الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان درجات الزهد وأقسامه

بيان درجات الزهد وأقسامه بالإضافة إلى نفسه وإلى المرغوب عنه وإلى المرغوب فيه .

اعلم أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث الدرجة الأولى : وهي السفلى ، منها أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة ، ولكنه يجاهدها ويكفها وهذا يسمى المتزهد وهو مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد والمتزهد يذيب أولا نفسه ثم كيسه والزاهد أولا يذيب كيسه ثم يذيب نفسه في الطاعات لا في الصبر على ما فارقه والمتزهد على خطر فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير .

الدرجة الثانية : الذي يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك درهما لأجل درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك ، وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل ، ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه ، فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ويظن في نفسه أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه وهذا أيضا نقصان .

التالي السابق


(بيان درجات الزهد وأقسامه ) .

وذلك (بالإضافة إلى نفسه وإلى المرغوب عنه وإلى المرغوب فيه، اعلم) وفقك الله تعالى (أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاثة) وهي درجات الزهد في بدايته:

(الدرجة الأولى: وهي السفلى، منها أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة، ولكنه يجاهدها ويكفها) ويجنبها الأسباب التي ذكرناها مع قصر الأمل (وهذا يسمى المتزهد) وهو الذي يتصنع الزهد ويعمل في أسبابه من التقلل ورثاثة الحال في كل شيء، فمثله مثل المتصبر من الصابر الذي يحمل على نفسه بالصبر ويصابرها على العلم والبر فيكون له مقام من الصبر (وهو) أي: الزهد بالمعنى المذكور (مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد) .

قال صاحب القوت: إن العبد قد يجاهد نفسه على الزهد كما يجاهدها على مخالفة الهوى، وكما يجاهدها في الصبر على مر الحق بأن يخرج المرغوب وينفق المحبوب، ويتصبر على كراهة النفس لذوق ذلك ولقلة عادته بجريانه عليه، كما يتصبر على ذوق مرارة الدواء خشية أن يقتله الداء فيكون له مقام في الزهد ينال به البر ويستوجب مدحا فيه، وقال بعض البصريين من أهل المعرفة: إن من أكره نفسه على إخراج المحبوب من ماله وحمل عليها بالزهد فيه حتى بذله على تكره من النفس إن هذا أفضل ممن سمحت له نفسه ببذل ماله طوعا من غير كراهة ولا وجد ثقل، قالوا: لفضل المجاهدة فيه ولكراهة النفس وإكراهها. اهـ .

(والمتزهد) غير الزاهد، فإن المتزهد (يذيب أولا نفسه) بأن يجاهدها على الزهد (ثم كيسه) بإخراج المرغوب منه (والزهد أولا يذيب كيسه) بإخراج المحبوب من اليد في سبيل المطلوب (ثم يذيب نفسه في الطاعة) ويوطنها عليها (لا في الصبر على ما فارقه) وهذا من قول أبي حاتم الأصم: الزاهد يذهب كيسه قبل نفسه، والمتزهد يذهب نفسه قبل كيسه، نقله القشيري (والمتزهد على خطر) لا يأمن على حاله (فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا والاستراحة بها في قليل أو كثير) .

الدرجة (الثانية: الذي يترك الدنيا طوعا) أي: اختيارا وجعلها طاعة مع القدرة (لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك درهما لأجل) تحصيل (درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك، وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل، ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه) لأنه ترك شيئا لشيء (كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه، فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ويظن أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم [ ص: 338 ] قدرا منه وهذا أيضا نقصان) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث