الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن

( الفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن )

وهو أن القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها فوسيلة المحرم محرمة ووسيلة الواجب واجبة [ ص: 112 ]

وكذلك بقية الأحكام غير أنها أخفض رتبة منها ووسيلة أقبح المحرمات أقبح الوسائل ووسيلة أفضل الواجبات أفضل الوسائل وقد تقدمت هذه القاعدة مبسوطة ومضارة المرأة تجمعها مع امرأة أخرى في عصمة وسيلة للشحناء في العادة ومقتضى ذلك التحريم مطلقا وقد جعل ذلك في شريعة عيسى عليه السلام كما هو منقول عندهم فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة تقديما لمصلحة النساء على مصلحة الرجال بنفي المضارة والشحناء .

ويقال إن ذلك شرع عكسه في التوراة لموسى عليه السلام يجوز للرجل زواج عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في الشحناء والمضارة ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين مصلحتي الفريقين فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء إربه ويخرج به عن حيز الحجر ويضاف لذلك التسري بما شاء وروعيت أيضا مصالح النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث وسر الاقتصار في المضارة على ثلاث أن الثلاثة اغتفرت في مواطن كثيرة فتجوز الهجرة ثلاثة أيام والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام والخيار ثلاثة أيام فهذه الصور كلها الثلاث مستثناة على خلاف الأصول فكذلك لما كانت الشحناء والمضارة على خلاف الأصل استثنى ثلاث زوجات يضار بهن زوجة أخرى هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات وحافظ الشرع على القرابات القريبة وصونها عن التفرق والشحناء فلا يجمع بين المرأة وابنتها ولا أمها لأنها أعظم القرابات حفظا لبر الأمهات والبنات ويلي ذلك الجمع بين الأختين ويلي ذلك الجمع بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم وبرها آكد من بر الأب يليه المرأة وعمتها لأنها من جهة الأب ثم خالة أمها ثم خالة أبيها ثم عمة أمها ثم عمة أبيها فهذا من باب تحريم الوسائل لا من باب تحريم المقاصد ولما كانت الأم أشد برا بابنتها من الابنة بأمها لم يكن العقد عليها كافيا في بعضها لابنتها إذا عقد عليها لضعف ميلها للزوج بمجرد العقد وعدم مخالطته فاشترط في التحريم إضافة الدخول [ ص: 113 ] إلى العقد وكان العقد كافيا في بغض البنت لضعف ودها فتحرم بالعقد لئلا تعق أمها فهذا تلخيص أمر الزوجات .

وأما الإماء فلما كن في الغالب للخدمة والهوان لا للوطء والاصطفاء بعدت مناسبتهن في شيء ليس هو وصفهن ووقوعه نادر فيهن والمهانة من جهة ذل الرق تمنع من الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ بخلاف الزواج مبني على العز والاصطفاء والإعزاز والتخصيص بالوطء والخدمة إنما تقع فيه تبعا عكس باب الإماء الخدمة أصل والوطء إنما يقع فيه تبعا فلذلك لم يقع العدد محصورا في جواز وطء الإماء لعدم المنافسة والشحناء التي هي موجودة في باب الزواج وإن وجدت كانت ضعيفة عن وجودها في باب الزواج فهذا هو تلخيص الفرق بين الفرقين وبيان السر في ذلك ( فائدة ) قال ابن مسعود يشترط في تحريم الأم الدخول كما اشترط في تحريم البنت لقوله تعالى { وأمهات نسائكم } ثم قال { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } فقوله { اللاتي دخلتم بهن } صفة تعقبت الجملتين فتعمهما كالاستثناء والشرط إذا تعقبا الجمل عما والعجب أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الاستثناء والصفة إذا تعقبا جملا عمها وخالف أصله ههنا ولم يقل به ههنا فقد خالف أصله . وجوابه أنا نمنع العود ههنا على الجملتين وإن سلمنا أنه يعود في غير هذه الصورة بسبب أن النساء في الجملة الأولى مخفوض بالإضافة والنساء في الجملة الثانية مخفوض بحرف الجر الذي هو من والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف على الأصح فلو كان صفة للجملتين لعمل في الصفة الواحدة عاملان وهو الإضافة وحرف الجر واجتماع عاملين على معمول واحد ممتنع على الأصح كما تقرر في علم النحو فهذا هو المانع للشافعي من إجراء صلة فإن قلت نعت المجرورين أو المنصوبين أو المرفوعين مع اختلاف العامل مسألة خلاف بين البصريين والكوفيين .

ولو اجتمع بصري وكوفي في هذه المسألة يتناظران لم يمكن أن يحتج أحدهما على الآخر بمذهبه لأن مذهب أحد الخصمين لا يكون حجة على الآخر وهذا في بصري وكوفي فكيف يحتج بمذهب البصريين أو بأحد المذهبين على عبد الله بن مسعود وهو قوله حجة على غيره من جهة أنه عربي من أهل اللسان فإن قصد بهذا الكلام قيام الحجة على عبد الله بن مسعود لا يستقيم وإن قصد به الاعتذار عن مذهب من المذاهب [ ص: 114 ] فلا بد من إثبات أن ذلك الإمام كان يعتقد هذا المذهب في النحو حتى يقال أصله يمنعه من ذلك وإذا لم يثبت أن مذهبه في النحو كذلك بطل أيضا الاعتذار به عن صاحب ذلك المذهب .

ومن أين لنا أن مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما كان في النحو لا يجتمع عاملان على معمول واحد وأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف فلعل مذهبهما أن النعت يرتفع بطريق التبعية للموصوف كما قاله جماعة من النحاة لا بالعامل في المنعوت وإنما يصح الكلام على هذه التقادير وهي متعذرة قلت كلام صحيح متجه فإن قلت أعيد النعت على الجملة الأولى وهو قوله { وأمهات نسائكم } فيكون الدخول شرطا في تحريم الأم بهذه الآية ويكون الدخول شرطا في الجملة الثانية بالإجماع فإنا لا نعلم خلافا في شرطية الدخول في تحريم البنت فيثبت الحكمان في الجملتين بالإجماع والآية ويكون هذا أولى لئلا يترادف الإجماع والآية على الجملة الأولى والأصل عدم الترادف ومهما أمكن تكثير فوائد كلام صاحب الشرع وجعل مدلول لكل دليل فهو أولى من الترادف والتأكيد وقد تقرر في أصول الفقه أنه إذا ثبت حكم المجاز بالإجماع وورد لفظ في ذلك الحكم حمل حقيقته ولا يجعل ذلك اللفظ مستند الإجماع لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ولا يلزمنا أن نعين للإجماع مستندا بل هو مستقل بنفسه ولا يلزمنا طلب دليل للإجماع وإن كان لا بد له من مستند في نفس الأمر كذلك ههنا لا يلزمنا طلب مستند الإجماع في اشتراط الدخول في تحريم البنت ويحمل اللفظ على فائدة زائدة تكثيرا لفوائد صاحب الشرع وقد مثلوا ذلك بقوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } والنكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد وقد أجمع الناس على أن العقد يحرم على الابن فنحمل نحن الآية على الوطء فعلى هذا إذا وطئها حلالا أو حراما حرمت على الابن وتحرم بالعقد أيضا .

ويكون هذا أولى لأن الأصل في الكلام الحقيقة والأصل أيضا عدم الترادف على مدلول واحد فكذلك ههنا قلت أما هذا السؤال فالجواب عنه أنا في آية الربائب نحمل اللفظ على الجملة الأخيرة طلبا لمستند الإجماع بل لأن القرب يوجب الرجحان فإن اللفظ صالح للأولى والثانية ورجحت الثانية بالقرب وبهذا يظهر الفرق بين هذا السؤال وبين القاعدة المذكورة في أصول الفقه المتقدم ذكرها فإن في تلك المسألة جاء الإجماع في المجاز المرجوح على [ ص: 115 ] خلاف ظاهر اللفظ فعدلنا باللفظ إلى ظاهره لأجل معارضة الظاهر الذي هو الحقيقة موضع الإجماع وأما ههنا فموضع الظاهر الذي هو القرب موضع الإجماع فلا موجب للعدول باللفظ عن موضع الإجماع بل الموجب يصرف إلى موضع الإجماع فافترقا . واعلم أن هذا الجواب إنما يستقيم على مذهب أبي حنيفة الذي يرى ترجيح القريب في الجمل وهي الجملة الأخيرة فيخصها بالاستثناء والصفة وأما على رأي مالك والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم الذين يرون تعميم الاستثناء والصفة في جملة الجمل ولا يرجحون بالقرب فلا يتأتى هذا الجواب بل مقتضى مذهبهم الحمل على الجملتين الأولى والأخيرة حتى يثبت أنهم لا يرون الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب وأن العامل في النعت هو العامل في المنعوت فإذا ثبت هذا عنهم صح الجواب أيضا على قاعدتهم فإنهم حينئذ يتعين عليهم الحمل على إحدى الجملتين لا عليهما ولا سبيل إلى الحمل على الجملة الأولى فإنها هي البعيدة .

وكل من قال بالعود على جملة واحدة لم يقل هي البعيدة بل انفراد البعيدة بالحمل على خلاف الإجماع لأن القائل قائلان قائل بالتعميم في الجمل وقائل بالجملة القريبة وحدها أما الحمل على الجملة البعيدة وحدها فلم يقل به أحد فهذا تلخيص هذا الموضوع وتحريك البحث فيه بحسب ما فتح الله تعالى به من فضله .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال

( الفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن إلى آخر الفرق )

قلت كل ما قاله في ذلك صحيح غير قوله : إن القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في الأحكام فإنه ليس ذلك فيها على الإطلاق أعني الوسائل العادية أما الوسائل الشرعية فذلك فيها على الإطلاق وغير قوله إن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد فإنه إما أن يريد أنها أخفض رتبة من حيث هي وسائل وتلك مقاصد فهذا كلام ليس معنا إلا أن هذه وسائل وتلك مقاصد فلا فائدة [ ص: 112 ] فيه وإما أن يريد أن الوسائل المحرمة مثلا أخفض رتبة من مقاصدها فيما ترجع إلى العقاب عليها فذلك دعوى لم يأت عليها بحجة .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن )

وذلك أن باب الزواج لما كان مبنيا على العز والاصطفاء وكان الأصل فيه التخصيص بالوطء ولا تقع الخدمة فيه إلا تبعا بعكس باب الإماء فإن الخدمة والهوان فيه أصل ولا يقع الوطء فيه إلا تبعا كانت الشحناء والمضارة التي هي موجودة في باب الزواج على خلاف الأصل فيه من الإعزاز والاصطفاء ليست كذلك في باب الإماء لأنها وإن وجدت فيه أيضا إلا أنها لما لم تكن على خلاف الأصل فيه بل على الأصل فيه من الهوان والخدمة كانت ضعيفة عن وجودها في باب الزواج فلما بعدت مناسبة الإماء فيما ليس هو وصفهن بل وقوعه نادر فيهن من الوطء والاصطفاء كانت المهانة الغالبة فيهن من جهة ذل الرق تمنع من الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ ولما بعدت مناسبة الزوجات فيما ليس هو وصفهن بل وقوعه نادر فيهن من المهانة والخدمة كان الوطء والاصطفاء الغالب فيهن من جهة عز الزواج يقتضي الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ وكان التحريم مطلقا لجمع امرأة مع أخرى في عصمة هو مقتضي أن مضارة المرأة بذلك الجمع وسيلة للشحناء في العادة وقد جعل ذلك في شريعة عيسى عليه السلام كما هو منقول عندهم فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة .

وإن كانت مصلحة الرجل في الاستمتاع بتعدد الزوجات تقديما لمصلحة النساء في نفي المضارة والشحناء على مصلحة الرجال في الاستمتاع ويقال إنه قد شرع عكس ذلك في التوراة لموسى عليه السلام وأنه يجوز للرجل زواج عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في نفي الشحناء والمضارة ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين مصلحتي الفريقين إذ كما أنه روعي فيها مصلحة الرجال فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء إربه ويخرج به عن حيز الحجر ويضاف لذلك التسري بما شاء كذلك روعي فيها مصالح النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث وسر الاقتصار في جواز المضارة والشحناء على ثلاث هو أن المضارة والشحناء لما كانت على خلاف أصل والثلاثة على خلاف الأصول قد استثنيت في صور منها جواز الهجر ثلاثة أيام والإحداد [ ص: 138 ] على غير الزوج ثلاثة أيام والخيار ثلاثة أيام كما مر استثني كذلك ثلاث زوجات يضار بهن زوجة أخرى هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات .

أما القرابات القريبة فقد حافظ الشرع على زيادة صونها عن التفرق والشحناء فمنع الجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأمها حفظا لبر الأمهات والبنات لأن قرابتهما أعظم القرابات وبين الأختين لأن قرابتهما تلي ذلك في القرب ثم بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم التي برها آكد من بر الأب ثم بين المرأة وعمتها لأنها من جهة الأب ثم بين المرأة وخالة أمها ثم بينها وخالة أبيها ثم بينها وعمة أمها ثم بينها وعمة أبيها ولكن لما كانت الأم أشد برا ببنتها من البنت بأمها لم يجعل الشرع العقد على الأم كافيا في بغضها لبنتها إذا عقد عليها لضعف ميل الأم للزوج بمجرد العقد وعدم مخالطته بل اشترط في التحريم إضافة الدخول إلى العقد وجعل العقد على البنت كافيا في بغضها لأمها فحرم الأم على من عقد على البنت ولو لم يدخل بها لئلا تعق أمها نعم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يشترط في تحريم الأم الدخول على البنت كما اشترط في تحريم البنت الدخول على الأم بقوله تعالى { وأمهات نسائكم } ثم قال { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } فقوله تعالى { اللاتي دخلتم بهن } صفة تعقبت الجملتين فتعمهما كما أن الاستثناء والشرط إذا تعقبا الجمل عما .

ولا يرد هذا على أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه يرى ترجيح القريب في الجمل وهي الجملة الأخيرة فيخصها بالاستثناء والصفة لا سيما والقريب هاهنا هو موضع الإجماع فلا موجب للعدول باللفظ عن موضع الإجماع بل الموجب وهو القرب يصرف إلى موضع الإجماع فإن اللفظ صالح للأولى والثانية ورجحت الثانية التي هي موضع الإجماع بالقرب فلم يكن حمل اللفظ هاهنا على الجملة الأخيرة طلبا لمستند الإجماع فلا يرد أنه لا يلزمنا هاهنا طلب مستند الإجماع في اشتراط الدخول في تحريم البنت إذ لا يلزمنا طلب دليل للإجماع وإن كان لا بد له من مستند في نفس الأمر ضرورة أن الإجماع مستقل بنفسه وإنما الأوفق أن تحمل على فائدة زائدة بأن يجعل { اللاتي دخلتم بهن } نعتا عائدا للجملة الأولى وهو قوله تعالى { وأمهات نسائكم } دالا على اشتراط الدخول في تحريم الأم كما أن الدخول شرط في الجملة الثانية بالإجماع إذ لا نعلم خلافا في شرطية الدخول في تحريم البنت فيثبت الحكمان في الجملتين بالإجماع [ ص: 139 ] والآية وذلك أنه مهما أمكن تكثير فوائد كلام صاحب الشرع وجعل مدلول لكل دليل فهو أولى من الترادف والتأكيد ولا يرد أيضا أنه قد تقرر في أصول الفقه إذا ثبت حكم المجاز بالإجماع .

وورد لفظ في ذلك الحكم حمل على حقيقته ولا يجعل ذلك اللفظ مستند الإجماع لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته مثلا قوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } حملوا النكاح فيه على حقيقته التي هي الوطء ولم يجعلوه مستند الإجماع على أن العقد يحرم على الابن نظرا لكون الأصل ما ذكر من الحمل على الحقيقة ومن عدم الترادف فعلى هذا إذا وطئها الأب وطئا حلالا أو حراما ما حرمت على الابن وتحرم بالعقد أيضا وذلك أن الإجماع فيما تقرر في أصول الفقه جاء في المجاز المرجوح على خلاف ظاهر اللفظ فعدلنا باللفظ إلى ظاهره الذي هو الحقيقة لأجل معارضة موضع الإجماع والإجماع هاهنا جاء في موضع الظاهر الذي هو القرب فلا موجب للعدول عنه فافهم وإنما يرد قول ابن مسعود رضي الله عنه فقوله تعالى { اللاتي دخلتم بهن } صفة تعقبت الجملتين إلخ على مالك والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم الذين يرون تعميم الاستثناء والصفة في الجمل ولا يرجحون جملة بالقرب فإن مقتضى مذهبهم الحمل على الجملتين الأولى والأخيرة .

ولا يتأتى الجواب عنهم حتى يثبت أنهم لا يرون الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب وأن العامل في النعت هو العامل المنعوت كما هو عند البصريين من النحاة خلافا لمن يرى منهم الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب ولمن يرى أن العامل في النعت التبعية للموصوف فإذا ثبت هذا عنهم صح الجواب أيضا على قاعدتهم فإنهم حينئذ يتعين عليهم الحمل على إحدى الجملتين لا عليهما ولا سبيل إلى الحمل على الجملة الأولى فإنها هي البعيدة وكل من قال بالعود على جملة واحدة لم يقل هي البعيدة بل انفراد البعيدة بالحمل على خلاف الإجماع لأن القائل قائلان قائل بالتعميم في الجمل وقائل بالجملة القريبة وحدها ولم يقل أحد بالحمل على الجملة البعيدة وحدها ولكن تقدير ثبوت ذلك عنهم متعذر إذ من أين لنا أن مذهب مالك والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم كان في النحو لا يجتمع عاملان على معمول واحد وأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف فلعل مذهبهما أن عامل النعت هو التبعية للموصوف كما قاله جماعة من النحاة لا عامل المنعوت هذا خلاصة ما صححه العلامة ابن الشاط من كلام الأصل وفي كتاب أحكام القرآن للإمام أبي بكر بن العربي اختلف الناس في [ ص: 140 ] قوله تعالى { وأمهات نسائكم } في الصدر الأول فروي عن علي وجابر وابن الزبير وزيد بن ثابت ومجاهد أن العقد على البنت لا يحرم الأم حتى يدخل بها كما أن العقد على الأم لا يحرم البنت حتى يدخل بها وقال سائر العلماء والصحابة إن العقد على البنت يحرم الأم ولا تحرم البنت حتى يدخل بالأم واختلف النحاة في الوصف في قوله { اللاتي دخلتم بهن } فقيل يرجع إلى الربائب والأمهات وهو اختيار أهل الكوفة وقيل يرجع إلى الربائب خاصة .

وهو اختيار أهل البصرة وجعلوا رجوع الوصف إلى الموصوفين المختلفي العامل ممنوعا كالعطف على عاملين وجوز ذلك كله أهل الكوفة ورأوا أن عامل الإضافة غير عامل الخفض بحرف الجر وقد مهدنا القول في ذلك في كتاب : ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين وقد رد القاضي أبو إسحاق الرواية عن زيد بن ثابت والذي استقر أنه مذهب علي خاصة كما استقر اليوم في الأمصار والأقطار أن الربائب والأمهات في هذا الحكم مختلفات وأن الشرط إنما هو في الربائب وهذه المسألة من غوامض العلم وأخذها من طريق النحو يضعف فإن الصحابة العرب القرشيين الذين نزل القرآن بلغتهم أعرف من غيرهم بمقطع المقصود منهم وقد اختلفوا فيه وخصوصا على مقداره في العلمين ولو لم يسمع ذلك في اللغة العربية لكان فصاحتها بالأعجمية فينبغي أن يحاول ذلك بغير هذا القصد والمأخذ فيه يرجع إلى خمسة أوجه

( الوجه الأول ) أنه يحتمل أن يرجع الوصف إلى الربائب خاصة ويحتمل أن يرجع إليهما جميعا فيرد إلى أقرب مذكور تغليبا للتحريم على التحليل في باب الفروج وهكذا هو مقطوع السلف فيها عند تعارض الأدلة بالتحليل والتحريم عليها

( الوجه الثاني ) روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا يحل له نكاح أمها وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها فإن لم يدخل بها فلينكحها } . وهذا إن صح حجة ظاهرة لكن رواية المثني بن الصباح تضعف

( الوجه الثالث ) أن قوله من نسائكم لفظة عربية لأنه جمع لا واحد له من لفظه بل واحده امرأة ولما كان قولك امرؤ وامرأة كقولك آدمي وآدمية كان قوله امرأتك كقوله آدميتك في احتمال أن يكون معناه التي تشبهك أو تجاورك أو تملكها أو تملكك أو تحل لها أو تحل لك والإضافة على معنى الشبه والجواز محال فلم نجد وجها إلا باب التحليل والتحريم الذي نحن فيه ويشهد له [ ص: 141 ] سياق الآية فهو المقصود بالبيان فإذا حلت له أو ملكها فقد تحققت الإضافة المقصودة فوجب في الأمهات ثبوت الحكم على الإطلاق وكذلك في البنات لولا التقييد بشرط الدخول ولم تحمل الأمهات على البنات في التقييد بذلك تغليبا لمعارضة من التحريم كما هو القاعدة في الفروج فلذا لما تعارض في الأختين من ملك اليمين التحليل والتحريم غلب علي كرم الله وجهه التحريم

( الوجه الرابع ) أنه قد قيل إن المراد بالدخول هاهنا النكاح فعلى هذا الربائب والأمهات سواء لكن الإجماع غلب على الربائب باشتراط الوطء في أمهاتهن لتحريمهن

( الوجه الخامس ) أن كل واحد من الموصوفين قد انقطع عن صاحبه بوصفه فإنه قال { وأمهات نسائكم } ثم قال بعده { وربائبكم اللاتي في حجوركم } فالوصف الذي يتلوه يتبعه ولا يرجع إلى الأول لبعده منه وانقطاعه عنه . ا هـ بتصرف

( فائدة مهمة ) قال الشيخ تاج الدين السبكي في كتابه توشيح الترشيح حكاية عن والده الإمام تقي الدين السبكي أن السر في إباحة نكاح أكثر من أربع نسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها وما يتحسى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله ويسمعن من أقواله التي قد يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال فيكمل نقل الشريعة وكثر عدد النساء لتكثير الناقلين لهذا النوع ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة ونحوها قال ولم يكن ذلك منه لشهوة منه صلى الله عليه وسلم في النكاح ولا كان يحب الوطء للذة البشر معاذ الله بل إنما حبب إليه النساء لتظهر عنه ما يستحي هو من الإمعان في التلفظ به فأحبهن لما فيهن من الإعانة على نقل الشريعة في هذه الأبواب وأيضا فقد نقلن ما لم يكن ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته ومن جده واجتهاده في العبادة ومن أمور يشهد كل ذي لب أنها لا تكون إلا لنبي وما كان يشاهده غيرهن فحصل بذلك خير عظيم أفاده العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث