مالك لأمرين

( الأمر الأول ) بيان سر الفرق المقصود بين القاعدتين بأنا أجمعنا على الأخذ بالشفعة وهو إبطال أثر العقد السابق ، وتسليط الشفيع على إبطاله لأجل الضرر الداخل على الشريك من توقع القسمة وإذا قضي بتقديم مجرد الضرر المتوقع غير الناجز بدون أن ينضم إليه عقد على العقد هنالك وجب أن يقضى هاهنا بتقديم الضرر الناجز المنضم إليه عقد على العقد السابق بطريق الأولى أما كون ضرر الشريك في الشفعة متوقعا لا ناجزا فلأنها قد تحصل وقد لا تقع ألبتة وأما كون ضرر فراق الثاني إذا دخل هنا ناجزا لا متوقعا فلأن الرجل إنما يتزوج في الغالب من مالت نفسه إليها وإذا دخل عليها مع الميل المتقدم وجدت الرؤية والمباشرة فالغالب حصول الميل وكذلك هي أيضا إنما رضيت به بعد ميل نفسها إليه فإذا باشرته مع الميل المتقدم وحصول الأرب فالغالب حصول الميل وإذا كان الظاهر حصول الميل إما من الجانبين وإما من أحدهما فلو قضينا بالفراق بعد هذا الميل الناشئ من الدخول وقضاء الأوطار لحصل الضرر الناجز لمن حصل له الميل بألم الفراق فضرر هذه المسائل الثماني واقع وضرر الشفعة متوقع والواقع أقوى من المتوقع وأما كون الضرر هنا معضودا بعقد بخلافه في الشفعة فلأن الشريك الشفيع [ ص: 132 ] يأخذ بغير عقد أضيف إليه بل بمجرد الضرر وهاهنا الزوج الثاني معه عقد يقابل به العقد الأول وبالجملة فسير مخالفة قاعدة مسألة الوليين ونظائرها السبع عند مالك رحمه الله تعالى لقاعدة الوكيلين في البيع هو تحقق القياس الجلي على الأخذ بالشفعة في القاعدة الأولى دون الثانية .

( الأمر الثاني ) بيان ما يرد على هذا الفرق من الأسئلة وما يجاب به عنها

( فالسؤال الأول ) أن وجود العقد مع الزوج الثاني هنا لا يصلح مرجحا ضرورة أن المحل غير قابل له لأن عقد الزوج الأول مانع منه فهو معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا

( وجوابه ) أنه لا نسلم ذلك لأنا لما اتفقنا على أن وجود مثل صورة هذا العقد من الإيجاب والقبول ورضى الولي والمرأة موجبة للعصمة في غير صورة النزاع وجب هنا العمل بالصورة أيضا في الترجيح وعدم الالتفات لما في صورة النزاع من كون عقد الزوج الأول مانعا من قبول المحل لهذا العقد حتى يقال إنه كعدمه

( والسؤال الثاني ) لم اعتبرتم في مسألة الوكيلين يوكلهما الرجل على أن يزوجه كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما فتبين أنها خامسة كون عقد ما قبل المدخول بها مانعا حيث قلتم لا يفيتها الدخول إجماعا ولم تعتبروا في مسألة الوليين ونظائرها السبع كون عقد الأول مانعا حيث قلتم يفيتها دخول الثاني فما الفرق بينهما

( وجوابه ) أنه يفرق بينهما من عشرة أوجه

( أحدها ) أن المانع هنا عقد واحد وفي الخامسة عقد الرابع مع ما تقدمه من العقود

( الثاني ) أن الغالب على الأولياء الكثرة فيؤدي القول ببطلان العقد الثاني بعد الدخول في صورتهما إلى كثرة الفساد وعلى الوكلاء الندرة فلا يؤدي إلى كثرة الفساد القول بفساد الخامسة الناشئ عن الاطلاع والكشف النادر

( الثالث ) أن التعارض في الوليين وقع بين الزوجين اللذين هما صاحبا وسيلة ضرورة أن الزوج الذي هو صاحب الصداق كالمشتري الذي هو صاحب الثمن والأثمان وسائل وفي الوكيلين وقع بين الزوجتين الرابعة والخامسة اللتين كالبائع في كون كل منهما صاحبة سلعة والسلع مقاصد ورتبة الوسائل أخفض من رتبة المقاصد فلم يكن في إبطال عقد الزوج الأول إلا إبطال ما رافق الأوضاع الشرعية بخلاف عقد الرابعة فقد اجتمع في إبطاله ما هو مقصد وما هو موافق للأوضاع الشرعية فلذا امتنع إبطاله لقوته ولم يمتنع إبطال عقد الزوج الأول لضعفه

( الرابع ) أن العادة شاهدة بولوع الرجال بالنساء وشغفهم بهن أكثر منهن بهم ألا ترى أن الرجال هم الباذلون والخاطبون إلى غير ذلك من الدلائل [ ص: 133 ] على فرط الميل ولم يوجد ذلك في النساء لضعف طبعهن وغلبة الحياء عليهن وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } حيث إنه قدم الجملة الأولى على الثانية تنبيها على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها لأنه هو البادئ بطلب ذلك وكنى باللباس لشدة المخالطة كما في الجمل على الجلالين فيكون ضرر التفريق بالزوج الثاني الذي حصل له الشغف بالدخول في مسألة الوليين أصعب منه بالخامسة إذ لا يتوقع فيها إلا داعية ضعيفة

( الخامس ) أن مخالفة القاعدة في الوليين أقل من مخالفتها في الوكيلين إذ القاعدة أن السؤال عن الواقع من الوكلاء في التزويج قوي وعن الواقع من أولياء المرأة ضعيف

( السادس ) أن المرأة محكوم عليها ولا خيرة لها لا تتهم والرجل من حيث إنه المختار للدخول يتهم أن يكون عدل عن الرابعة إلى الخامسة مع علمه بها

( السابع ) أن دخول الثاني في مسألة الوليين وإن شارك دخول الزوج بالخامسة في مخالفة قاعدة منع العقد السابق إلا أن الدخول بالخامسة مع ذلك خالف القاعدة المعتبرة من أن الله تعالى جعل ثلاثا ومستثنيات فتجوز الهجرة ثلاثا والإحداد ثلاثا ، وأيام الخيار ثلاث والضرات ثلاث ثم يلزم فعظمت أسباب الإبطال في الخامسة دون مسألة الوليين

( الثامن ) أن شأن أولياء المرأة السؤال عن حال الزوج فتضعف الشبهة في الخامسة بكشف أوليائها وليس شأن أولياء الرجل السؤال عن حال المرأة فتقوى الشبهة في ذات الوليين ونحوها

( التاسع ) أن عقد الوكالة ضعيف كالنذر مع الواجب المتأصل لأمرين أحدهما أنه جاء من الطرفين وثانيهما أن المكلف ينشئه بخلاف الأولياء

( العاشر ) أن في الخامسة مفسدة أنها على ضرات أربع لها اندفعت بالفسخ والفائت على ذوات الوليين صحبة الزوج الأول ودرء المفاسد أولى من تحصيل المصالح

( والسؤال الثالث ) أن قياس مسألة الوليين ونظائرها على مسألة الشفعة للشريك لا يصح لتباين الأحكام ضرورة أن الشريك في صورة الشفعة مخير والزوج الثاني هاهنا ليس مخيرا بل أنتم قد عينتم المرأة له جزما فقد زادت صورة الفرع المقيس على صورة الأصل المقيس عليه بوصف اللزوم

( وجوابه ) أن للأصل المقيس عليه جهتين

( إحداهما ) جهة التخيير وهي خاصة بالأصل المذكور لكون السلع والعقار قابلة للتخير والخيار فلذا ثبت للشفيع الخيار من غير لزوم وتمتنع في الفرع الذي هو صورة النزاع لامتناع الخيار في النكاح لئلا تكون المخدرات بذلة بالخيار فلذلك [ ص: 134 ] حصل اللزوم والتعيين للزوج الثاني ولم تلاحظ في القياس هذه الجهة

( الجهة الثانية ) جهة تقديم المضرة على العقد السابق وصورة النزاع التي هي الفرع مساوية لصورة الشفعة التي هي الأصل في هذه الجهة التي وقع القياس باعتبارها

( والسؤال الرابع ) أن ضرر الشفيع إنما أبطل العقدة في الشفعة المقتضي إباحة الأموال التي رتبتها أخفض من رتبة الإبضاع فلا يلزم أن يكون ضرر الزوج الثاني مبطلا للعقد في صورة النزاع المقتضي إباحة الإبضاع التي هي أعلى رتبة فبطل القياس بهذا الفرق

( وجوابه ) أنكم إذا سلمتم أن الإبضاع أعلى رتبة من الأموال يكون الضرر بفوات مقاصدها أعظم من ضرر الشريك فيكون أولى بالمراعاة فكيف لا يلزم أن يكون مبطلا للعقد في صورة النزاع حتى يسلم بطلان القياس بهذا الفرق

( السؤال الخامس ) لم رجحتم ضرر الزوج الثاني في مسألة النزاع على ضرر الزوج الأول في مسألة الرجعية والمفقود وغيرهما مع أن الزوج الثاني كما حصل له تعلق بالدخول في مسألة الوليين كذا الزوج الأول قد حصل له أيضا تعلق في مسألة الرجعة والمفقود وغيرهما لا سيما وصحبة الأول أطول وأكثر ومعاهد قضاء الأوطار بينهما قال الشاعر :

ما الحب إلا للحبيب الأول



( وجوابه ) أنا رجحنا ضرر الثاني لكونه أولى بالمراعاة من ضر الأول لأن الأول أعرض بالطلاق وتوحش العصمة إما بالطلاق وإما الفراق من غير طلاق وإما بحصول السآمة من طول المباشرة وقد جرت العادة أن طول صحبة المرأة توجب قلة وقعها في النفس وأن جدتها توجب شدة وقعها في النفس وبهذا يظهر سر الفرق بين قاعدة الأنكحة في هذا الباب وبين قاعدة الوكالات في السلع والإجارات

( والسؤال السادس ) لم اعتبر ثم هذه القاعدة في مسألة الوليين ونظائرها السبع ولم تعتبروها في الأربع المسائل حيث قلتم فيها إن الزوجة لا يفيتها دخول الثاني وهذا نقض لما ذكر من الفرق موجب لعدم اعتباره وإلغائه ما لم يتبين الفرق بين الثمان المسائل التي اعتبرت فيها القاعدة والأربع المسائل التي لم تعتبر فيها

( وجوابه ) أن أبعد الثمانية عن الفوات بالدخول مسألة ذات الوليين إذ ليس فيها حكم حاكم ولا ظاهر يقتضي بطلان العقد الأول بخلاف ما فيها حكم حاكم من مسألة المفقود ومسألة المرأة تطلق بسبب طول الغيبة ومسألة تسلم ثم يتبين تقدم إسلام زوجها فإن حكم الحاكم ينزل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة وذلك أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال إن الحاكم إذا حكم بالطلاق بشهادة زور نفذ الطلاق في الظاهر والباطن وكذلك إذا حكم بالنكاح [ ص: 135 ] والزوجية بشهود زور ثبت النكاح في الظاهر والباطن وجاز لأحد تلك الشهود الزور أن يتزوج تلك المرأة التي شهد بطلاقها مع علمه بكذب نفسه وأبيحت الزوجة في المسألة الأخرى في نفس الأمر فجعل حكمه في هذه المسائل وإن لم يصادف عقدا ولا طلاقا بمنزلة الطلاق والنكاح ولهذا المدرك عمم نفوذ الأحكام بشهادة الزور في كل ما يمكن للحاكم أن يستقل به في صور مجمع عليها من الفسوخ والعقود دون ما لا يدخله حكم الحاكم فتستقل به الذمة من الديون ونحوها ونحن وإن لم نقل بهذا المدرك بل قلنا لا ينفد هذا الحكم لا أنه لا أقل من أن نبقيه فارقا من حيث الجملة بين ما فيه حكم حاكم وبين ما ليس فيه حكم حاكم فيكون ما فيه أقرب إلى الفوات بالدخول مما ليس فيه من حيث الجملة .

وبخلاف ما فيها ظاهر ينكشف خلافه من مسألة المرأة الحرة تعلم بالطلاق دون الرجعة فإن ظاهر الطلاق يبيح العقد ومن مسألة الأمة يطلقها زوجها كما تقدم فإن ظاهر الطلاق يبيح وطئا سيدها ومن مسألة امرأة المرتد فإن ظاهر الكفر يبيح العقد ومن مسألة الرجل يسلم على كثير نسوة فإن ظاهر حالهن يقتضين الاختيار وتزوجهن بناء على ظاهر الاختيار فيهن فالمرأة وكذلك وليها في هذه المسائل الأربع معذورة مأذون لها في الإقدام على العقد الثاني بسبب الظاهر فيكون ما فيه ظاهر أقرب إلى الفوات بالدخول مما ليس فيه وحيث كانت مسألة ذات الوليين أبعد المسائل الثمان التي اعتبرت فيها القاعدة عن الفوات بالدخول فلنعينها لبيان الفرق بينها وبين المسائل الأربع التي لم تعتبر فيها القاعدة ليحصل الفرق بين باقي الثمانية وبين الأربعة بطريق الأولى فنقول : أما الفرق بين المرأة ينعى لها زوجها وبين مسألة الوليين فهو أن الموت شأنه الشهرة والظهور وليس اشتهار عقد الولي الأول على المرأة في الوجود كاشتهار الموت ولا تتوفر الدواعي على الإخبار به كتوفرها على الإخبار بموت إنسان والتفجع عليه كما تشهد العوائد بذلك ولا شك أن الخطأ فيما الشأن فيه الشهرة والظهور التام نادر فيضعف العذر فلا يفوت بالدخول . وأما الفرق بين مسألة التطليق بالإعسار وبين مسألة الوليين فهو أن المرأة في الأولى ظالمة قاصدة الفساد فناسب أن تعاقب بنقيض مقصودها في إبطال تصرفها بالزواج لأنها تعلم أنها أسقطت النفقة وأنها مبطلة في جميع تصرفها ودعواها بخلاف المرأة في مسألة الوليين إذ لم يكن عندها علم بالعقد الأول .

وأما الفرق بين مسألة من يقول عائشة طالق وبين مسألة الوليين فهو من جهتين الأولى أن الحكم في الأولى يبنى على استصحاب أن الأصل عدم زواجه لامرأة أخرى واستصحاب الأصل أضعف من [ ص: 136 ] استصحاب عدم عقد الولي على موليته فإن العقود لأوليائها غالبا وعقود الرجال على النساء لا تشتهر عند الحاكم ، والحاكم وإن اعتمد في الطلاق بسبب الغيبة على الأصل العدمي وهو أن الأصل عدم إيصال حقوقها إليها إلا أن الغيبة هناك صورة ظاهرة شاهدة على الزوج بدعوى المرأة وليس هنا صورة ظاهرة تشهد بعدم زواج امرأة أخرى تسمى عائشة . الجهة الثانية أن الولي العاقد للعقد الثاني مأذون له في العقد إجماعا وليس له معارض من حيث الظاهر فكان عقده بالنفوذ أولى بخلاف المرأة هاهنا فإنها لما تزوجت مع قول الزوج لي امرأة أخرى تسمى عائشة وهو قول ظاهره الصدق من حيث إنه مسلم عاقل وقد أخبر عن أمر ممكن لا يعلم إلا من قبله فينبغي أن يصدق فيه كما تصدق المرأة في حيضها وطهرها وسقطها وانقضاء عدتها لأنها أمور لا تعلم إلا من قبلها ، كان قول الزوج ما ذكر معارضا لتصرف المرأة وتصرف وليها في العقد . وأما الفرق بين الأمة تعتق فتختار نفسها وبين مسألة الوليين فهو أن زوج الأمة متهافت عليها متعلق بها غاية التعلق بسبب أنها نزعت عصمتها منه قهرا والنفوس مجبولة على حب ما منعت منه فناسب ذلك الرد إليه ولم يحصل في مسألة الوليين للزوج المعقود أولا هذا التعلق بسبب أنه لم ير المرأة ولم يباشرها فكانت أولى بالفوات عليه فهذا هو الفرق الدافع للنقوض الأربعة المذكورة .

وبه يصح المدرك ويتبين ما قاله مالك من الفرق بين قاعدة الوكيلين في عقود البياعات والإجارات وغيرها من كون المعتبر هو الأول فقط التحق بالثاني تسليم أو لا وقاعدة الوكيلين في الأنكحة من كون المعتبر عقد الثاني إن حصل دخول وإلا فعقد الأول لا سيما وقد أفتى جمع كثير من الصحابة بذلك فلا بد لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها ولعلهم لاحظوا ما ذكر من هذه المباحث فإن بملاحظتهما يقرب الفرق المذكور بين القاعدتين من القواعد ويظهر وجه الصواب فيه فإن الله قد يسر في هذه المباحث من الحجة ما لم أره قط لأحد حتى آل الفرق بها على هذه الحالة من القرب والظهور بعد أن كان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد ا هـ كلام الأصل بتنقيح وزيادة وتعقبه ابن الشاط بوجهين

( الوجه الأول ) أن ما ذكره في سر الفرق بين تلك القاعدتين ليس بصحيح بل يحتاج إلى تأمل ونظر

( الوجه الثاني ) أن ما يشعر به قوله : إن الشافعي يسوي بين القاعدتين من أن مالكا لا يسوي بينهما ليس بشيء بل مالك رحمه الله تعالى يسوي بينهما أيضا إذ كما أن السلعة في البيع إذا هلكت كان هلاكها فوتا ونفوذا للعقد الثاني عنده كذلك المرأة في النكاح في المسائل [ ص: 137 ] الثماني التي ذكر الفرق فيها إذا دخل الثاني بها كان دخوله بها فوتا ونفوذا للعقد الثاني نعم يحتاج إلى الفرق بين هذه المسائل الثماني

والمسائل الأربع التي ذكر عدم الفوت فيها فلذا كان ما قاله من أن القياس قول الشافعي صحيحا ا هـ . بتوضيح والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث