الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة في إجارة الإقطاع

[ ص: 399 ] مسألة

في إجارة الإقطاع [ ص: 400 ] سئل- رحمه الله تعالى ورضي عنه-

عن إجارة الإقطاع هل هي صحيحة أم باطلة؟ وقد ذكر في مذهب الشافعي قولان، وفيهم من حكم به.

فأجاب

الحمد لله. إيجار الإقطاع صحيح، كما نص على ذلك غير واحد من العلماء، وما علمت أحدا من علماء المسلمين قال: إنه لا يصح، لا من أصحاب الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ومن أفتى بأنه لا يصح من أهل زماننا فليس معهم بذلك نقل، لا عن أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من المسلمين، وإنما عمدتهم في ذلك أن بعض شيوخهم كان يفتي بأنه لا يصح. وحجتهم أن المقطع لم يملك المنفعة، فبقي المستأجر لم يملك المنفعة، فتكون الإجارة مزلزلة، فلا تجوز، كما لو آجر المستعير العين المعارة.

والكلام في مقامين: أحدهما أنه ليس لأحد أن يحدث مقالة في الإسلام في مثل هذا الأمر العام الذي ما زال المسلمون عليه خلفا عن سلف، بل إذا عرضت له شبهة في ذلك كانت من جنس شبهة أهل الضلال القادحين في الشرع، وكثير منها أقوى من هذه الشبهة.

والجواب عنها من وجهين:

أحدهما: أن العين المعارة في إجارتها نزاع، وإذا أذن المالك في إجارتها جاز، والسلطان المقطع قد أذن لهم أن ينتفعوا بالقطع بالاستغلال والإجارة والمزارعة. [ ص: 402 ]

الثاني: أن هذه المنافع ليست كالعارية، فإن السلطان لا يملك هذه المنافع، بل هي حق للمسلمين وملك لهم، وإنما السلطان قاسم يقسم بينهم تلك المنافع، فيستحقونها بحكم الملك لها والاستحقاق لا بحكم الإباحة، كما يستوفي أهل الوقف منفعة وقفهم. والموقوف عليه إذا آجر الموقف جاز، وإن كانت الإجارة تنفسخ بموت الموقوف عليه عند جمهور العلماء، فإن البطن الثاني يتلقى الوقف عن الواقف لا عن البطن الأول، بخلاف الميراث. فلهذا كان جمهور العلماء على أن الإجارة لا تنفسخ بموت الميت الذي تنتقل العين إلى وارثه، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فيقول بانفساخها، لأن من أصله أن المستأجر لم يملك المنفعة، وإنما ملك أن يملكها بالاستيفاء، فيقول: إن المنفعة لم تخرج عن ملك الميت، بل تحدث على ملك الوارث، ومع هذا فهو يقول: لو باع العين المؤجرة لم يجز، لأن المنفعة للمستأجر، لأن المؤجر لا يملك فسخ الإجارة. وأما جمهور العلماء فعندهم لا تنفسخ بالموت، سواء قيل: إن المستأجر ملك المنفعة أو ملك أن يملكها، وأن الوارث لم ينتقل إليه منفعة العين المؤجرة.

وأما إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه فهنا تنفسخ في أظهر قولي العلماء، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، لأن البطن الأول ليس له ولاية التصرف في حق البطن الثاني إلا أن يكون المؤجر ناظرا له الولاية على البطنين. فكذلك الإقطاع، إذا قدر أن المقطع مات أو أخذ منه الإقطاع كان كالموقوف عليه تنفسخ الإجارة عند الجمهور، ويبقى زرع المستأجر محترما، يبقيه بأجرة المثل إلى [ ص: 403 ] كمال بلوغه، كما يقال مثل ذلك في الوقف، وليست إجارة المقطع الأول لازمة للثاني كالبطن الأول مع الثاني.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث