الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر

جزء التالي صفحة
السابق

( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ) .

هاد : ألفه منقلبة عن واو ، والمضارع يهود ، ومعناه : تاب ، أو عن ياء والمضارع يهيد : إذا تحرك . والأولى الأول لقوله تعالى : ( إنا هدنا إليك ) . وسيأتي الكلام على لفظة اليهود حيث انتهينا إليها في القرآن ، إن شاء الله تعالى . والنصارى : جمع نصران ونصرانة ، مثل ندمان وندمانة . قال سيبويه وأنشد :

وكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف

وأنشد الطبري :

يظل إذا دار العشي محنفا ويضحى لديه وهو نصران شامس

منع ( نصرانا ) الصرف ضرورة ، وهو مصروف ; لأن مؤنثه على نصرانة . قال سيبويه : إلا أنه لا يستعمل [ ص: 239 ] في الكلام إلا بياء النسب ، فيكون : كلحيان ولحياني وكأحمري . وقال الخليل : واحد النصارى نصري ، كمهري ومهارى . قيل : وهو منسوب إلى نصرة ، قرية نزل بها عيسى . وقال قتادة : نسبوا إلى ناصرة ، وهي قرية نزلوها . فعلى هذا يكون من تغييرات النسب .

والصابئين : الصائبون ، قيل : الخارجون من دين مشهور إلى غيره ، من صبوء السن والنجم ، يقال : صبأت النجوم : طلعت ، وصبأت ثنية الغلام : خرجت ، وصبأت على القوم بمعنى : طرأت ، قال :


إذا صبأت هوادي الخيل عنا حسبت بنحرها شرق البعير



ومن قرأ بغير همز فسنتكلم على قراءته . قال الحسن والسدي : هم بين اليهود والمجوس . وقال قتادة والكلبي : هم بين اليهود والنصارى ، يحلقون أوساط رءوسهم ويجبون مذاكيرهم . وقال الخليل : هم أشباه النصارى ، قبلتهم مهب الجنوب ، يقرون بنوح ، ويقرءون الزبور ، ويعبدون الملائكة . وقال عبد العزيز بن يحيى : لا عين منهم ولا أثر . وقال المغربي ، عن الصابي صاحب الرسائل : هم قريب من المعتزلة ، يقولون بتدبير الكواكب . وقال مجاهد : هم قوم لا دين لهم ، ليسوا بيهود ولا نصارى . قال ابن أبي نجيح : قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية ، لا تؤكل ذبائحهم . وقال ابن زيد : قوم يقولون لا إله إلا الله ، وليس لهم عمل ولا كتاب ، كانوا بالجزيرة والموصل . وروي عن الحسن وقتادة أيضا أنهم قوم يعبدون الملائكة ، ويصلون الخمس للقبلة ، ويقرءون الزبور ، رآهم زياد بن أبي سفيان ، فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة . وقال ابن عباس : هم قوم من اليهود والنصارى ، لا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبائحهم . وقال أبو العالية : قوم من أهل الكتاب ، ذبائحهم كذبائح أهل الكتاب ، يقرءون الزبور ، ويخالفونهم في بقية أفعالهم . وقال الحسن والحكم : قوم كالمجوس . وقيل : قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم ، وأنها فعالة .

وأفتى أبو سعيد الإصطخري القادر بالله حين سأله عنهم بكفرهم . وقيل : قوم يعبدون الكواكب ، ثم لهم قولان ، أحدهما : أن خالق العالم هو الله ، إلا أنه أمر بتعظيم الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والتعظيم والدعاء . الثاني : أنه تعالى خلق الأفلاك والكواكب ، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض ، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ، ثم إنها تعبد الله ، وهذا المذهب هو المنسوب للذين جاءهم إبراهيم عليه السلام رادا عليهم .

الأجر : مصدر أجر يأجر ، ويطلق على المأجور به ، وهو الثواب . والأجور : جبر كسر معوج ، والإجار : السطح ، قال الشاعر :


تبدو هواديها من الغبار كالجيش     الصف على الإجار



الرفع : معروف ، وهو أعلى الشيء ، والفعل منه رفع يرفع . الطور : اسم لكل جبل ، قال مجاهد وعكرمة وقتادة . أو الجبل المنبت دون غير المنبت ، قاله ابن عباس والضحاك ، أو الجبل الذي ناجى الله عليه موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام . وقال العجاج :

داني جناحيه من الطور فمر تقضى البازي إذا البازي كسر

وقال آخر :


وإن تر سلمى الجن يستأنسوا بها     وإن ير سلمى صاحب الطور ينزل



وأصله الناحية ، ومنه طوار الدار . وقال مجاهد : هو جنس الجبل بالسريانية .

القوة : الشدة ، وهي مصدر قوي يقوى ، وطيئ تقول : قوى ، يفتحون العين والياء مفتوحة فتنقلب ألفا ، يقولون في بقي : بقى ، وفي زهي : زها ، وقد يوجد ذلك في لغة غيرهم . قال علقمة بن عبدة التميمي :

[ ص: 240 ]

زها الشوق حتى ظل إنسان عينه     يفيض بمغمور من الدمع متأف



وهذه المادة قليلة ، وهي أن تكون العين واللام واوين . التولي : الإعراض بعد الإقبال . لولا : للتحضيض بمنزلة هلا ، فيليها الفعل ظاهرا أو مضمرا ، وحرف امتناع لوجود فيكون لها جواب ، ويجيء بعدها اسم مرفوع بها عند الفراء ، وبفعل محذوف عند الكسائي ، وبالابتداء عند البصريين ، والخبر محذوف عند جمهورهم ، وعند بعضهم فيه تفصيل ذكرناه في ( منهج السالك ) من تأليفنا ، وليست جملة الجواب الخبر ، خلافا لأبي الحسين بن الطراوة ، وإن وقع بعدها مضمر فيكون ضمير رفع مبتدأ عند البصريين ، ويجوز أن يقع بعدها ضمير الجر فتقول : لولاني ولولاك ولولاه ، إلى آخرها ، وهو في موضع جر بلولا عند سيبويه ، وفي موضع رفع عند الأخفش ، استعير ضمير الجر للرفع ، كما استعاروا ضمير الرفع للجر في قولهم : ما أنا كانت ، ولا أنت كانا . والترجيح بين المذهبين مذكور في النحو .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث