الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله تعالى : ولا تأكلوا الآية .

أخرج الفريابي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد وأبو داود ، وابن ماجه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ ، وابن مردويه والطبراني ، والحاكم وصححه والبيهقي في "سننه" ، عن ابن عباس قال : قال المشركون - وفي لفظ : قالت اليهود - : لا تأكلون مما قتل الله وتأكلون مما قتلتم أنتم ! فأنزل الله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ ، عن الضحاك قال : قال المشركون لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : هذا الذي تذبحون أنتم تأكلونه ، فهذا الذي يموت من قتله ؟ قالوا : الله ، قالوا : فما قتل الله تحرمونه وما قتلتم أنتم تحلونه ! فأنزل الله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق الآية .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني ، وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا ، فقالوا له : ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال : [ ص: 186 ] وما ذبح الله بشمشار من ذهب - يعني الميتة - فهو حرام ! فنزلت هذه الآية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم قال : الشياطين من فارس وأولياؤهم قريش .

وأخرج أبو داود في ناسخه ، عن عكرمة ، أن المشركين دخلوا على نبي الله صلى الله عليه وسلم قالوا : أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها ؟ قال : الله قتلها ، قالوا : فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتله الله حرام ! فأنزل الله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن ابن عباس : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه يعني الميتة .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس قال : يوحي الشياطين إلى أوليائهم من المشركين أن يقولوا : تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ! فقال : إن الذي قتلتم يذكر اسم الله عليه ، وإن الذي مات لم يذكر اسم الله عليه .

[ ص: 187 ] وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس [158ظ] قال : قالوا : يا محمد ، أما ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه وأما ما قتل ربكم فتحرمونه فأنزل الله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم في كل ما نهيتكم عنه إنكم إذا لمشركون .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، عن قتادة قال : عمد عدو الله إبليس إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم : خاصموا أصحاب محمد في الميتة فقولوا : أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون ، وأما ما قتل الله فلا تأكلون ! وأنتم زعمتم أنكم تتبعون أمر الله ، فأنزل الله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون وإنا والله ما نعلمه كان شركا قط إلا في إحدى ثلاث ؛ أن يدعى مع الله إله آخر ، أو يسجد لغير الله ، أو تسمى الذبائح لغير الله .

وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ من طريق ابن جريج ، عن ابن عباس في قوله : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم قال : إبليس أوحى إلى مشركي قريش .

وأخرج عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، عن ابن عباس قال : من ذبح فنسي أن [ ص: 188 ] يسمي، فليذكر اسم الله عليه وليأكل ، ولا يدعه للشيطان إذا ذبح على الفطرة ، فإن اسم الله في قلب كل مسلم .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن أبي مالك في الرجل يذبح وينسى أن يسمي ، قال : لا بأس به ، قيل : فأين قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال : إنما ذبحت بدينك .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عطاء في قوله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال : نهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش على الأوثان ، وينهى عن ذبائح المجوس .

وأخرج عبد بن حميد ، عن راشد بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذبيحة المسلم حلال، سمى أو لم يسم، ما لم يتعمد ، والصيد كذلك .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، والبيهقي ، عن عروة قال : كان قوم أسلموا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقدموا بلحم إلى المدينة يبيعونه ، فتجيشت أنفس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منه وقالوا : لعلهم لم يسموا ، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : [ ص: 189 ] سموا أنتم وكلوا .

وأخرج البيهقي ، عن ابن عباس قال : إذا ذبح المسلم ونسي أن يذكر اسم الله فليأكل ، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله .

وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه ، عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اسم الله على كل مسلم .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن طاوس قال : مع المسلم ذكر الله ، فإن ذبح ونسي أن يسمي فليسم وليأكل ، فإن المجوسي لو سمى الله على ذبيحته لم تؤكل .

وأخرج أبو داود والبيهقي في "سننه" ، وابن مردويه ، عن ابن عباس ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق : فنسخ واستثنى من ذلك فقال : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [المائدة : 5] .

وأخرج عبد بن حميد ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال : كلوا [ ص: 190 ] ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكر اسم الله عليه .

وأخرج عبد بن حميد ، عن محمد بن سيرين في الرجل يذبح وينسى أن يسمي قال : لا يأكل .

وأخرج النحاس ، عن الشعبي قال : لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال إبليس : يا رب، كل خلقك بينت رزقه ففيم رزقي ؟ قال : فيما لم يذكر اسمي عليه .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف ، عن معمر قال : بلغني أن رجلا سأل ابن عمر عن ذبيحة اليهودي والنصراني ، فتلا عليه : أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب [المائدة : 5] وتلا : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وتلا عليه : وما أهل به لغير الله [المائدة : 3 ، النحل : 15] قال : فجعل الرجل يردد عليه ، فقال ابن عمر : لعن الله اليهود والنصارى وكفرة الأعراب ، فإن هذا وأصحابه يسألوني ، فإذا لم أوافقهم أنشئوا يخاصموني .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مكحول قال : أنزل الله في القرآن : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ثم نسخها الرب عز وجل ورحم المسلمين فقال : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [ ص: 191 ] فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير في قوله : وإن أطعتموهم يعني في أكل الميتة استحلالا ، إنكم لمشركون مثلهم .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الشعبي أنه سئل عن قوله : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون فقيل تزعم الخوارج أنها في الأمراء . قال : كذبوا إنما أنزلت هذه الآية في المشركين ، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : أما ما قتل الله فلا تأكلوا منه - يعني الميتة - وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه ، فأنزل الله : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلى قوله : إنكم لمشركون قال : لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر أنه قيل له : إن المختار يزعم أنه يوحى إليه . قال : صدق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي زميل قال : كنت قاعدا عند ابن عباس وحج المختار بن أبي عبيد ، فجاء رجل فقال : يا أبا عباس زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة ، فقال ابن عباس : صدق ، فنفرت وقلت : يقول ابن عباس : صدق ، فقال ابن عباس : هما وحيان وحي الله ، ووحي الشيطان ، فوحي الله إلى [ ص: 192 ] محمد صلى الله عليه وسلم ، ووحي الشيطان إلى أوليائه . ثم قرأ : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث