الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التحيز على الله محال لوجهين

الأول : أنه إما أن يكون منتقلا عن حيزه أو لا يكون منتقلا عنه، فإن كان منتقلا عنه فيكون متحركا، وإن لم يكن منتقلا عنه فيكون ساكنا، والحركة والسكون حادثان على ما يأتي، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث .

الوجه الثاني : أن اختصاصه بحيزه: إما أن يكون لذاته، أو لمخصص من خارج، فإن كان الأول فليس هو أولى من تخصيص غيره من الجواهر به، ضرورة المساواة في المعنى، ، وإن كان لغيره وجب أن يكون الرب مفتقرا إلى غيره في وجوده، فلا يكون واجب [ ص: 155 ] الوجود ، وإن كان غير متحيز لزم في كل جوهر أن يكون غير متحيز ، ضرورة المساواة في المعنى ، وهو محال . وكيف وأنه لا معنى للجوهر غير المتحيز بذاته، فما لا يكون كذلك لا يكون جوهرا" .

قلت : ولقائل أن يقول : لا نسلم أنه إذا كان قابلا للإشارة كان متحيزا . وقوله : لا معنى للمتحيز إلا هذا : إن أراد به أن المفهوم من كونه مشارا إليه هو المفهوم من كونه متحيزا كان قوله فاسدا بالضرورة . وإن أراد أن ما صدق عليه هذا صدق عليه هذا .

قيل له : من الناس من ينازعك في هذا ويقول : إنه سبحانه فوق العالم ويشار إليه ، وليس بمتحيز .

فإن قال : هذا فساده معلوم بالضرورة .

قيل له : ليس هذا بأبعد من قولك : إنه موجود قائم بنفسه ، متصف بالصفات، مرئي بالأبصار ، وهو مع هذا لا يشار إليه ، وليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا مداخل له .

فإن قلت : إحالة هذا من حكم الوهم .

قيل لك : وإحالة موجود قائم بنفسه يشار إليه ولا يكون متحيزا من حكم الوهم . بل تصديق العقول بموجود يشار إليه ولا يكون متحيزا [ ص: 156 ] أعظم من تصديقها بموجود قائم بنفسه، متصف بالصفات، لا يشار إليه ، وليس بداخل العالم ولا خارجه .

ثم يقال ثانيا : لم قلتم : أنه يمتنع أن يكون متحيزا؟ قولك : إما أن يكون متحركا أو ساكنا. يقال لك : فلم لا يجوز أن لا يكون قابلا للحركة والسكون ، وثبوت أحدهما فرع قبوله له؟

فإن قلت : كل متحيز فهو قابل لهما .

قيل لك : علمنا بهذا كعلمنا بأن كل موجود قائم بنفسه موصوف بالصفات إما مباين لغيره ، وإما محايث له ، فإن جوزت موجودا قائما بنفسه ، لا مباين ولا محايث ، فجوز وجود موجود متحيز ليس بمتحرك ولا ساكن .

فإن قلت : المتحيز إما أن يكون منتقلا عن حيزه أو لا يكون منتقلا عنه . والأول هو الحركة ، والثاني هو السكون .

قيل لك : ليس كل متحيز أمرا وجوديا، فإن العالم متحيز وليس له حيز وجودي . ومن قال : إن الباري وحده فوق العالم أو سلم لك إنه متحيز، لم يقل إنه في حيز وجودي . وحينئذ فالحيز أمر عدمي ، فقولك: إما أن يكون منتقلا عنه أو لا، كقولك : إما أن يكون منتقلا بنفسه أو لا ، وهو معنى قولك : إما أن يكون متحركا أو ساكنا ، وهذا إثبات الشيء بنفسه . [ ص: 157 ]

فإن قلت : هذا بين مستقر في الفطرة والعلم به بديهي .

قيل لك : ليس هذا بأبين من قول القائل : إما أن يكون صانع العالم حيث العالم ، وإما أن لا يكون حيث العالم ، والأول هو المحايثة والدخول فيه ، والثاني هو المباينة والخروج عنه .

فإن قلت : يمكن أن لا يكون داخلا فيه ، ولا خارجا عنه .

قيل لك : ويمكن أن لا يكون المتحيز منتقلا ولا يكون ساكنا ، كما تقوله أنت فيما تقول إنه قائم بنفسه لا منتقل ولا ساكن ، فإن قلت : أنا أعقل هذا فيما ليس بمتحيز، ولا أعقله في المتحيز .

قيل : وكيف عقلت أولا ثبوت ما ليس بمتحيز بهذا التفسير؟ والمنازع يقول : أنا لا أعقل إلا ما هو داخل أو خارج .

فإذا قلت أنت : هذا فرع ثبوت قبول ذلك، وقابل ذلك هو المتحيز، فما لا يكون كذلك لا يكون قابلا للمباينة والمحايثة ، والدخول والخروج .

قال لك : نحن لا نعقل موجودا إلا هذا .

فإن قلت : بل هذا ممكن في العقل وثابت أيضا .

قال لك : وكذلك متحيز لا يقبل الحركة والسكون هو أيضا ممكن في العقل وثابت . [ ص: 158 ]

فإن قلت : الفطرة تدفع هذا .

قيل لك : وهي لدفع ذاك أعظم .

فإن قلت : ذاك حكم الوهم .

قيل : وهذا حكم الوهم .

فإن قلت : العقل أثبت موجودا ليس بمتحيز .

قيل لك : إنما أثبت ذاك بمثل هذه الأدلة التي تتكلم على مقدماتها . فإن أثبت مقدمات النتيجة بالنتيجة ، كنت مصادرا على المطلوب . فأنت لا يمكنك إثبات موجود ليس بمتحيز إلا بمثل هذا الدليل ، وهذا الدليل لا يثبت إلا ببيان إمكان وجود موجود ليس بمتحيز، فلا يجوز أن تجعله مقدمة حجة في إثبات نفسه .

ويقول له الخصم : ثالثا: هب أنك تقول : لا بد له إذا كان متحيزا من الحركة والسكون، فنحن نقول : إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون، فإنه إما أن يكون منتقلا أو لا يكون منتقلا. فإن كان منتقلا فهو متحرك وإلا فهو ساكن .

فإن قلت : ثبوت الانتقال وسلبه فرع قبوله . [ ص: 159 ]

قيل لك : هذا التقسيم معلوم بالضرورة في كل قائم بنفسه ، كما ذكرت أنه معلوم بالضرورة في كل ما سميته متحيزا ، وحيزه عدم محض ، فإنه إذا لم يكن إلا الانتقال وعدم الانتقال، فالانتقال هو الحركة، وعدمه هو السكون .

وإذا قلت : هذان متقابلان تقابل العدم والملكة، فلا بد من ثبوت القبول .

كان الجواب من وجوه :

أحدها : أن يقال لك مثل هذا فيما سميته متحيزا .

الثاني : أن يقال : هذا اصطلاح اصطلحته ، وإلا فكل ما ليس بمتحرك -وهو قائم بنفسه- فهو ساكن، كما أن كل ما ليس بحي فهو ميت .

الثالث: أن يقال : هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا اعتبرنا الموجودات، فما يقبل الحركة أكمل مما لا يقبلها، فإذا كان عدم الحركة عما من شأنه أن يقبلها صفة نقص، فكونه لا يقبل الحركة أعظم نقصا، كما ذكرنا مثل ذلك في الصفات . [ ص: 160 ]

ونقول: رابعا: الحركة الاختيارية للشيء كمال له ، كالحياة ونحوها ، فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها، والأخرى لا تتحرك أصلا، كانت الأولى أكمل .

ويقول الخصم : رابعا: قوله : لم لا يجوز أن يكون متحركا؟ قولك : الحركة حادثة .

قلت : حادثة النوع أو الشخص؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلم . وقولك: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، إن أريد به ما لا يخلو عن نوعها فممنوع ، والثاني لا يضر، وأنت لم تذكر حجة على حدوث نوع الحركة إلا حجة واحدة ، وهو قولك: الحادث لا يكون أزليا ، وهي ضعيفة كما عرف .

إذ لفظ الحادث يراد به النوع ، ويراد به الشخص . فاللفظ مجمل ، كما أن قول القائل : الفاني لا يكون باقيا لفظ مجمل ، فإن أراد به أن القائم بنفسه لا يكون باقيا فهو حق، وإن أراد به أن ما كان فاني الأعيان لا يكون نوعه باقيا فهو باطل، فإن نعيم الجنة دائم باق، مع أن كل أكل وشرب ونكاح وغير ذلك من الحركات تفنى شيئا بعد شيء، وإن كان نوعه لا يفنى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث