الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الثالثة :

                                                                                                                                                                                                              اختلف الناس في : { كتب عليكم القصاص في القتلى } ; فقيل : هو كلام عام مستقل بنفسه ; وهو قول أبي حنيفة .

                                                                                                                                                                                                              وقال سائرهم : لا يتم الكلام هاهنا ; وإنما ينقضي عند قوله تعالى : { الأنثى بالأنثى } وهو تفسير له ، وتتميم لمعناه ، منهم مالك والشافعي .

                                                                                                                                                                                                              فائدة : ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانين وأربعمائة فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني زائرا للخليل صلوات الله عليه فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة طهرها الله معه ، وشهد علماء البلد ، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر ، فقال : يقتل به قصاصا ; فطولب بالدليل ، فقال : الدليل عليه قوله تعالى { كتب عليكم القصاص في القتلى } . وهذا عام في كل قتيل .

                                                                                                                                                                                                              فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية بها وإمامهم عطاء المقدسي ، وقال : ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الله سبحانه قال : { كتب عليكم القصاص } فشرط المساواة في المجازاة ، ولا مساواة بين المسلم والكافر ; فإن الكفر حط منزلته ووضع مرتبته . [ ص: 91 ]

                                                                                                                                                                                                              الثاني : أن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها ، وجعل بيانها عند تمامها ، فقال : { كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } فإذا نقص العبد عن الحر بالرق ، وهو من آثار الكفر فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر .

                                                                                                                                                                                                              الثالث أن الله سبحانه وتعالى قال : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف } ; ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر ; فدل على عدم دخوله في هذا القول .

                                                                                                                                                                                                              فقال الزوزني : بل ذلك دليل صحيح ، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء .

                                                                                                                                                                                                              أما قولك : إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول .

                                                                                                                                                                                                              وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة فغير صحيح فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص ، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد ; فإن الذمي محقون الدم على التأبيد ، والمسلم محقون الدم على التأبيد ، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام ، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي ; وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم ; فدل على مساواته لدمه ; إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه .

                                                                                                                                                                                                              وأما قولك : إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم ; فإن أول الآية عام وآخرها خاص ، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها ; بل يجري كل على حكمه من عموم أو خصوص .

                                                                                                                                                                                                              وأما قولك : إن الحر لا يقتل بالعبد ، فلا أسلم به ; بل يقتل به عندي قصاصا ، فتعلقت بدعوى لا تصح لك .

                                                                                                                                                                                                              وأما قولك : فمن عفي له من أخيه شيء يعني المسلم ، فكذلك أقول ، ولكن هذا خصوص في العفو ; فلا يمنع من عموم ورود القصاص ، فإنهما قضيتان متباينتان ; فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى ، ولا خصوص هذه يناقض عموم [ ص: 92 ] تلك .

                                                                                                                                                                                                              وجرت في ذلك مناظرة عظيمة حصلنا منها فوائد جمة أثبتناها في " نزهة الناظر " ، وهذا المقدار يكفي هنا منها .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية