الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك

ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك

الواو متعينة للحالية إذ لا موقع للعطف هنا ، وإن كان ما بعد الواو من مقولهم ومحكيا عنهم لكن الواو من المحكي وليست من الحكاية لأن قولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ) يحتمل معنيين ؛ أحدهما أن يكون الغرض منه تفويض الأمر إلى الله تعالى واتهام علمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسد منه رأيا وأرجح عقلا فيشير ثم يفوض كما قال أهل مشورة بلقيس إذ قالت أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد أي الرأي أن نحاربه ونصده عما يريد من قوله وأتوني مسلمين والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين وكما يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحثه معه ثم يصرح بأنه مبلغ علمه ، وأن القول الفصل للأستاذ ، أو هو إعلان بالتنزيه للخالق عن أن يخفى عليه ما بدا لهم من مانع استخلاف آدم ، وبراءة من شائبة الاعتراض ، والله تعالى وإن كان يعلم براءتهم من ذلك إلا أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من غير قصد إعلام الغير ، أو لأن في نفس هذا التصريح تبركا وعبادة ، أو إعلان لأهل الملأ الأعلى بذلك .

فإذا كان كذلك كان العطف غير جائر لأن الجملة المحكية بالقول إذا عطفت عليها جملة أخرى من القول فالشأن أن لا يقصد العطف على تقدير عامل القول إلا إذا كان القولان في وقتين كما في قوله تعالى وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل على أحد الوجوه في عطف جملة ( نعم الوكيل ) عند من لا يرون صحة عطف الإنشاء على الخبر وإن كان الحق صحة عطف الإنشاء على الخبر وعكسه وأنه لا ينافي حسن الكلام ، فلذلك لم يكن حظ للعطف ، ألا ترى أنهم إذا حكوا حادثا ملما أو مصابا جما أعقبوه بنحو : حسبنا الله ونعم الوكيل ، أو : إنا لله وإنا إليه راجعون أو نحو ذلك ، ولا يعطفون مثل ذلك فكانت الواو واو الحال للإشارة [ ص: 405 ] إلى أن هذا أمر مستحضر لهم في حال قولهم أتجعل فيها من يفسد وليس شيئا خطر لهم بعد أن توغلوا في الاستبعاد والاستغراب .

الاحتمال الثاني أن يكون الغرض من قولهم ونحن نسبح بحمدك التعريض بأنهم أولى بالاستخلاف لأن الجملة الإسمية دلت على الدوام ، وجملة من يفسد فيها دلت على توقع الفساد والسفك فكان المراد أن استخلافه يقع منه صلاح وفساد ، والذين لا يصدر منهم عصيان مراد الله هم أولى بالاستخلاف ممن يتوقع منه الفساد فتكون حالا مقررة لمدلول جملة ( أتجعل فيها من يفسد ) تكملة للاستغراب ، وعاملها هو ( تجعل ) وهذا الذي أشار إليه تمثيل الكشاف .

والعامل في الحال هو الاستفهام لأنه مما تضمن معنى الفعل لاسيما إذا كان المقصود منه التعجب أيضا إذ تقدير ( أتجعل فيها ) إلخ نتعجب من جعله خليفة .

والتسبيح قول أو مجموع قول مع عمل يدل على تعظيم الله تعالى وتنزيهه ولذلك سمي ذكر الله تسبيحا ، والصلاة سبحة ويطلق التسبيح على قول سبحان الله لأن ذلك القول من التنزيه ، وقد ذكروا أن التسبيح مشتق من السبح وهو الذهاب السريع في الماء إذ قد توسع في معناه إذ أطلق مجازا على مر النجوم في السماء قال تعالى وكل في فلك يسبحون وعلى جري الفرس ، قالوا : فلعل التسبيح لوحظ فيه معنى سرعة المرور في عبادة الله تعالى ، وأظهر منه أن يكون سبح بمعنى نسب للسبح أي البعد وأريد البعد الاعتباري وهو الرفعة أي التنزيه عن أحوال النقائص ، وقيل : سمع سبح مخففا غير مضاعف بمعنى نزه ، ذكره في القاموس .

وعندي أن كون التسبيح مأخوذا من السبح على وجه المجاز بعيد ، والوجه أنه مأخوذ من كلمة سبحان ، ولهذا التزموا في هذا أن يكون بوزن " فعل " المضاعف فلم يسمع مخففا .

وإذا كان التسبيح كما قلنا هو قول أو قول وعمل يدل على التعظيم ، فتعلق قوله ( بحمدك ) به هنا وفي أكثر المواضع في القرآن ظاهر لأن القول يشتمل على حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه فالباء للملابسة أي نسبح تسبيحا مصحوبا بالحمد لك ، وبذلك تنمحي جميع التكلفات التي فسروا بها هنا .

والتقديس التنزيه والتطهير ، وهو إما بالفعل كما أطلق المقدس على الراهب في قول امرئ القيس يصف تعلق الكلاب بالثور الوحشي :

[ ص: 406 ]

فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس

وإما بالاعتقاد كما في الحديث ( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها ) أي لا نزهها الله تعالى وطهرها من الأرجاس الشيطانية .

وفعل قدس يتعدى بنفسه ، فالإتيان باللام مع مفعوله في الآية لإفادة تأكيد حصول الفعل نحو شكرت لك ونصحت لك ، وفي الحديث عند ذكر الذي وجد كلبا يلهث من العطش فأخذ خفه فأدلاه في الركية فسقاه فشكر الله له أي شكره - مبالغة في الشكر - لئلا يتوهم ضعف ذلك الشكر من أنه عن عمل حسنة مع دابة فدفع هذا الإيهام بالتأكيد باللام ، وهذا من أفصح الكلام ، فلا تذهب مع الذين جعلوا قوله ( لك ) متعلقا بمحذوف تقديره حامدين ، أو هو متعلق بـ ( نسبح ) واللام بمعنى لأجلك على معنى حذف مفعول ( نسبح ) أي نسبح أنفسنا أي ننزهها عن النقائص لأجلك أي لطاعتك ، فذلك عدول عن فصيح الكلام ، ولك أن تجعل اللام لام التبيين التي سنتعرض لها عند قوله تعالى واشكروا لي ولا تكفرون فمعنى ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك نحن نعظمك وننزهك ، والأول بالقول والعمل والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية ، فلا يتوهم التكرار بين نسبح ونقدس .

وأوثرت الجملة الإسمية في قوله ونحن نسبح لإفادة الدلالة على الدوام والثبات أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم ، وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي دون حرف النفي يحتمل أن يكون للتخصيص بحاصل ما دلت عليه الجملة الإسمية من الدوام أي نحن الدائمون على التسبيح والتقديس دون هذا المخلوق ، والأظهر أن التقديم لمجرد التقوى نحو : هو يعطي الجزيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث