الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا تتابع في شرب الخمر

جزء التالي صفحة
السابق

باب إذا تتابع في شرب الخمر

4482 حدثنا موسى بن إسمعيل حدثنا أبان عن عاصم عن أبي صالح ذكوان عن معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاقتلوهم حدثنا موسى بن إسمعيل حدثنا حماد عن حميد بن يزيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بهذا المعنى قال وأحسبه قال في الخامسة إن شربها فاقتلوه قال أبو داود وكذا في حديث أبي غطيف في الخامسة

التالي السابق


أي توالى في شربها ومقصود المصنف أنه إذا شرب رجل الخمر مرة فجلد ثم شرب فجلد وهكذا فعل مرارا فما حكمه ، هل يجلد كل مرة أم له حكم آخر . وفي بعض النسخ تتايع بالتحتية وهو أيضا صحيح ، فإن التتايع الإسراع في الشر واللجاجة .

( ذكوان ) : بدل من أبي صالح وهو السمان الزيات المدني ثقة ثبت ، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة قاله الحافظ ( ثم إن شربوا فاقتلوهم ) .

قال الترمذي في كتاب العلل : أجمع الناس على تركه أي أنه منسوخ وقيل مؤول بالضرب الشديد . [ ص: 143 ] وقال الزيلعي قال ابن حبان في صحيحه : معناه إذا استحل ولم يقبل التحريم انتهى .

وبسط السيوطي الكلام في حاشية الترمذي وقصد به إثبات أنه ينبغي العمل به كذا قال العلامة السندي في حاشية ابن ماجه .

قلت : قال السيوطي فيها بعد الإشارة إلى عدة أحاديث هكذا فهذه بضعة عشر حديثا كلها صحيحة صريحة في قتله بالرابعة وليس لها معارض صريح ، وقول من قال بالنسخ لا يعضده دليل .

وقولهم إنه صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب بالرابعة فضربه ولم يقتله لا يصلح لرد هذه الأحاديث لوجوه ، الأول أنه مرسل إذ راويه قبيصة ولد يوم الفتح فكان عمره عند موته صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهرا فلم يدرك شيئا يرويه .

الثاني : أنه لو كان متصلا صحيحا لكانت تلك الأحاديث مقدمة عليه لأنها أصح وأكثر .

الثالث : أن هذه واقعة عين لا عموم لها .

والرابع : أن هذا فعل والقول مقدم عليه لأن القول تشريع عام والفعل قد يكون خاصا .

الخامس : أن الصحابة خصوا في ترك الحدود بما لم يخص به غيرهم فلأجل ذلك لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم ، وقد ورد بقصة نعمان لما قال عمر أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تطعنه فإنه يحب الله ورسوله ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم من باطنه صدق محبته لله ورسوله فأكرمه بترك القتل ، فله صلى الله عليه وسلم أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام فلا أقبل هذا الحديث إلا بنص صريح من قوله صلى الله عليه وسلم وهو لا يوجد .

وقد ترك عمر إقامة حد الخمر على فلان لأنه من أهل بدر ، وقد ورد فيهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وترك سعد بن أبي وقاص إقامته على أبي محجن لحسن بلائه في قتال الكفار فالصحابة رضي الله عنهم جميعا جديرون بالرخصة إذا بدت من أحدهم زلة .

وأما هؤلاء المدمنون للخمر الفسقة المعروفون بأنواع الفساد ، وظلم العباد ، وترك الصلاة ، ومجاوزة الأحكام الشرعية ، وإطلاق أنفسهم بحال سكرهم بالكفريات وما قاربها فإنهم يقتلون بالرابعة لا شك فيه ولا ارتياب . [ ص: 144 ] وقول المصنف " لا نعلم خلافا رده " حق بأن الخلاف ثابت محكي عن طائفة ، فروى أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص فقال ائتوني برجل أقيم عليه حد الخمر فإن لم أقتله فأنا كذاب .

ومن وجه آخر عنه : ائتوني بمن شرب خمرا في الرابعة ولكم علي أن أقتله انتهى كلام السيوطي .

قال الزيلعي قال الترمذي : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : حديث أبي صالح عن معاوية أصح من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وسكت عنه .

وقال الذهبي في مختصره هو صحيح وأخرجه النسائي في سننه الكبرى انتهى .

قال المنذري : وأخرجه الترمذي وابن ماجه وذكر الترمذي أنه روي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال سمعت محمدا يعني البخاري يقول حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ هذا . ( بهذا المعنى ) : أي بمعنى حديث معاوية رضي الله عنه المذكور ( قال ) : أي موسى بن إسماعيل ( وأحسبه ) : أي أظنه ، والظاهر أن الضمير المنصوب راجع إلى حماد ( إن شربها ) : أي الخمر والخمر مؤنث . وأخرج النسائي في الأشربة من حديث مغيرة عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن ابن عمر ونفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاقتلوه انتهى ففيه ذكر القتل في الرابعة وعبد الرحمن هذا ضعيف ضعفه ابن معين قاله ابن القطان وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ذكره الزيلعي ( وكذا في حديث أبي غطيف ) : بالتصغير الهذلي مجهول من الثالثة ، وقيل هو غطيف أو غضيف [ ص: 145 ] بالضاد المعجمة كذا في التقريب ، وحديث أبي غطيف أخرجه الطبراني وابن منده في المعرفة صرح به الحافظ السيوطي في حاشيته على جامع الترمذي ( في الخامسة ) : بيان لقوله كذا وعند الأكثر ذكر القتل في الرابعة كما سيظهر لك . وقال الحافظ في الإصابة غطيف بن الحارث الكندي والد عياض ، قال أبو نعيم له صحبة وأخرج له ابن السكن والطبراني من طريق إسماعيل بن عياش عن سعيد بن سالم الكندي عن معاوية بن عياض بن غطيف عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه وأخرجه ابن شاهين وابن أبي خيثمة من طريق إسماعيل المذكور انتهى . فذكر القتل في الثالثة .

وأخرج البزار في مسنده من طريق إسماعيل المذكور وفيه من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه ثم إن عاد فاجلدوه ولم يذكر فيه القتل قال البزار : لا نعلم روى غطيف غير هذا الحديث ، كذا في نصب الراية للزيلعي .

قال المنذري : وأبو غطيف هذا لا يعرف اسمه وهو هذلي وغطيف بضم الغين المعجمة وبعدها طاء مهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث