الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب من يجوز دفع الصدقة إليه ، ومن لا يجوز قال رحمه الله ( الأصل فيه قوله تعالى{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين } [ ص: 476 ] الآية فهذه ثمانية أصناف ، وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم ; لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم ) وعلى ذلك انعقد الإجماع . ( والفقير : من له أدنى شيء والمسكين : من لا شيء له ) وهذا مروي عن أبي حنيفة رحمه الله ; وقد قيل على العكس ، ولكل وجه ، ثم هما صنفان أو صنف واحد ، سنذكره في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى . ( والعامل يدفع الإمام إليه إن عمل بقدر عمله ، فيعطيه ما يسعه وأعوانه غير مقدر بالثمن ) خلافا للشافعي رحمه الله ; لأن استحقاقه بطريق الكفاية ، ولهذا يأخذ ، وإن كان غنيا ، إلا أن فيه شبهة الصدقة فلا يأخذها العامل الهاشمي [ ص: 477 ] تنزيها لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام عن شبهة الوسخ ، والغني لا يوازيه في استحقاق الكرامة ، فلم تعتبر الشبهة في حقه . قال ( وفي الرقاب يعان المكاتبون منها في فك رقابهم ) وهو المنقول . ( والغارم : من لزمه دين ولا يملك نصابا فاضلا عن دينه ) وقال الشافعي : من تحمل غرامة في إصلاح ذات البين وإطفاء النائرة بين القبيلتين .

( وفي سبيل الله : منقطع الغزاة عند أبي يوسف رحمه الله ) لأنه هو [ ص: 478 ] المتفاهم عند الإطلاق ( وعند محمد رحمه الله منقطع الحاج ) لما روي { أن رجلا جعل بعيرا في سبيل الله ، فأمره رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يحمل عليه الحاج ، ولا يصرف إلى أغنياء الغزاة عندنا }; لأن المصرف هو الفقراء . [ ص: 479 ] ( وابن السبيل : من كان له مال في وطنه ) وهو في مكان آخر لا شيء له فيه . [ ص: 480 ] قال ( فهذه جهات الزكاة ، فللمالك أن يدفع إلى كل واحد منهم ، وله أن يقتصر على صنف واحد ) وقال الشافعي : لا يجوز إلا أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف ; لأن الإضافة بحرف اللام للاستحقاق . ولنا أن الإضافة لبيان أنهم مصارف ، لا لإثبات الاستحقاق ، وهذا لما عرف أن الزكاة حق الله تعالى ، وبعلة الفقر صاروا مصارف فلا يبالي باختلاف جهاته ، والذي ذهبنا إليه مروي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم .

التالي السابق


باب من يجوز دفع الصدقات إليه ومن لا يجوز . قوله : وعلى ذلك انعقد الإجماع يعني على سقوط المؤلفة قلوبهم من الأصناف [ ص: 476 ] الثمانية المذكورين في القرآن ، قلت : روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر الشعبي ، قال : إنما كانت المؤلفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه انقطعت . انتهى .

وروى الطبري في " تفسيره " ، في قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين }الآية ، حدثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير ، قال : المؤلفة قلوبهم من بني أمية : أبو سفيان بن حرب ، ومن بني مخزوم : الحارث بن هشام ، وعبد الرحمن بن يربوع ، ومن جمح : صفوان بن أمية ، ومن بني عامر بن لؤي : سهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزى ، ومن بني أسد بن عبد العزى : حكيم بن حزام ، ومن بني هاشم : أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، ومن بني فزارة : عيينة بن حصين بن بدر ، ومن بني تميم : الأقرع بن حابس ، ومن بني نصر : مالك بن عوف ، ومن بني سليم : العباس بن مرداس ، ومن ثقيف : العلاء بن حارثة ، أعطى النبي عليه السلام كل رجل منهم مائة ناقة ، إلا عبد الرحمن بن يربوع ، وحويطب بن عبد العزى ، فإنه أعطى كل رجل منهم خمسين . انتهى .

وروى أيضا : حدثنا القاسم ثنا الحسين ثنا هشام : ثنا عبد الرحمن بن يحيى عن حبان بن أبي جبلة ، قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقد أتاه عيينة بن حصين { الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر }يعني ليس اليوم مؤلفة . انتهى .

وأخرج عن الشعبي ، قال : لم يبق في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم أحد ، إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى .

وأخرج نحوه عن الحسن البصري رضي الله عنه ، واستدل [ ص: 477 ] ابن الجوزي في " التحقيق " لمذهبنا على سقوط المؤلفة بحديث معاذ : { صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } ، قال : وهذا محمول على أنه قاله في وقت غير محتاج إلى التأليف . قوله : وفي الرقاب أن يعان المكاتبون منها في فك رقابهم ، قلت : روى الطبري في " تفسيره " من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن الحسن البصري ، أن مكاتبا قام إلى أبي موسى الأشعري ، وهو يخطب الناس يوم الجمعة ، فقال له : أيها الأمير حث الناس علي ، فحث عليه أبو موسى ، فألقى الناس عليه : هذا يلقي عمامة ، وهذا يلقي ملاءة ، وهذا يلقي خاتما ، حتى ألقى الناس عليه سوادا كثيرا ، فلما رأى أبو موسى ما ألقي عليه ، قال : اجمعوه ، ثم أمر به فبيع ، فأعطى المكاتب مكاتبته ، ثم أعطى الفضل في الرقاب نحو ذلك ، ولم يرده على الناس ، وقال : إن هذا الذي قد أعطوه في الرقاب . انتهى .

وأخرج عن الحسن البصري رضي الله عنه ، والزهري ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قالوا : وفي الرقاب هم المكاتبون ، انتهى .

واستشهد شيخنا علاء الدين بحديث أخرجه ابن حبان ، والحاكم عن البراء بن عازب ، قال : { جاء رجل إلى النبي عليه السلام ، فقال : دلني على عمل يقربني من الجنة ، ويباعدني عن النار ، قال : أعتق النسمة ، وفك الرقبة ، قال : أو ليسا واحدا ؟ قال : لا ، عتق النسمة أن تفرد بعتقها ، وفك الرقبة ، أن تعين في ثمنها انتهى }.

وهذا ليس فيه المقصود ، فإن مراد المصنف تفسير الآية لا تفسير الفك ، نعم ، الحديث مفيد في معرفة الفرق بين العتق والفك ، والله أعلم .

الحديث الرابع والثلاثون : قال المصنف : { وفي سبيل الله منقطع الغزاة ، وعند محمد : منقطع الحاج ، لما روي { أنه عليه السلام أمر رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله أن [ ص: 478 ] يحمل عليه الحاج } ، قلت : استشهد له شيخنا علاء الدين بحديث أخرجه أبو داود { عن أم معقل ، قالت كان لنا جمل ، فجعله أبو معقل في سبيل الله ، إلى أن قال : فهل أخرجت عليه ، فإن الحج من سبيل الله } ، مختصر ، وهذا لا يغني ; لأن المقصود تفسير قوله تعالى: { وفي سبيل الله } ، وأيضا فلفظ الحديث لا يمنع دخول الغزاة في الحج ، ولا يتم الاستدلال إلا على تقدير الحصر ، وأيضا فليس فيه أمر ، فلا يكفي في المقصود ، والحديث أخرجه أبو داود في " كتاب الحج في باب العمرة " عن إبراهيم بن مهاجر عن { أبي بكر بن عبد الرحمن ، قال : أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم معقل ، قالت : كان أبو معقل حاجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم قالت أم معقل : قد علمت أن علي حجة ، فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه ، قال : فقالت : يا رسول الله إن علي حجة ، وإن لأبي معقل بكرا ، قال أبو معقل : جعلته في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطها فلتحج عليه فإنه في سبيل الله ، فأعطاها البكر } ، ورواه أحمد في " مسنده " ، ومن طريقه الحاكم في " المستدرك " ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، وفيه نظر ، فإن فيه رجلا مجهولا ، وإبراهيم بن مهاجر متكلم فيه ، ولفظ الحاكم عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، قال : { أرسل مروان إلى أم معقل يسألها عن هذا الحديث ، فحدثت أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله ، وأنها أرادت العمرة ، فسألت زوجها البكر ، فأبى عليها ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يعطيها ، وقال : إن الحج والعمرة لمن سبيل الله }. انتهى .

ورواه النسائي من حديث الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن امرأة من بني أسد ، يقال لها : أم معقل بنحوه ، ورواه أيضا من حديث جامع بن شداد عن أبي بكر بن عبد الرحمن { عن أبي معقل أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن أم معقل جعلت عليها حجة } ، فذكر نحوه ، ورواه أبو داود أيضا من طريق ابن إسحاق عن عيسى بن معقل بن أم معقل الأسدي أسد خزيمة [ ص: 479 ] حدثني يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته { أم معقل ، قالت : لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وكان لنا جمل . فجعله أبو معقل في سبيل الله ، وأصابنا مرض ، وهلك أبو معقل ، وخرج النبي عليه السلام ، فلما فرغ من حجه جئته ، فقال : يا أم معقل ما منعك أن تخرجي معنا ؟ قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل ، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه ، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله ، قال : فهلا خرجت عليه ؟ فإن الحج في سبيل الله ، فأما إذا فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمري في رمضان ، فإنها الحجة }.

ورواه أيضا حدثنا مسدد ثنا عبد الوارث عن عامر الأحول عن بكر بن عبد الله عن ابن عباس ، قال : { أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ، فقالت امرأة لزوجها : أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على جملك ، فقال : ما عندي ما أحجك عليه ، قالت : أحجني على جملك فلان ، قال : ذلك حبيس في سبيل الله ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله } ، مختصر ، وله طريق آخر ، رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني ثنا حميد بن مسعدة ثنا عمر بن علي المقدمي عن موسى بن عقبة عن عيسى بن معقل عن جدته أم معقل ، قالت : { مات أبو معقل ، وترك بعيرا جعله في سبيل الله ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن أبا معقل هلك ، وترك بعيرا جعله في سبيل الله ، وعلي حجة ، فقال : يا أم معقل حجي على بعيرك ، فإن الحج في سبيل الله }. انتهى .

{ حديث آخر } : من هذا المعنى ، رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا عمرو بن أبي الطاهر بن السرح ثنا يوسف بن عدي ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن المختار بن فلفل عن طلق بن حبيب عن { أبي طليق الأشجعي ، قال : طلبت مني أم طليق جملا تحج عليه ، فقلت : قد جعلته في سبيل الله ، فقالت : لو أعطيتنيه لكان في سبيل الله ، فسألت النبي عليه السلام ، فقال : صدقت ، لو أعطيتها ، لكان في سبيل الله ، وأن العمرة في رمضان تعدل حجة }. انتهى .

ورواه البزار في " مسنده " حدثنا علي بن حرب ثنا محمد بن [ ص: 480 ] فضيل عن المختار بن فلفل به . قوله : والذي ذهبنا إليه مروي عن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهما يعني جواز الاقتصار على صنف واحد في دفع الزكاة ، قلت : حديث ابن عباس رواه البيهقي ، وحديث عمر رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ، وروى الطبري في " تفسيره " في هذه الآية أخبرنا عمران بن عيينة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين }الآية ، قال : في أي صنف وضعته أجزأك ، انتهى . أخبرنا جرير عن ليث عن عطاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : { إنما الصدقات للفقراء }الآية ، قال : أيما صنف أعطيته من هذا أجزأ عنك . انتهى .

ثنا حفص عن ليث عن عطاء عن عمر أنه كان يأخذ الفرض في الصدقة ، فيجعله في صنف واحد ، انتهى .

وروي أيضا عن الحجاج بن أرطاة عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة أنه قال : إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك انتهى .

وأخرج نحو ذلك عن سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، وأبي العالية ، وميمون بن مهران بأسانيد حسنة ، واستدل ابن الجوزي في " التحقيق " على ذلك بحديث معاذ ، فأعلمهم { أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } ، قال : والفقراء صنف واحد ، ولم يذكر سواهم .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال " : ومما يدل على صحة ذلك { أن النبي عليه السلام أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف واحد سوى صنف الفقراء ، وهم المؤلفة قلوبهم : الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وعلقمة بن علاثة ، وزيد الخير ، قسم فيهم الذهبية التي بعث بها إليه علي من اليمن ، وإنما تؤخذ من أهل اليمن الصدقة ، ثم أتاه مال آخر ، فجعله في صنف آخر ، وهم [ ص: 481 ] الغارمون ، فقال لقبيصة بن المخارق ، حين أتاه وقد تحمل حمالة : يا قبيصة أقم حتى تأتينا الصدقة ، فنأمر لك بها } ، وفي حديث سلمة بن صخر البياضي { أنه أمر له بصدقة قومه } ، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد ، وأما الآية التي احتج بها الشافعي رضي الله عنه ، فالمراد بها بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم دون غيرهم ، وكذا المراد بآية الغنيمة . انتهى كلامه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث