الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد

أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون .

جملة مستأنفة من جملة القول المأمور بأن يقوله لهم . [ ص: 169 ] فهي استئناف بعد جملة أي شيء أكبر شهادة . خص هذا بالذكر لأن نفي الشريك لله في الإلهية هو أصل الدعوة الإسلامية فبعد أن قررهم أن شهادة الله أكبر شهادة وأشهد الله على نفسه فيما بلغ ، وعليهم فيما أعرضوا وكابروا ; استأنف استفهاما على طريقة الإنكار استقصاء في الإعذار لهم فقال : أتشهدون أنتم على ما أصررتم عليه أن مع الله آلهة أخرى كما شهدت أنا على ما دعوتكم إليه ، والمقرر عليه هنا أمر ينكرونه بدلالة المقام .

وإنما جعل الاستفهام المستعمل في الإنكار عن الخبر الموكد بـ ( إن ) ولام الابتداء ليفيد أن شهادتهم هذه مما لا يكاد يصدق السامعون أنهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء ، فيحتاج المخبر عنهم بها إلى تأكيد خبره بمؤكدين فيقول : إنهم ليشهدون أن مع الله آلهة أخرى ، فهنالك يحتاج مخاطبهم بالإنكار إلى إدخال أداة الاستفهام الإنكاري على الجملة التي من شأنها أن يحكى بها خبرهم ، فيفيد مثل هذا التركيب إنكارين : أحدهما صريح بأداة الإنكار ، والآخر كنائي بلازم تأكيد الإخبار لغرابة هذا الزعم بحيث يشك السامع في صدوره منهم .

ومعنى لتشهدون لتدعون دعوى تحققونها تحقيقا يشبه الشهادة على أمر محقق الوقوع ، فإطلاق تشهدون مشاكلة لقوله : قل الله شهيد بيني وبينكم .

والآلهة جمع إله ، وأجري عليه الوصف بالتأنيث تنبيها على أنها لا تعقل فإن جمع غير العاقل يكون وصفه كوصف الواحدة المؤنثة .

وقوله قل لا أشهد جواب للاستفهام الذي في قوله أئنكم لتشهدون لأنه بتقدير : قل أإنكم ، ووقعت المبادرة بالجواب بتبريء المتكلم من أن يشهد بذلك ، لأن جواب المخاطبين عن هذا السؤال معلوم من حالهم أنهم مقرون به فأعرض عنهم بعد سؤالهم كأنه يقول : دعنا من شهادتكم وخذوا شهادتي فإني لا أشهد بذلك .

ونظير هذا قوله تعالى : فإن شهدوا فلا تشهد معهم .

[ ص: 170 ] وجملة قل إنما هو إله واحد بيان لجملة لا أشهد فلذلك فصلت لأنها بمنزلة عطف البيان ، لأن معنى لا أشهد بأن معه آلهة هو معنى أنه إله واحد ، وأعيد فعل القول لتأكيد التبليغ .

وكلمة ( إنما ) أفادت الحصر ، أي هو المخصوص بالوحدانية . ثم بالغ في إثبات ذلك بالتبريء من ضده بقوله وإنني بريء مما تشركون . وفيه قطع للمجادلة معهم على طريقة المتاركة .

و ( ما ) في قوله مما تشركون يجوز كونها مصدرية ، أي من إشراككم . ويجوز كونها موصولة ، وهو الأظهر ، أي من أصنامكم التي تشركون بها ، وفيه حذف العائد المجرور لأن حرف الجر المحذوف مع العائد متعين تقديره بلا لبس ، وذلك هو ضابط جواز حذف العائد المجرور ، كقوله تعالى : أنسجد لما تأمرنا أي بتعظيمه ، وقوله تعالى : فاصدع بما تؤمر أي بالجهر به . وظاهر كلام التسهيل أن هذا ممنوع ، وهو غفلة من مؤلفه اغتر بها بعض شراح كتبه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث