الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ( 264 ) )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بذلك : فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس ، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر " والهاء " في قوله : ( فمثله ) عائدة على " الذي " ( كمثل صفوان ) " والصفوان " واحد وجمع ، فمن جعله جمعا فالواحدة " صفوانة " بمنزلة " تمرة وتمر " و " نخلة ونخل " . ومن جعله واحدا ، جمعه " صفوان ، وصفي ، وصفي " كما قال الشاعر : .


مواقع الطير على الصفي



[ ص: 524 ]

و " الصفوان " هو " الصفا " وهي الحجارة الملس .

وقوله : ( عليه تراب ) يعني : على الصفوان تراب ( فأصابه ) يعني : أصاب الصفوان ( وابل ) وهو المطر الشديد العظيم ، كما قال امرؤ القيس :


ساعة ثم انتحاها وابل     ساقط الأكناف واه منهمر



يقال منه : " وبلت السماء فهي تبل وبلا " وقد : " وبلت الأرض فهي توبل " .

وقوله : ( فتركه صلدا ) يقول : فترك الوابل الصفوان صلدا .

و " الصلد " من الحجارة : الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره ، وهو من الأرضين ما لا ينبت فيه شيء ، وكذلك من الرءوس ، كما قال رؤبة :


لما رأتني خلق المموه     براق أصلاد الجبين الأجله

[ ص: 525 ]

ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي : " قدر صلود " " وقد صلدت تصلد صلودا ، ومنه قول تأبط شرا :


ولست بجلب جلب رعد وقرة     ولا بصفا صلد عن الخير أعزل



ثم رجع - تعالى ذكره - إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثل لأعمالهم ، فقال : فكذلك أعمالهم بمنزلة الصفوان الذي كان عليه تراب ، فأصابه الوابل من المطر ، فذهب بما عليه من التراب ، فتركه نقيا لا تراب عليه ولا شيء يراهم المسلمون في الظاهر أن لهم أعمالا - كما يرى التراب على هذا الصفوان - بما يراؤونهم به ، فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله ، اضمحل ذلك كله ؛ لأنه لم يكن لله ، [ ص: 526 ] كما ذهب الوابل من المطر بما كان على الصفوان من التراب ، فتركه أملس لا شيء عليه

فذلك قوله : ( لا يقدرون ) يعني به : الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر يقول : لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شيء مما كسبوا في الدنيا ؛ لأنهم لم يعملوا لمعادهم ، ولا لطلب ما عند الله في الآخرة ، ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلب حمدهم ، وإنما حظهم من أعمالهم ما أرادوه وطلبوه بها .

ثم أخبر - تعالى ذكره - أنه ( لا يهدي القوم الكافرين ) ، يقول : لا يسددهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها فيوفقهم لها ، وهم للباطل عليها مؤثرون ، ولكنه يتركهم في ضلالتهم يعمهون .

فقال - تعالى ذكره - للمؤمنين : لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفة أعمالهم ، فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنكم على من تصدقتم بها عليه وأذاكم لهم ، كما بطل أجر نفقة المنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس ، وهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر عند الله .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

6040 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) فقرأ حتى بلغ : ( على شيء مما كسبوا ) ، فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ ، كما ترك هذا المطر الصفاة الحجر ليس [ ص: 527 ] عليه شيء ، أنقى ما كان عليه .

6041 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ) إلى قوله : ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القيامة يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيا لا شيء عليه .

6042 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) إلى قوله : ( على شيء مما كسبوا ) أما الصفوان الذي عليه تراب فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلدا . فكذلك هذا الذي ينفق ماله رياء الناس ، ذهب الرياء بنفقته ، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيا ، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم . فقال للمؤمنين : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) فتبطل كما بطلت صدقة الرياء .

6043 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى . فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، فضرب الله مثلهما جميعا : ( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ) فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منا وأذى .

6044 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) إلى ( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ) ليس عليه شيء ، وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب .

6045 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج قال : [ ص: 528 ] قال ابن جريج في قوله : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) قال : يمن بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها .

6046 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ) ، فقرأ : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) حتى بلغ : ( لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) ثم قال : أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئا ؟ فكذلك منك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئا . وقرأ قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ، وقرأ : ( وما أنفقتم من نفقة ) ، فقرأ حتى بلغ : ( وأنتم لا تظلمون ) . [ البقرة : 270 - 272 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث