الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما ورد في التحذير من البدع

ما ورد في التحذير من البدع واستعمال الرأي في دين الله

وأخرج ابن عبد البر بإسناد متصل بمعاذ - رضي الله عنه -: أنه قال: إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت في القرآن، فما أظن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع; فإن كل بدعة ضلالة.

وأخرج أيضا عن ابن عباس - رضي الله عنهما: أنه قال: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك ؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه، ثم يجد من هو [ ص: 226 ] أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم- منه فيترك قوله، ثم يمضي الأتباع.

وأخرج أيضا عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أنه قال: يا كميل! إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعى للخير، والناس ثلاثة: 1- فعالم رباني. 2- ومتعلم على سبيل نجاة. 3- وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.

وأخرج عنه أيضا: أنه قال: إياكم والاستنان بالرجال ; فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب - لعلم الله فيه - بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار.

وأخرج عن ابن مسعود: أنه قال: ألا لا يقلدن أحدكم دينه، إن آمن، آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر.

وروى ابن عبد البر بإسناده إلى عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة: قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون ما أحل الله، ويحلون به ما حرم الله" ، وأخرجه البيهقي أيضا.

قال ابن القيم - بعد إخراجه من طرق -: وهؤلاء بعين رجال إسناده، كلهم ثقات حفاظ، إلا جرير بن عثمان ; فإنه كان منحرفا عن علي - رضي الله عنه - ومع هذا احتج به البخاري في "صحيحه" ، وقد روي عنه: أنه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف.

وروى ابن عبد البر بإسناده إلى أبي هريرة - رضي الله عنه -، فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ثم يعملون بالرأي، فإذا فعلوا ذلك، فقد ضلوا" ، وأخرجه أيضا بإسناد آخر، فيه جبارة بن المغلس، وفيه مقال، وروى أيضا بإسناد إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال - وهو على المنبر -: يا أيها الناس! إن الرأي إنما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقينا; لأن الله كان يريه، وإنما هو منا بالظن والتكلف. وأخرجه أيضا البيهقي في "المدخل" ..

[ ص: 227 ] وروى ابن عبد البر بإسناده إلى عمر أيضا: أنه قال: أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت عنهم أن يرووها، فاتقوا الرأي.

وروى ابن عبد البر بإسناده إليه أيضا، قال: اتقوا الرأي في دينكم.

وروي عنه أيضا، قال: إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم، أن يحفظوها، وتفلتت عنهم أن يعوها، واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم.

وأخرج ابن عبد البر بإسناده إلى ابن مسعود - رضي الله عنه، قال: ليس عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول: عام أبتر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام وينثلم. وأخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات.

وأخرج أيضا ابن عبد البر، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: إنما هو كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، فمن قال بعد ذلك برأيه، فما أدري، أفي حسناته أم في سيئاته؟

وأخرج أيضا عن ابن عباس - رضي الله عنهما-: أنه قال: تمتع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، نقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وتقول: قال أبو بكر وعمر!

وأخرج أيضا عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: أنه قال: من يعذرني من معاوية؟ أحدثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ويخبرني برأيه. ومثله عن عبادة - رضي الله عنه-

وأخرج أيضا عن عمر - رضي الله عنه- ، قال: السنة ما سنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة.

وأخرج أيضا عن عروة بن الزبير: أنه قال: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما [ ص: 228 ] حتى أدركت فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي، فأضلوا بني إسرائيل.

وأخرج أيضا عن الشعبي: أنه قال: إياكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده ! لئن أخذتم بالمقايسة، لتحلن الحرام، ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم ممن حفظ عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاحفظوه .

وروى ابن عبد البر أيضا في ذم الرأي والتبرؤ منه، والتنفير عنه بكلمات تقارب هذه الكلمات عن مسروق، وابن سيرين، وعبد الله بن المبارك، وسفيان وشريح، والحسن البصري، وابن شهاب .

وذكر الطبري في كتاب "تهذيب الآثار" له بإسناده إلى مالك، قال: قال مالك: قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولا تتبع الرأي، فإنه متى اتبع الرأي، جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك، فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل عليك، اتبعته، أرى هذا لا يتم .

وروى ابن عبد البر عن مالك بن دينار: أنه قال لقتادة: أتدري أي علم رعوت؟ قمت بين الله وعباده، فقلت: هذا لا يصلح، وهذا يصلح.

وروى ابن عبد البر أيضا عن الأوزاعي: أنه قال: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول.

وروى أيضا عن مالك: أنه قال: ما علمته، فقل به، ودل عليه، وما لم تعلم، فاسكت، وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء.

وروي أيضا عن القعنبي: أنه دخل على مالك، فوجده يبكي، فقال: ما الذي يبكيك؟ فقال: يا بن قعنب! إنا لله على ما فرط مني، ليتني جلدت بكل كلمة تكلمت بها سوطا، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل، وغدا كان لي سعة فيما سبقت إليه.

وروي أيضا عن سحنون: أنه قال: ما أدري ما هذا الرأي، سفكت به الدماء، واستحلت به الفروج، واستحقت به الحقوق .

[ ص: 229 ] وروي أيضا عن أيوب: أنه قيل له: ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار: ما لك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل.

وروي عن الشعبي أيضا: أنه قال: والله! لقد بغض إلي هؤلاء القوم المسجد، حتى لهو أبغض من كناسة داري.

قيل له: من هم؟ قال: هؤلاء الآرائيون وكان في ذلك المسجد الحكم، وحماد، وأصحابهما.

وذكر ابن وهب: أنه سمع مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنا، وينبغي هذا، ولا نرى هذا.

وزاد بعض أصحاب مالك عنه في هذا الكلام: أنه قال: ولا يقولون: هذا حلال، وهذا حرام، أما سمعت قول الله - عز وجل - قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون [يونس: 59] الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.

وروى ابن عبد البر أيضا عن أحمد بن حنبل: أنه قال: رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة، كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار .

وروى أيضا عن سهل بن عبد الله القشيري أنه قال: ما أحدث أحد في العلم شيئا إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنة، سلم، وإلا، فهو العطب.

وقال الشافعي في تفسير البدعة المذكورة في الحديث الثابت في "الصحيح" من قوله صلى الله عليه وسلم-: "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" :

[ ص: 230 ] إن المحدثات من الأمور ضربان:

أحدهما: ما أحدث يخالف كتابا، أو سنة، أو أثرا، أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة.

والثانية: ما أحدث من الخير، لا خلاف فيه لواحد من هذه الأمة، وهذه محدثة غير مذمومة.

وقد قال عمر - رضي الله عنه - في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه؟

وأخرج البيهقي في "المدخل" ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه قال : اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم .

وأخرج أيضا عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يكونن بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله، ولا تعملوا برأيكم" .

وأخرج عن عمر - رضي الله عنه -: أنه قال: اتقوا الرأي في دينكم.

وأخرج عنه أيضا بسند رجاله ثقات: أنه قال: يا أيها الناس! اتهموا الرأي على الدين.

وأخرج أيضا عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أنه قال: لو كان الدين بالرأي، لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكن رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على ظاهرهما ، وهو أثر مشهور أخرجه غير البيهقي أيضا.

وأخرج البيهقي أيضا ما يفيد الإرشاد إلى اتباع الأثر، والتنفير عن اتباع الرأي، عن ابن عمر، وابن سيرين، والحسن، والشعبي، وابن عون، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعي، وابن المبارك، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وأبي حنيفة، ويحيى بن آدم، ومجاهد.

وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن [ ص: 231 ] العاص: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "العلم ثلاثة، فما سوى ذلك فضل: 1- آية محكمة. 2- وسنة قائمة. 3- وفريضة عادلة" .

وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وعبد الرحمن بن رافع، وفيهما مقال .

قال ابن عبد البر: "السنة القائمة" : الثابتة الدائمة، المحافظ عليها معمولا عليها; لقيام إسنادها .

و "الفريضة العادلة" : المساوية للقرآن في وجوب العمل بها، وفي كونها صدقا وصوابا .

وأخرج الديلمي في "مسند الفردوس" ، وأبو نعيم، والطبراني في "الأوسط" ، والخطيب، والدارقطني، وابن عبد البر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - موقوفا: ?"العلم ثلاثة أشياء: 1- كتاب ناطق، 2 وسنة ماضية. 3- ولا أدري" ، وإسناده حسن.

وأخرج ابن عبد البر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما الأمور ثلاثة: 1- أمر تبين لك رشده فاتبعه. 2- وأمر تبين لك زيغه فاجتنبه. 3- وأمر اختلف فيه فكله إلى عالمه" .

والحاصل: أن كون الرأي ليس من العلم، لا خلاف فيه بين الصحابة والتابعين وتابعيهم.

قال ابن عبد البر: ولا أعلم بين متقدمي علماء هذه الأمة وسلفها خلافا، أن الرأي ليس بعلم حقيقة. وأما أصول العلم، فالكتاب والسنة. اهـ.

وقال ابن عبد البر: حد العلم عند العلماء والمتكلمين في هذا المعنى، هو ما استيقنته وتبينته، وكل من استيقن شيئا وتبينه، فقد علمه.

وعلى هذا، من لم يستيقن الشيء، وقال به تقليدا، فلم يعلم.

[ ص: 232 ] والتقليد - عند جماعة العلماء - غير الاتباع ; لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك، من فضل قوله، وصحة مذهبه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث