الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

32 [ ص: 32 ] 23 - باب: ظلم دون ظلم

32 - حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة ح. قال: وحدثني بشر قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82] قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13]. [3360، 3428، 3429، 4629، 4776، 6918، 6937 - مسلم: 124 - فتح: 1 \ 87]

التالي السابق


ثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة وحدثني بشر ثنا غندر، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله إن الشرك لظلم عظيم .

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي: أحاديث الأنبياء عن أبي الوليد كما ترى، وفي: التفسير عن بندار عن ابن أبي عدي عن شعبة، وفي أحاديث الأنبياء أيضا: عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، وعن إسحاق عن عيسى بن يونس، وفي التفسير أيضا، واستتابة المرتدين عن قتيبة عن جرير.

[ ص: 33 ] ورواه مسلم هنا عن أبي بكر عن ابن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، وعن إسحاق، وابن خشرم عن عيسى، وعن منجاب عن علي بن مسهر، وعن أبي كريب عن ابن إدريس كلهم عن الأعمش عن إبراهيم به.

وقال فيه البخاري في بعض طرقه: لما نزلت الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] " ولفظ مسلم قريب من هذا، فإن فيه: قالوا: أينا لم يظلم نفسه. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنهيا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ".

ثانيها:

مناسبة الحديث للتبويب أن الإيمان تمامه بالعمل، وأن المعاصي تنقصه، ولا تخرجه إلى الكفر.

ثالثها: في التعريف برواته غير ما سلف وهو شعبة.

أما عبد الله بن مسعود فهو:

(أبو مسعود) عبد الله بن مسعود بن غافل -بالغين المعجمة والفاء- بن حبيب بن شمخ بن مخزوم، ويقال: شمخ بن فار -بالفاء- [ ص: 34 ] ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي الكوفي السيد الجليل، أسلم بمكة قديما، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان كثير الدخول عليه.

روي له ثمانمائة حديث، وثمانية وأربعون حديثا. اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين.

روى عنه جماعة من الصحابة منهم: أنس وخلق من التابعين، ومناقبه جمة، وكذا جلالته وكثرة فقهه، استوطن الكوفة، ومات بها سنة اثنين وثلاثين، وقيل: ثلاث. وقال جماعة: مات بالمدينة، ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة، وترجمته موضحة في "رجال العمدة" تأليفي.

فائدة:

عبد الله بن مسعود في الصحابة ثلاثة، أحدهم هذا، وثانيهم أبو عمرو الثقفي أخو أبي (عبيد)، استشهد يوم الجسر كأخيه، وثالثهم غفاري. وقيل: أبو مسعود له حديث، وفيهم رابع، اختلف في اسمه فقيل: ابن مسعدة، وقيل: ابن مسعود، فزاري.

[ ص: 35 ] وأما علقمة فهو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان -بفتح السين المهملة- بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع، النخعي، الكوفي عم الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس خالي إبراهيم النخعي.

سمع خلقا من كبار الصحابة منهم: عمر وعثمان وعلي، وعنه خلق من كبار التابعين منهم: الشعبي والنخعي. وجلالته وإمامته وثقته مجمع عليها، وهو أكبر أصحاب ابن مسعود، وكان يشبه به هديا ودلا. مات سنة اثنين وستين، وقيل سنة اثنين وسبعين، روى له الجماعة إلا مالكا، قاله في "الكمال" ولم يستثنه المزي .

وأما إبراهيم فهو إمام أهل الكوفة، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن [ ص: 36 ] النخع، النخعي، الكوفي، التابعي، المجمع على إمامته وجلالته وصلاحه. دخل على عائشة ولم يثبت له منها سماع، وهو ابن أخت الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس، أمه: مليكة بنت يزيد بن قيس.

سمع علقمة وخاليه، وخلائق من كبار التابعين، وعنه جماعات من التابعين منهم: السبيعي والأعمش والحكم وآخرون. قال الشعبي: ما ترك أحدا أعلم منه أو أفقه منه ولا الحسن ولا ابن سيرين، وقال الأعمش : كان صيرفي الحديث، وقال أحمد بن عبد الله: كان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمنهما، وكان رجلا صالحا ثقة. مات سنة خمس أو ست وتسعين، عن تسع وأربعين، مختفيا من الحجاج، وقيل: عن ست وأربعين، وقيل: عن تسع، وقيل: ثمان وخمسين.

وأما سليمان الراوي عن إبراهيم فهو: الإمام الجليل، أبو محمد

سليمان بن مهران، الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي، الأعمش مولى [ ص: 37 ] بني كاهل، وكاهل هو ابن أسد بن خزيمة، رأى أنسا، قيل: وأبا بكرة.

وروى عن (ابن) أبي أوفى (ولم يثبت له سماع من واحد منهما).

سمع خلقا من كبار التابعين، وعنه خلق منهم فمن بعدهم، وهو: ثقة جليل إمام بالإجماع وورعه كذلك.

قال يحيى القطان: كان من النساك، وعلامة الإسلام.

وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن ولا القرن الذي قبلنا مثله، وما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش (مع) فقره وحاجته، وقال وكيع : مكث الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى يعني: في صلاة الجماعة، وعن زهير: كان حليما في غضبه، وعن شعبة: أنه كان إذا ذكر الأعمش قال: المصحف [ ص: 38 ] المصحف في صدقه.

يقال إن أصله من طبرستان من قرية يقال لها: دباوند ناحية منها، جاء به أبوه حميلا إلى الكوفة فاشتراه له رجل من بني أسد فأعتقه. وقال الترمذي في "جامعه" في باب: الاستتار عند الحاجة، عن الأعمش أنه قال: كان أبي حميلا فورثه مسروق. فالحميل على هذا أبوه، والحميل: الذي يحمل من بلده صغيرا، ولم يولد في الإسلام.

وظهر للأعمش أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب، وكان فصيحا لم يلحن قط، وكان أبوه من سبي الديلم يقال: إنه شهد قتل الحسين، وإن الأعمش ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال البخاري : ولد سنة ستين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.

فائدة:

نسب الأعمش إلى التدليس، وقد عنعن في هذا الحديث عن إبراهيم، وذكر الخطيب عن بعض الحفاظ أنه يدلس عن غير ثقة، بخلاف سفيان، لكن قد أسلفنا أن حديثه في "الصحيح" محمول على السماع.

[ ص: 39 ] وأما غندر فهو: أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلي، مولاهم البصري، صاحب الكراديس، اشتهر بغندر، سمع ابن جريج وخلقا من الكبار، منهم: شعبة، وجالسه نحو عشرين سنة، وكان شعبة زوج أمه، وعنه خلق من الحفاظ والأعلام منهم: الإمام أحمد، وابن معين، وقال: كان منذ خمسين سنة يصوم يوما، ويفطر يوما، وأراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر عليه، وكان من أصح الناس كتابا.

وقال ابن وهب: غندر في شعبة أثبت مني. وقال أبو حاتم: صدوق وهو في شعبة ثقة. وغندر لقبه به ابن جريج لما قدم البصرة، وحدث بحديث عن الحسن فجعل محمد يكثر التشغيب عليه فقال: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا، وزعم أبو جعفر النحاس في كتاب "الاشتقاق" أنه من الغدر، وأن نونه زائدة والمشهور في داله الفتح، وحكى الجوهري ضمها. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة قاله أبو داود، وقيل: سنة أربع، وقال ابن سعد : سنة أربع ومائتين.

فائدة:

جماعة من يلقب بغندر عشرة، أوضحتهم في كتاب "المقنع" تأليفي في علوم الحديث.

وأما أبو الوليد فسلف.

[ ص: 40 ] وأما بشر بن خالد فهو أبو محمد العسكري الفرائضي، روى عن جماعة من الحفاظ، وعنه الأئمة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين.

فائدة: هذا الإسناد اجتمع فيه رواية ثلاثة من التابعين من أهل الكوفة بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة، أئمة فضلاء.

الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده:

الأولى: معنى ولم يلبسوا [الأنعام: 82] لم يخلطوا. يقال: لبست الأمر مخففا، ألبسه بالفتح في الماضي، وكسره في المستقبل إذا خلطته، وفي لبس الثوب بضده.

الثانية: هل الظلم في الآية الشرك أو سائر أنواع الظلم؟

فيه قولان حكاهما الماوردي، ونقل الأول عن أبي وابن مسعود عملا بهذا الحديث.

قال: واختلفوا على الثاني فقيل: إنها عامة، ويؤيده ما رواه عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي أن رجلا سأل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسكت حتى جاء رجل فأسلم فلم يلبث قليلا حتى استشهد. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هذا منهم: من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82] وقيل: إنها خاصة، نزلت في إبراهيم -عليه السلام-، وليس لهذه الأمة فيها شيء، قاله علي - رضي الله عنه -، وقيل: إنها فيمن هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة.

[ ص: 41 ] الثالثة: ذكر البخاري هذا الحديث هنا، وفي كتاب: التفسير هكذا، ورواه مرة وفيه: "إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان: إن الشرك لظلم عظيم " [لقمان: 13] ولفظ مسلم قريب من ذلك كما سلف.

فهاتان الروايتان تفسر إحداهما الأخرى، وإنه لما شق ذلك عليهم أنزل الله الآية فقال - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك: ليس ذلك الظن الذي وقع لكم كما تظنون، إنما المراد بالظلم كما قال لقمان لابنه.

قال الخطابي: إنما شق عليهم; لأن ظاهر الظلم: الافتيات بحقوق الناس، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد به هنا معناه الظاهر فشق عليهم، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومن جعل العبادة لغير الله تعالى وأثبت الربوبية فهو ظالم بل أظلم الظالمين.

الرابعة والخامسة: أن المفسر يقضي على المجمل، وأن العام يطلق ويراد به الخاص، بخلاف قول أهل الظاهر لحمل الصحابة ذلك على جميع أنواع الظلم، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه.

السادسة: إثبات العموم.

[ ص: 42 ] السابعة: عموم النكرة في سياق النفي (لفهم) الصحابة، وتقرير الشارع عليه، وبين لهم التخصيص. وأما القاضي فقال: حملوه على أظهر معانيه فإنه وإن كان يطلق على الكفر وغيره لغة وشرعا، فعرف الاستعمال فيه العدول عن الحق في غير الكفر، كما أن لفظ الكفر يطلق على معان: من جحد النعم، والستر، لكن الغالب عند مجرد الإطلاق حمله على ضد الإيمان، فلما ورد لفظ الظلم من غير قرينة حمله الصحابة على أظهر وجوهه فليس فيه دلالة على العموم.

الثامنة: تأخير البيان إلى وقت الحاجة، كذا استنبطه الماوردي والنووي وغيرهما، ونازع في ذلك القاضي عياض; لأنه ليس في هذه القضية تكليف عمل بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة المؤخرة إلى البيان، لكنهم لما أشفقوا بين لهم المراد.

التاسعة: أن المعاصي لا تكون كفرا، وهو مذهب أهل الحق، وأن (الظلم) على ضربين كما ترجم له.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث