الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة وقد سلم النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتي الظهر وأقبل على الناس بوجهه ثم أتم ما بقي

394 حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا هشيم عن حميد عن أنس بن مالك قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وافقت ربي في ثلاث فقلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وآية الحجاب قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت هذه الآية قال أبو عبد الله وحدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني حميد قال سمعت أنسا بهذا

التالي السابق


قوله : ( باب ما جاء في القبلة ) أي غير ما تقدم ( ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة ) [ ص: 602 ] وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا تبين خطؤه ، فروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وغيرهم أنهم قالوا : لا تجب الإعادة ، وهو قول الكوفيين . وعن الزهري ومالك وغيرهما تجب في الوقت لا بعده ، وعن الشافعي يعيد إذا تيقن الخطأ مطلقا . وفي الترمذي من حديث عامر بن ربيعة ما يوافق قول الأولين ، لكن قال : ليس إسناده بذاك .

قوله : ( وقد سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - . . . إلخ ) هو طرف من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وهو موصول في الصحيحين من طرق ، لكن قوله " وأقبل على الناس " ليس هو في الصحيحين بهذا اللفظ موصولا ، لكنه في الموطأ من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة . ووهم ابن التين تبعا لابن بطال حيث جزم بأنه طرف من حديث ابن مسعود الماضي ; لأن حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنه سلم من ركعتين .

ومناسبة هذا التعليق للترجمة من جهة أن بناءه على الصلاة دال على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلي ، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهيا لا تبطل صلاته .

قوله : ( عن أنس قال : قال عمر ) هو من رواية صحابي عن صحابي ، لكنه صغير عن كبير .

قوله : ( وافقت ربي في ثلاث ) أي وقائع ، والمعنى وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت ، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه ، أو أشار به إلى حدوث رأيه وقدم الحكم ، وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها ; لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه من مشهورها قصة أسارى بدر وقصة الصلاة على المنافقين ، وهما في الصحيح ، وصحح الترمذي من حديث ابن عمر أنه قال ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر وهذا دال على كثرة موافقته ، وأكثر ما وقفنا منها بالتعيين على خمسة عشر لكن ذلك بحسب المنقول ، وقد تقدم الكلام على مقام إبراهيم ، وسيأتي الكلام على مسألة الحجاب في تفسير سورة الأحزاب ، وعلى مسألة التخيير في تفسير سورة التحريم ، وقوله في هذه الرواية " واجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه فقلت لهن : عسى ربه . . . إلخ " وذكر فيه من وجه آخر عن حميد في تفسير سورة البقرة زيادة يأتي التنبيه عليها في باب عشرة النساء في أواخر النكاح .

وقال بعضهم : كان اللائق إيراد هذا الحديث في الباب الماضي وهو قوله : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى والجواب أنه عدل عنه إلى حديث ابن عمر للتنصيص فيه على وقوع ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف حديث عمر هذا فليس فيه التصريح بذلك ، وأما مناسبته للترجمة فأجاب الكرماني بأن المراد من الترجمة ما جاء في القبلة وما يتعلق بها ، فأما على قول من فسر مقام إبراهيم بالكعبة فظاهر ، أو بالحرم كله فمن في قوله : من مقام إبراهيم للتبعيض ، ومصلى أي قبلة ، أو بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم وهو الأظهر فيكون تعلقه بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة ، وقال ابن رشيد : الذي يظهر لي أن تعلق الحديث بالترجمة الإشارة إلى موضع الاجتهاد في القبلة ; لأن عمر اجتهد في أن اختار أن يكون المصلى إلى مقام إبراهيم الذي هو في وجه الكعبة فاختار إحدى جهات القبلة بالاجتهاد ، وحصلت موافقته على ذلك فدل على تصويب اجتهاد المجتهد إذا بذل وسعه ولا يخفى ما فيه .

قوله : ( وقال ابن أبي مريم ) في رواية كريمة " حدثنا ابن أبي مريم " ، وفائدة إيراد هذا الإسناد [ ص: 603 ] ما فيه من التصريح بسماع حميد من أنس فأمن من تدليسه ، وقوله : ( بهذا ) أي إسنادا ومتنا ، فهو من رواية أنس عن عمر لا من رواية أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفائدة التعليق المذكور تصريح حميد بسماعه له من أنس ، وقد تعقبه بعضهم بأن يحيى بن أيوب لم يحتج به البخاري وإن خرج له في المتابعات . وأقول : وهذا من جملة المتابعات ، ولم ينفرد يحيى بن أيوب بالتصريح المذكور فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية يوسف القاضي عن أبي الربيع الزهراني عن هشيم أخبرنا حميد حدثنا أنس . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث