الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا

ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين .

عطف على جملة فإنهم لا يكذبونك أو على جملة ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ويجوز أن تكون الواو واو الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء ، أي فلا تحزن ، أو إن أحزنك ذلك فإنهم لا يكذبونك والحال قد كذبت رسل من قبلك . والكلام على كل تقدير تسلية وتهوين وتكريم بأن إساءة أهل الشرك لمحمد عليه الصلاة والسلام هي دون ما أساء الأقوام إلى الرسل من قبله ; فإنهم كذبوا بالقول والاعتقاد وأما قومه فكذبوا بالقول فقط . وفي الكلام أيضا تأس للرسول بمن قبله من الرسل .

[ ص: 201 ] ولام القسم لتأكيد الخبر بتنزيل الرسول - صلى الله عليه وسلم - منزلة من ذهل طويلا عن تكذيب الرسل لأنه لما أحزنه قول قومه فيه كان كمن بعد علمه بذلك . و ( من قبلك ) وصف كاشف لـ ( رسل ) جيء به لتقرير معنى التأسي بأن ذلك سنة الرسل .

وفي موقع هذه الآية بعد التي قبلها إيماء لرجاحة عقول العرب على عقول من سبقهم من الأمم ، فإن الأمم كذبت رسلها باعتقاد ونطق ألسنتها ، والعرب كذبوا باللسان وأيقنوا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام بعقولهم التي لا يروج عندها الزيف .

و ( ما ) مصدرية ، أي صبروا على التكذيب ، فيجوز أن يكون قوله وأوذوا عطفا على كذبوا وتكون جملة ( فصبروا ) معترضة . والتقدير : ولقد كذبت وأوذيت رسل فصبروا . فلا يعتبر الوقف عند قوله على ما كذبوا بل يوصل الكلام إلى قوله نصرنا ، وأن يكون عطفا على كذبت رسل ، أي كذبت وأوذوا . ويفهم الصبر على الأذى من الصبر على التكذيب لأن التكذيب أذى فيحسن الوقف عند قوله على ما كذبوا .

وقرن فعل كذبت بعلامة التأنيث لأن فاعل الفعل إذا كان جمع تكسير يرجح اتصال الفعل بعلامة التأنيث على التأويل بالجماعة . ومن ثم جاء فعلا ( فصبروا ) و ( كذبوا ) مقترنين بواو الجمع ، لأن فاعليهما ضميران مستتران فرجح اعتبار التذكير .

وعطف ( وأوذوا ) على ( كذبت ) عطف الأعم على الأخص ، والأذى أعم من التكذيب ، لأن الأذى هو ما يسوء ولو إساءة ما ، قال تعالى لن يضروكم إلا أذى ويطلق على التشديد منه . فالأذى اسم اشتق منه أذى إذا جعل له أذى وألحقه به . فالهمزة به للجعل أو للتصيير . ومصادر هذا الفعل أذى وأذاة وأذية . وكلها أسماء مصادر وليست مصادر . وقياس مصدره الإيذاء لكنه لم يسمع في كلام العرب . فلذلك قال صاحب القاموس : لا يقال : إيذاء . وقال الراغب : يقال : إيذاء . ولعل الخلاف مبني على الخلاف في أن القياسي يصح إطلاقه ولو لم يسمع في كلامهم أو يتوقف إطلاقه [ ص: 202 ] على سماع نوعه من مادته . ومن أنكر على صاحب القاموس فقد ظلمه . وأيا ما كان فالإيذاء لفظ غير فصيح لغرابته . ولقد يعد على صاحب الكشاف استعماله هنا وهو ما هو في علم البلاغة .

و ( حتى ) ابتدائية أفادت غاية ما قبلها ، وهو التكذيب والأذى والصبر عليهما ، فإن النصر كان بإهلاك المكذبين المؤذين ، فكان غاية للتكذيب والأذى ، وكان غاية للصبر الخاص ، وهو الصبر على التكذيب والأذى ، وبقي صبر الرسل على أشياء مما أمر بالصبر عليه .

والإتيان في قوله أتاهم نصرنا مجاز في وقوع النصر بعد انتظاره ، فشبه وقوعه بالمجيء من مكان بعيد كما يجيء المنادى المنتظر . وتقدم بيان هذا عند قوله تعالى وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين في هذه السورة .

وجملة ولا مبدل عطف على جملة أتاهم نصرنا .

وكلمات الله وحيه للرسل الدال على وعده إياهم بالنصر ، كما دلت عليه إضافة النصر إلى ضمير الجلالة . فالمراد كلمات من نوع خاص ، فلا يرد أن بعض كلمات الله في التشريع قد تبدل بالنسخ ; على أن التبديل المنفي مجاز في النقض ، كما تقدم في قوله تعالى فمن بدله بعدما سمعه في سورة البقرة . وسيأتي تحقيق لهذا المعنى عند قوله تعالى وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته في هذه السورة .

وهذا تطمين للنبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن الله ينصره كما نصر من قبله من الرسل ، ويجوز أن تكون كلمات الله ما كتبه في أزله وقدره من سننه في الأمم ، أي أن إهلاك المكذبين يقع كما وقع إهلاك من قبلهم .

ونفي المبدل كناية عن نفي التبديل ، أي لا تبديل ، لأن التبديل لا يكون إلا من مبدل . ومعناه : أن غير الله عاجز عن أن يبدل مراد الله ، وأن الله أراد أن لا يبدل كلماته في هذا الشأن .

وقوله ولقد جاءك من نبإ المرسلين عطف على جملة ولا مبدل لكلمات الله ، [ ص: 203 ] وهو كلام جامع لتفاصيل ما حل بالمكذبين ، وبكيف كان نصر الله رسله . وذلك في تضاعيف ما نزل من القرآن في ذلك .

والقول في جاءك كالقول في أتاهم نصرنا ، فهو مجاز في بلوغ ذلك وإعلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - به .

و ( من ) في قوله من نبأ إما اسم بمعنى ( بعض ) فتكون فاعلا مضافة إلى ( لنبأ ) ، وهو ناظر إلى قوله تعالى منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك . والأحسن أن تجعل صفة لموصوف محذوف تقديره : لقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين . والنبأ الخبر عن أمر عظيم ، قال تعالى عم يتساءلون عن النبأ العظيم ، وقال قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ، وقال في هذه السورة لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث