الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إبطال التقليد بطريقة المناظرة

إبطال التقليد بطريقة المناظرة

ثم نقول للمقلد أيضا: أنت في تقليدك للعالم - في مسائل العبادات والمعاملات - إما أن تكون - في أصل مسألة جواز التقليد - مقلدا، أو مجتهدا.

إن كنت مقلدا، فقد قلدت في مسألة لا يجيز إمامك التقليد فيها; لأنها مسألة أصولية، والتقليد إنما هو في مسائل الفروع، فماذا صنعت بنفسك يا مسكين؟

[ ص: 239 ] وكيف وقعت في هذه الهوة المظلمة وأنت تجد عنها فرجا ومخرجا؟!

وإن كنت في أصل هذه المسألة مجتهدا، فلا يجوز لك التقليد; لأنك لا تقدر على الاجتهاد في مثل هذه المسألة الأصولية المتشعبة المشكلة، إلا وأنت ممن علمه الله علما نافعا تخرج به من الظلمات إلى النور.

فما بالك توقع نفسك في ما لا يجوز، وتقلد الرجال في دين الله بعد أن أراحك الله منه، وأقدرك على الخروج منه؟! هذا على ما هو الحق من أن الاجتهاد لا يتبعض، وأنه لا يقدر على الاجتهاد في بعض المسائل إلا من قدر على الاجتهاد في جميعها; لأن الاجتهاد هو ملكة تحصل للنفس عند الإحاطة بمعارفه المعتبرة، ولا ملكة لمن لم يعرف إلا الوعظ من ذلك.

فإن استروحت إلى أن الاجتهاد يتبعض، أعدنا عليك السؤال فنقول: هل عرفت أن الاجتهاد يتبعض بالاجتهاد أم بالتقليد؟

فإن كنت عرفت ذلك بالتقليد، فالمسألة أصولية، لا يجوز التقليد فيها باعترافك واعتراف إمامك.

وإن كنت عرفت ذلك بالاجتهاد، فهذه أيضا مسألة أخرى من مسائل الأصول أقدرك الله على الاجتهاد فيها.

فهلا صنعت هذا الصنيع في مسائل الفروع، فإنك على الاجتهاد فيها أقدر منك على الاجتهاد في مسائل الأصول، فاصنع في مسائل الفروع هكذا، واستكثر من علوم الاجتهاد حتى تصير من أهله، ويفرج الله عنك هذه الغمة، ويكشف الله عنك - بما علمك - هذه الظلمة.

فإنك إذا رفعت نفسك إلى الاجتهاد الأكبر، فالمسافة قريبة، ومن قدر على البعض، قدر على الكل، ومن عرف الحق في المعارك الأصولية، عرفه في المسائل الفروعية .

وستعرف - بعد أن تعرف علوم الاجتهاد كما ينبغي; بطلان ما تظنه الآن من جواز التقليد، ومن تبعض الاجتهاد.

[ ص: 240 ] بل لو طرحت عنك العصبية، وجردت نفسك لفهم ما حررته في هذه الورقات من أدلة إلى آخره، لقادك عقلك وفهمك إلى أنه الصواب، قبل أن تجمع معارف الاجتهاد.

فالفهم قد تفضل الله به على غالب عباده، والحق لا يحتجب على أهل التوفيق، والإنصاف شاهد صدق على وجدان الحق.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم-: "أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس" ، وهو حديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" ، وصححه، وأخرجه أيضا غيره.

فإن طال بك اللجاج، وسلكت من جهالتك في فجاج، وتوقحت غير محتشم، وأقدمت غير محجم، فقلت: إن مسألة جواز التقليد، هي وإن كانت مسألة أصولية، وقد أطبق الناس على أنه لا يجوز التقليد في مسائل الأصول، وصار هذا معروفا عند أبناء جنسي من المقلدين، لكني أقول بأن التقليد فيها، وفي سائر مسائل الأصول جائز .

فنقول: ومن أين عرفت جواز التقليد في مسائل الأصول؟ هل كان هذا منك تقليدا أو اجتهادا؟

فإن قلت: تقليدا، فنقول: ومن ذاك الذي قلدته؟

فإنا قد حكينا لك فيما سبق أن أئمة المذاهب يمنعون التقليد كما يمنعوه غيرهم في مسائل الفروع، فضلا عن مسائل الأصول.

فإن قلت: قلدتهم، أو قلدت واحدا منهم، وهو الذي التزمت مذهبه في جميع ما قاله، من دون أن تطالبه بحجة، فقد كذبت عليه، وعللت نفسك بالأباطيل; فإن غيرك ممن هو أعلم منك لمذهبه، وأعرف بنصوصه، قد نقل عنه أنه يمنع التقليد.

[ ص: 241 ] وإن قلت: قلدت غيره، فمن هو؟ ثم كيف سمحت نفسك في هذه المسألة بخصوصها بالخروج عن مذهبه وتقليد غيره؟

وبالجملة: فمن تلاعب بنفسه وبدينه إلى هذا الحد، فهو بالبهيمة أشبه .

وليت أن هؤلاء المقلدة قلدوا أئمتهم في جميع ما تقولوه، فإنهم لو فعلوا كذلك، لزمهم أن يقلدوهم في مسألة التقليد، وهم يقولون بعدم جوازه كما عرفت سابقا، وحينئذ يقتدون بهم في هذه المسألة، ولا يتم لهم ذلك إلا بترك التقليد في جميع المسائل، فيريحون أنفسهم، ويخلعون من هذه الشبكة بالوقوع في حبل من حبالها.

ثم نقول لهذا المقلد أيضا: من أين عرفت أنه جامع لعلوم الاجتهاد؟ فنقول له: ومن أين لك هذه المعرفة يا مسكين؟ فأنت تقر على نفسك بالجهل، وتكذبها في هذه الدعوى، ولولا جهلك، لم تقلد غيرك.

وإن قال: عرفتها بإخبار أهل العلم أن إمامي قد جمع علوم الاجتهاد.

فنقول: هذا الذي أخبرك، هل هو مقلد أم مجتهد؟

إن قلت: هو مقلد، فمن أين للمقلد هذه المعرفة، وهو مقر على نفسه بما أقررت به على نفسك من الجهل؟

وإن قلت: أخبرك بذلك رجل مجتهد، فنقول لك: من أين عرفت أنه مجتهد وأنت مقر على نفسك بالجهل؟ ثم نعيد عليك السؤال الأول إلى ما لا نهاية له.

ثم نقول للمقلد: من أين عرفت أن الحق بيد الإمام الذي قلدته، وأنت تعلم أن غيره من العلماء قد خالفه في كل مسألة من مسائل الخلاف؟

إن قلت: عرفت ذلك تقليدا، فمن أين للمقلد معرفة الحق والمحقين وهو مقر على نفسه بأنه لا يطالب بالحجة ولا يعقلها إذا جاءته؟

[ ص: 242 ] فما لك - يا مسكين - والكذب على نفسك بما يشهد عليك - ببطلانه - لسانك، بل يشهد عليك كل مجتهد ومقلد بخلاف دعواك؟

وإن قلت: عرفت ذلك بالاجتهاد، فلست حينئذ مقلدا، ولا من أهل التقليد، بل التقليد عليك حرام، فما لك تغمط نعمة الله عليك شكرها؟ والله يقول: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" ، وأثر نعمة العلم أن يعمل العالم بعلمه، ويأخذ ما تعبده الله به من الجهة التي أمره الله بالأخذ منها في محكم كتابه، وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- .

وتلك الجهة هي الكتاب والسنة، كما تقدم سرد أدلة ذلك، وهو أمر متفق عليه لا خلاف فيه.

وعلى كل حال، فأنت بتقليدك - مع كونك قاصرا - ممن عمل في دين الله بغير بصيرة، وترك ما لا شك فيه إلى ما فيه الشك، تستبدل بالحق شيئا لا تدري ما هو؟

وإن كنت مجتهدا، فأنت ممن أضله الله على علم، وختم على سمعه وبصره، فلم ينفعه علمه، وصار ما علمه حجة عليه، ورجع من النور إلى الظلمات، ومن اليقين إلى الشك، ومن الثريا إلى الثرى فلا. لعا. لك، بل لليدين وللفم.

هذا إن كان ذلك المقلد يدعي أن إمامه على حق في جميع ما قاله .

وإن كان يقر أن في قوله الحق والباطل، وأنه بشر يخطئ ويصيب، لا سيما في محض الرأي الذي هو على شفا جرف هار، فنقول له:

إن كنت قائلا بهذا، فقد أصبت، وهو الذي يقوله إمامك لو سأله سائل عن مذهبه، وجميع ما دونه من مسائله.

ولكن أخبرنا، ما حملك أن تجعل ما هو مشتمل على الحق والباطل، قلادة [ ص: 243 ] في عنقك، وتلتزمه، وتدين به غير تارك لشيء منه .

فإن الخطأ من إمامك قد عذره الله فيه، بل جعل له أجرا في مقابلته، كما تقدم تقريره; لأنه مجتهد، وللمجتهد إن أخطأ أجر، كما صرح بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

فأنت من أخبرك بأنك معذور في اتباع الخطأ، وأي حجة قامت لك على ذلك؟

فإن قلت: إنك لو تركت التقليد، وسألت أهل العلم عن النصوص، لكنت غير قاطع بالصواب، بأن يحتمل أن الذي أخذت به وسألت عنه هو حق، ويحتمل أنه باطل.

فنقول: ليس الأمر كذلك، فإن التمسك بالدليل الصحيح كله حق، وليس شيء منه بباطل.

والمفروض أنك ستسأل عن دينك; في عباداتك، ومعاملاتك، علماء الكتاب والسنة، وهم أتقى لله من أن يفتوك بغير ما سألت عنه ; فإنك إنما سألتهم عن كتاب الله، أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الحكم، الذي أردت العمل به، وهم - بل جميع المسلمين - يعلمون أن كتاب الله، وسنة رسوله ، حق لا باطل، وهذا لا أصل له.

ولو فرضنا أن المسؤول قصر في البحث، فأفتاك مثلا بحديث ضعيف، وترك الصحيح، أو بآية منسوخة، وترك المحكمة، لن يكون عليك في ذلك بأس.

فإنك قد فعلت ما هو فرضك، واسترويت أهل العلم عن الشريعة المطهرة، لا عن آراء الرجال، وليس للمقلد أن يقول كمقالك هذا، فيزعم أن إمامه أتقى لله من أن يقول بقول باطل.

لأنا نقول: هو معترف أن بعض رأيه خطأ، ولم يأمرك بأن تتبعه في خطئه، [ ص: 244 ] بل نهاك عن تقليده، ومنعك عن ذلك كما تقدم تحريره عن أئمة المذاهب، وعن سائر المسلمين.

بخلاف من سألته عن الكتاب والسنة، فأفتاك بذلك، فإنه يعلم أن جميع ما في الكتاب والسنة حق وصدق، وهدى ونور. وأنت لم تسأل إلا عن ذلك .

ثم نقول لك: أيها المقلد ما بالك تعترف في كل مسألة من مسائل الفروع، التي أنت مقلد فيها، بأنك لا تدري ما هو الحق فيها؟

ثم لما أرشدناك إلى أن ما أنت عليه من التقليد غير جائز في دين الله، أقمت نفسك مقاما لا تستحقه، وقصدت نفسك في منصب لم تتأهل له، فأخذت في المخاصمة والاستدلال بجواز التقليد، وجئت بالشبهة الساقطة، التي قدمنا دفعها في هذا المؤلف.

فهلا نزلت نفسك في هذه المسألة الأصولية العظيمة المتشعبة، تلك المنزلة التي كنت تنزلها فيها في مسائل الفروع؟

فما لك وللنزول في منازل الفحول، والسلوك في مسالك أهل الأيدي المتبالغة في الطول؟

فما هلك امرؤ عرف قدر نفسه.

فقل هاهنا: لا أدري، إنما سمعت الناس يقولون شيئا فقلته .

فنقول: هكذا سيكون جوابك لنكير ومنكر، بعد أن تقبر، ويقال لك : لا دريت ولا تليت، كما ثبت بذلك النص الصحيح.

وإذا كنت معترفا بأنك لا تدري، فشفاء العي السؤال، فسل من تثق بدينه وعلمه وإنصافه في مسألة التقليد، حتى تكون على بصيرة.

ولو كان إمامك الذي تقلده حيا، لأرشدناك إليه وأمرناك بالتعويل عليه، فإنه أول ناه لك عن التقليد كما عرفناك فيما سبق، ولكنه قد صار رهين البلى، وتحت أطباق الثرى، فاسأل غيره من العلماء الموجودين، وهم بحمد الله في كل صقع من بلاد الإسلام، فالله سبحانه حافظ دينه بهم، وحجته قائمة على عباده [ ص: 245 ] بوجودهم، وإن كتموا الحق في بعض الأحوال، إما لتقية مسوغة كما قال تعالى -: إلا أن تتقوا منهم تقاة ، أو بمداهنة، أو طمع في جاه أو مال.

ولكنهم على كل حال إذا عرفوا من هو طالب للحق راغب فيه، سائل عن دينه، سالك مسلك الصحابة والتابعين وتابعيهم، لم يكتموا عليه الحق، ولا زاغوا عنه .

فإن كنت لا تثق بأحد من العلماء وثوقك بإمامك الذي نشأت على مذهبه، فارجع إلى نصوصه التي قدمنا لك الإشارة إلى بعضها، وفيها ما ينقع الغلة، ويشفي العلة .

واعلم - أرشدك الله أيها المقلد - أنك إن أنصفت من نفسك، وخليت بين عقلك وفهمك، وبين ما حررناه في هذا المؤلف، لم يبق معك شيء في أنك على خطر عظيم.

هذا إن كنت مقصرا في التقليد على ما تدعو إليه حاجتك، مما يتعلق به أمر عبادتك ومعاملتك.

أما إذا كنت - مع كونك في هذه الرتبة الساقطة - مرشحا نفسك لفتيا السائلين، وللقضاء بين المتخاصمين، فاعلم أنك ممتحن، وممتحن بك، ومبتلى، ومبتلى بك; لأنك تريق الدماء بأحكامك، وتنقل الأملاك والحقوق من أهلها، وتحلل الحرام، وتحرم الحلال، وتقول على الله ما لم يقل، غير مستند إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، بل بشيء لا تدري أحق هو أم باطل؟ باعترافك على نفسك بأنك كذلك. فماذا يكون جوابك بين يدي الله؟

فإن الله إنما أمر حكام العباد أن يحكموا بينهم بما أنزل الله، وأنت لا تعرف ما أنزل الله على الوجه الذي يراد به، وأمرهم أن يحكموا بالحق، وأنت لا تدري بالحق، وإنما سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، وأمرهم أن يحكموا بينهم بالعدل، وأنت لا تدري بالعدل من الجور; لأن العدل هو ما وافق ما شرع الله، والجور ما خالفه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث