الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله عز وجل وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قوله عز وجل:

وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب

"إن" شرط دخلت عليها "ما"، وهي قبل الفعل، فصارت بعد في ذلك بمنزلة اللام المؤكدة في القسم التي تكون قبل الفعل في قولك: "والله لتخرجن"، فلذلك يحسن أن تدخل النون الثقيلة في قولك "نرينك" لحلولها هنا محل اللام هناك، ولو لم تدخل "ما" لما جاز ذلك إلا في الشعر.

وخص "البعض" بالذكر إذ مفهوم أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي به الأقدار مما يوعد به الكفار، وكذلك أعطى الوجود، ألا ترى أن أكثر الفتوح إنما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم، و"أو" عاطفة.

وقوله: "فإنما" جواب الشرط، ومعنى الآية: إن تبق يا محمد لترى، أو نتوفينك [ ص: 215 ] فعلى كلا الوجهين إنما يلزمك البلاغ فقط. وقوله: "نعدهم" يحتمل أن يريد به المضار التي توعد بها الكفار، فأطلق فيها لفظة الوعد لما كانت تلك المضار معلومة مصرحا بها، ويحتمل أن يريد الوعد لمحمد عليه الصلاة والسلام في إهلاك الكفر، ثم أضاف الوعد إليهم لما كان في شأنهم.

والضمير في قوله: "يروا" عائد على كفار قريش ، وهم المتقدم ضميرهم في قوله: "نعدهم"، وقوله: نأتي الأرض معناه: بالقدرة والأمر، كما قال الله تعالى: فأتى الله بنيانهم من القواعد . و"الأرض" يريد به اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفار المذكورين، وهذا بحسب الاختلاف في قوله: ننقصها من أطرافها . وقرأ الجمهور: "ننقصها" وقرأ الضحاك : "ننقصها" وقوله: من أطرافها ، من قال: " إنها أرض الكفار المذكورين" قال: معناه: ألم يروا أنا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك من القبائل والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضا كما فعلنا بمجاوريهم؟ قاله ابن عباس ، والضحاك ، وهذا القول لا يتأتى إلا بأن نقدر نزول هذه الآية بالمدينة. ومن قال: "إن "الأرض" اسم جنس" جعل الانتقاص من الأطراف بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفرة، هذا قول ابن عباس أيضا ومجاهد ، وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت البشر، وهلاك الثمرات، ونقص البركة، قاله ابن عباس أيضا والشعبي ، وعكرمة ، وقتادة . وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت الأخيار والعلماء، قال ذلك ابن عباس أيضا ومجاهد ، وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية. والطرف من كل شيء: خياره، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "العلوم أودية، في أي واد أخذت منها حسرت، فخذوا من كل شيء طرفا"، يعني خيارا. وجملة معنى هذه الآية الموعظة وضرب المثل، أي: ألم يروا فيقع منهم اتعاظ، وأليق ما يقصد لفظ الآية هو تنقص الأرض بالفتوح على محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: لا معقب أي: لا راد ولا مناقض يتعقب أحكامه، أي: ينظر في أعقابها، أمصيبة هي أم لا؟ وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة ليست بعدد.

[ ص: 216 ] و"المكر": ما يتمرس بالإنسان ويسعى عليه، علم بذلك أو لم يعلم، فوصف الله تعالى الأمم التي سعت على أنبيائها، كما فعلت قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم بالمكر، وقوله: فلله المكر جميعا ، أي العقوبات التي أحلها بهم، وسماها مكرا على عرف تسمية المعاقبة باسم الذنب، كقوله تعالى: الله يستهزئ بهم ونحو هذا، وفي قوله تعالى: يعلم ما تكسب كل نفس تنبيه وتحذير في طي إخبار. ثم توعدهم تبارك وتعالى بقوله: وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ، وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو : "الكافر" على الإفراد، وهو اسم الجنس، وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : "الكفار"، وقرأ ابن مسعود : "الكافرون"، وقرأ أبي بن كعب: "الذين كفروا"، وتقدم القول في عقبى الدار قبل هذا.

وقوله تعالى: ويقول الذين كفروا الآية. المعنى: ويكذبك يا محمد هؤلاء الكفرة، ويقولون: لست مرسلا من الله، وإنما أنت مدع، قل لهم: كفى بالله شهيدا ، و"بالله" في موضع رفع، التقدير: كفى الله، و "شهيد" بمعنى: شاهد، وقوله: ومن عنده علم الكتاب ، قيل: يريد اليهود والنصارى الذين عندهم الكتب الناطقة السابقة برفض الأصنام وتوحيد الله تبارك وتعالى، يريد من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وسلمان الفارسي، الذين يشهدون بتصديق محمد عليه الصلاة والسلام، وقال مجاهد : يريد عبد الله بن سلام خاصة، قال هو: في نزلت ومن عنده علم الكتاب .

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وهذان القولان الأخيران لا يستقيمان إلا أن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية، قاله سعيد بن جبير ، وقال: لا يصح أن تكون الآية في عبد الله بن سلام لكونها مكية، وكان يقرأ: ومن عنده علم الكتاب .

[ ص: 217 ] وقيل: يريد الله تعالى، كأنه استشهد بالله سبحانه، ثم ذكره بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة تعظيم، ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف وذلك لا يجوز وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض، ويحتمل أن تكون "من" في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف والتقدير: أعدل وأمضى قولا، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ "شهيدا"، ويراد بذلك الله تعالى.

وقرأ علي بن أبي طالب ، وأبي بن كعب، وابن عباس ، وابن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، والحكم، وغيرهم: "ومن عنده علم الكتاب" بكسر الميم من (من) وخفض الدال، قال أبو الفتح : ورويت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقرأ علي بن أبي طالب أيضا، والحسن، وابن السميفع: "ومن عنده علم الكتاب" بكسر الميم والدال، وبضم العين وكسر اللام على ما لم يسم فاعله ورفع "الكتاب"، وهذه القراءات يراد فيها الله تعالى، لا يحتمل لفظها غير ذلك.

تم تفسير سورة الرعد والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث