الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
حرف الميم .

71 - ما

تكون على اثني عشر وجها : ستة منها أسماء ، وستة حروف .

فالاسمية ضربان : معرفة ونكرة ؛ لأنه إذا حسن موضعها " الذي " فهي معرفة ، أو شيء فهي نكرة ، وإن حسنا معا جاز الأمران كقوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك ( النساء : 48 ) و هذا ما لدي عتيد ( ق : 23 ) .

والنكرة ضربان : ضرب تلزم الصفة ، وضرب لا تلزمه ، فالذي لا تلزمه الاستفهامية والشرطية والتعجب ، وما عداها تكون منه نكرة ، فلا بد لها من صفة تلزمها .

فالأول من الستة : الأسماء الخبرية وهي الموصولة ، ويستوي فيها التذكير والتأنيث ، والإفراد والتثنية والجمع ، كقوله تعالى : ما عندكم ينفد وما عند الله باق ( النحل : 96 ) وقوله : بما أنزل إليك ( البقرة : 4 ) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ( النحل : 49 ) .

فإن كان المراد بها المذكر كانت للتذكير ، بمعنى الذي ، وإن كان المراد بها المؤنث كانت للتأنيث بمعنى التي .

وقال السهيلي : كذا يقول النحويون إنها بمعنى الذي وإن كان المراد بها المؤنث كانت للتأنيث بمعنى التي مطلقا ، وليس كذلك بل بينهما تخالف في المعنى وبعض الأحكام .

أما المعنى فلأن " ما " اسم مبهم في غاية الإبهام ، حتى إنه يقع على المعدوم ، نحو : إن الله عالم بما كان وبما لم يكن .

[ ص: 342 ] وأما في الأحكام فإنها لا تكون نعتا لما قبلها ، ولا منعوتة لأن صلتها تغنيها عن النعت ولا تثنى ولا تجمع . انتهى .

ثم لفظها مفرد ومعناها الجمع ، ويجوز مراعاتها في الضمير .

ونحوه من مراعاة المعنى : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ( يونس : 18 ) ثم قال : هؤلاء شفعاؤنا ( يونس : 18 ) لما أراد الجمع . وكذلك قوله تعالى : ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون ( النحل : 73 ) .

ومن مراعاة اللفظ : قل بئسما يأمركم به إيمانكم ( البقرة : 93 ) .

وأصلها أن تكون لغير العاقل كقوله تعالى : ما عندكم ينفد ( النحل : 96 ) .

وقد تقع على من يعقل عند اختلاطه بما لا يعقل تغليبا ، كقوله تعالى : أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ( الأعراف : 185 ) . فإنه عبارة عن مطلق الموجودات ، وقوله : سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ( الحشر : 1 ) ، وقوله : إنكم وما تعبدون من دون الله ( الأنبياء : 98 ) ، الآية بدليل نزول الآية بعدها مخصصة : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ( الأنبياء : 101 ) .

قالوا : وقد تأتي لأنواع من يعقل ، كقوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( النساء : 3 ) أي الأبكار إن شئتم أو الثيبات .

ولا تكون لأشخاص من يعقل على الصحيح ، لأنها اسم مبهم يقع على جميع الأجناس ، فلا يصح وقوعها إلا على جنس .

ومنهم من جوزه محتجا بقوله تعالى : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ( ص : 75 ) والمراد آدم . وقوله : والسماء وما بناها ( الشمس : 5 ) . وقوله : ولا أنتم عابدون ما أعبد ( الكافرون : 3 ) أي الله .

[ ص: 343 ] فأما الأولى فقيل إنها مصدرية . وقال السهيلي : بل إنها وردت في معرض التوبيخ على امتناعه من السجود ، ولم يستحق هذا من حيث كان السجود لما يعقل ، ولكن لعلة أخرى ، وهي المعصية والتكبر على ما لم يخلقه ، فكأنه يقول : لم عصيتني وتكبرت على ما خلقته وشرفته ، فلو قال : ما منعك أن تسجد لمن ؟ كان استفهاما مجردا من توبيخ ، ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل ، أو لعلة موجودة فيه أو لذاته ، وليس كذلك .

وأما آية السماء ، فلأن القسم تعظيم للمقسم به من حيث ما في خلقها من العظمة والآيات ، فثبت لهذا القسم بالتعظيم كائنا ما كان . وفيه إيحاء إلى قدرته تعالى على إيجاد هذا الأمر العظيم ، بخلاف قوله : " من " لأنه كان يكون للمعنى مقصورا على ذاته دون أفعاله . ومن هذا يظهر غلط من جعلها بتأويل المصدر .

وأما ( ما أعبد ) فهي على بابها ، لأنها واقعة على معبوده عليه السلام على الإطلاق ، لأن الكفار كانوا يظنون أنهم يعبدون الله وهم جاهلون به ، فكأنه قال : أنتم لا تعبدون معبودي .

ووجه آخر ، وهو أنهم كانوا يحسدونه ويقصدون مخالفته كائنا من كان معبوده ، فلا يصح في اللفظ إلا لفظة " ما " لإبهامها ومطابقتها لغرض أو لازدواج الكلام ، لأن معبودهم لا يعقل ، وكرر الفعل على بنية المستقبل حيث أخبر عن نفسه ، إيماء إلى عصمة الله تعالى له عن الزيغ والتبديل ، وكرره بلفظ حين أخبر عنهم بأنهم يعبدون أهواءهم ، ويتبعون شهواتهم بفرض أن يعبدوا اليوم ما لا يعبدونه غدا .

وهاهنا ضابط حسن للفرق بين الخبرية والاستفهامية ، وهو أن " ما " إذا جاءت قبل " ليس " أو " لم " أو " لا " ، أو بعد " إلا " فإنها تكون خبرية كقوله : ما ليس لي بحق ( المائدة : 116 ) ما لم يعلم ( العلق : 5 ) ما لا تعلمون ( البقرة : 69 ) إلا ما علمتنا ( البقرة : 32 ) ، وشبهه .

[ ص: 344 ] وكذلك إذا جاءت بعد حرف الجر نحو : ربما وعما وفيما ونظائرها ، إلا بعد كاف التشبيه . وربما كانت مصدرا بعد الباء ، نحو : بما كانوا يظلمون ( الأعراف : 162 ) بما كانوا يكذبون ( البقرة : 10 ) بما تعملون ( الفتح : 11 ) .

وإن وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر ، جاز فيها الخبر والاستفهام ، كقوله تعالى : وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( البقرة : 33 ) . والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ( النحل : 13 ) وإنك لتعلم ما نريد ( هود : 79 ) هل علمتم ما فعلتم ( يوسف : 89 ) . وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ( الأحقاف : 9 ) . ولتنظر نفس ما قدمت ( الحشر : 18 ) .

الثاني : الشرطية ، ولها صدر الكلام ، ويعمل فيها ما بعدها من الفعل ، نحو : ما تصنع أصنع ، وفي التنزيل : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ( البقرة : 106 ) . وما تفعلوا من خير يعلمه الله ( البقرة : 197 ) . وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ( البقرة : 215 ) . وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ( البقرة : 110 ) . ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ( فاطر : 2 ) .

فـ " ما " في هذه المواضع في موضع نصب بوقوع الفعل عليها .

الثالث : الاستفهامية بمعنى أي شيء ، ولها صدر الكلام كالشرطية ويسأل بها عن أعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته ، عن أجناس العقلاء وأنواعهم وصفاتهم ، قال تعالى : ما هي ( البقرة : 70 ) و ما لونها ( البقرة : 69 ) ، وما تلك بيمينك ياموسى ( طه : 17 ) .

قال الخليل في قوله تعالى : إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ( العنكبوت : 42 ) " ما " استفهام ، أي : أي شيء تدعون من دون الله ؟ .

[ ص: 345 ] ومثال مجيئها لصفات من يعلم قوله تعالى : وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ( الفرقان : 60 ) ونظيرها - لكن في الموصولة - فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( النساء : 3 ) .

وجوز بعض النحويين أن يسأل بها عن أعيان من يعقل أيضا ، حكاه الراغب ، فإن كان مأخذه قوله تعالى عن فرعون : وما رب العالمين ( الشعراء : 23 ) فإنما هو سؤال عن الصفة ، لأن الرب هو المالك والملك صفة ، ولهذا أجابه موسى عليه السلام بالصفات . ويحتمل أن " ما " سؤال عن ماهية الشيء ، ولا يمكن ذلك في حق الله تعالى ، فأجابه موسى تنبيها على صواب السؤال .

ثم فيه مسألتان : إحداهما في إعرابها وهو بحسب الاسم المستفهم عنه ، فإن كانت هي المستفهم عنها كانت في موضع رفع بالابتداء نحو قوله تعالى : ما لونها ( البقرة : 69 ) و ما هي ( البقرة : 70 ) ما أصابك من حسنة فمن الله ( النساء : 79 ) .

وإن كان ما بعدها هو المسئول عنه كانت في موضع الخبر كقوله : وما الرحمن ( الفرقان : 60 ) وقوله : ما القارعة ما الحاقة .

الثانية : في حذف ألفها ، ويكثر في حالة الخفض ، قصدوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف كما أسقطوا الصلة ، ولم يحذفوا في حال النصب والرفع ، كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد ، فإذا اتصل بها حرف الجر أو مضاف اعتمدت عليه ، لأن الخافض والمخفوض بمنزلة الكلمة الواحدة ، كقوله تعالى : فيم أنت من ذكراها ( النازعات : 43 ) [ ص: 346 ] لم تحرم ما أحل الله لك ( التحريم : 1 ) فبم تبشروني ( الحجر : 54 ) عم يتساءلون ( النبأ : 1 ) .

وقال بعض النحويين : إما أن يستفهم بها مبنيا أو لا ، فالأول لا يحذف إلا مع الخافض كقوله : فبم تبشرون ( الحجر : 54 ) ونظائره ، والثاني يحذف مع غير الخافض فإذا قال : رأيت شيئا حسنا قلت ما رأيت أو رأيت منه . انتهى .

وأما قوله : ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي ( يس : 26 - 27 ) فقال المفسرون : معناه بأي شيء غفر لي ربي فجعلوا " ما " استفهاما . وقال الكسائي : معناه بمغفرة ربي ، فجعلها مصدرية .

قال الهروي : إثبات الألف في " ما " بمعنى الاستفهام مع اتصالها بحرف الجر لغة ، وأما قوله : فبما أغويتني لأقعدن لهم ( الأعراف : 16 ) فقيل : إنها للاستفهام أي بأي شيء أغويتني ؟ ثم ابتدأ لأقعدن لهم وقيل مصدرية والباء متعلقة بفعل القسم المحذوف ، أي فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن ، أي بسبب إغوائك أقسم .

ويجوز أن تكون الباء للقسم ، أي فأقسم بإغوائك لأقعدن ، وإنما أقسم بالإغواء لأنه كان مكلفا ، والتكليف من أفعال الله لكونه تعريفا لسعادة الأبد ، وكان جديرا أن يقسم به . فإن قيل : تعلقها بـ " لأقعدن " قيل : يصد عنه لام القسم ، ألا ترى أنك لا تقول : والله لا بزيد لأمرن .

والرابع : التعجبية كقوله تعالى : فما أصبرهم على النار ( البقرة : 175 ) . قتل الإنسان ما أكفره ( عبس : 17 ) . ولا ثالث لهما في القرآن إلا في قراءة سعيد بن جبير : ما أغرك بربك الكريم ( الانفطار : 6 ) .

[ ص: 347 ] وتكون في موضع رفع بالابتداء ، و " ما " خبر ، وهو قريب مما قبله ، لأن الاستفهام والتعجب بينهما تلازم ، لأنك إذا تعجبت من شيء فبالحري أن تسأل عنه .

والخامس : نكرة بمعنى شيء ، ويلزمها النعت كقولك : رأيت ما معجبا لك وفي التنزيل : ما بعوضة فما فوقها ( البقرة : 26 ) إن الله نعما يعظكم به ( النساء : 58 ) أي نعم شيئا يعظكم به .

والسادس : نكرة بغير صفة ولا صلة ، كالتعجب وموضعها نصب على التمييز ، كقوله : إن تبدوا الصدقات فنعما هي ( البقرة : 271 ) أي فنعم شيئا هي ، كما تقول : نعم رجلا زيد ، أي نعم الرجل رجلا زيد ثم قام " ما " مقام الشيء .

فائدة : قال بعضهم : وقد تجيء ما مضمرة كقوله تعالى : وإذا رأيت ثم رأيت ( الإنسان : 20 ) أي ما ثم . وقوله : هذا فراق بيني وبينك ( الكهف : 78 ) أي ما بيني . لقد تقطع بينكم ( الأنعام : 94 ) أي ما بينكم .

التالي السابق


الخدمات العلمية