الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منهما بالعقود

( الفرق الخامس والخمسون والمائة بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منهما بالعقود على المشهور من مذهب مالك )

وفيها ثلاثة أقوال

( أحدها ) عدم التقرر مطلقا وهو المشهور

( وثانيها ) التقرر مطلقا والطلاق مشطر

( وثالثها ) النصف يتقرر بالعقد والنصف الآخر غير متقرر حتى يسقط بالطلاق أو يثبت بالدخول أو الموت وأما أثمان البيعان فلم أعلم فيها خلافا وسر الفرق أن الصداق في النكاح شرط في الإباحة وشأن الشرط أن يتعين ثبوته عند ثبوت المشروط وليس الناس يقصدون بالصداق المعاوضة بل التجمل وصاحب الشرع أيضا لم يرد المعاوضة بدليل أنه لم يشترط فيه شروط الإعراض من نفي الجهالة للمرأة بل يجوز العقد على المجهولة مطلقا ولا يتعرض لتحديد مدة الانتفاع أيضا وذلك وشبهه دليل على عدم القصد إلى المعاوضة بل شرط الإباحة فلا يتقرر شيء إلا عند الدخول أو الموت لأن الصداق إنما التزم إلى أقصر الزوجين عمرا وليس الوطأة الأولى هي مقابلة الصداق بالعوضية لأنها ليست مقصود العقلاء بالصداق بشهادة العادة وإنما الشرع جعله شرطا لأصل الإباحة فمن لاحظ هذه القاعدة قال [ ص: 142 ] بعدم التقرر مطلقا إلا بموت أو فراق أو دخول ومن لاحظ قاعدة أخرى وهي أن الأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإنها أسبابها والأصل ترتب المسببات على أسبابها فيجب الجميع بالعقد كثمن المبيع ومن لاحظ قاعدة أخرى وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سببيته له وقد قال الله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } فرتب النصف على الطلاق فيكون سببه فيجب النصف بالطلاق خاصة ويبقى التكميل موقوفا على سبب آخر وهو الموت أو الدخول فهذا تحرير الفرق بين البابين .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الخامس والخمسون والمائة بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود بلا خلاف وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منها بالعقود مطلقا على المشهور من مذهب مالك )

ومقابل المشهور قولان أحدهما التقرر مطلقا والطلاق مشطر وثانيهما النصف يتقرر بالعقد والنصف الآخر غير متقرر حتى يسقط بالطلاق أو يثبت بالدخول أو الموت ( فالنظر هنا ) في ثلاثة أمور الأمر الأول سر الفرق بين البابين على المشهور في الصداق والأمر الثاني سبب الخلاف والأمر الثالث ثمرة الخلاف ( أما الأمر الأول ) فهو أن المشهور لاحظ أن الصداق شرط في الإباحة لا عوض عن الوطأة الأولى لوجهين

( الأول ) أن الناس لا يقصدون به المعاوضة بل التحمل بشهادة العادة أن العقلاء لا يقصدون الوطأة الأولى بالصداق

( الوجه الثاني ) أن صاحب الشرع أيضا لم يرد المعاوضة بدليل أنه لم يشترط فيه شروط الأعواض من نفي الجهالة للمرأة بل يجوز العقد على المجهولة مطلقا ولا نعرض لتحديد مدة الانتفاع أيضا وذلك وشبهه دليل على عدم قصد صاحب الشرع إلى المعاوضة وأنه إنما جعله شرطا لأصل الإباحة وقاعدة الشرط أن يتعين [ ص: 177 ] ثبوته عند ثبوت المشروط فلذا قال في المشهور بعدم التقرر مطلقا إلا بالدخول أو بالموت لأن الصداق إنما التزم إلى أقصر الزوجين عمرا أو بالفراق ولم يجعله كالثمن

( وأما الأمر الثاني ) فهو أن هذه القاعدة يعارضها قاعدتان أخريان

( القاعدة الأولى ) أن الأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإنها أسبابها والأصل ترتب المسببات على أسبابها فمن لاحظ هذه القاعدة قال يجب الجميع بالعقد كثمن المبيع

( والقاعدة الثانية ) أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سبيبته وقد قال الله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } فرتب النصف على الطلاق فيكون سببه فمن لاحظ هذه القاعدة قال يجب النصف بالطلاق خاصة ويبقى التكميل موقوفا على سبب آخر وهو الموت أو الدخول كذا في الأصل

( وأما الأمر الثالث ) قال ابن رشد الحفيد في بدايته ما يعرض للصداق من التغييرات قبل الطلاق لا يخلو أن يكون من قبلها أو من قبل الله فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه إما أن يكون تلفا للكل وإما أن يكون نقصا وإما أن يكون زيادة وإما أن يكون زيادة ونقصا معا وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت مثل البيع والعتق والهبة أو يكون تصرفها فيه في منافعها الخاصة بها أو فيما تتجهز به إلى زوجها فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي النقصان شريكان وعند الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا يرجع بنصف الزيادة وسبب اختلافهم : هل تملك المرأة الصداق قبل الدخول أو الموت ملكا مستقرا أو لا تملكه فمن قال إنها لا تملكه ملكا مستقرا قال هما فيه شريكان ما لم تتعد فتدخله في منافعها ومن قال تملكه ملكا مستقرا والتشطير حق واجب تعين عليها عند الطلاق وبعد استقرار الملك أوجب الرجوع عليها بجميع ما ذهب عندها ولم يختلفوا أنها إذا صرفته في منافعها ضامنة للنصف واختلفوا إذا اشترت به ما يصلحها للجهاز مما جرت به العادة هل يرجع عليها بنصف ما اشترته أم بنصف الصداق الذي هو الثمن فقال مالك يرجع عليها بنصف ما اشترته وقال أبو حنيفة والشافعي يرجع عليها بنصف الثمن الذي هو الصداق ا هـ والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث