الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله عز وجل ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ) فيصدقون بها ، ويحملون عليها في سبيل الله ، ويقوون بها أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين في سبيل الله ، وفي غير ذلك من طاعات الله طلب مرضاته . [ ص: 531 ] ( وتثبيتا من أنفسهم ) يعني بذلك : وتثبيتا لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقا من قول القائل : " ثبت فلانا في هذا الأمر " - إذا صححت عزمه ، وحققته ، وقويت فيه رأيه - " أثبته تثبيتا " كما قال ابن رواحة :


فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا



وإنما عنى الله - جل وعز - بذلك أن أنفسهم كانت موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير من ولا أذى ، فثبتتهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله ، وصححت عزمهم وآراءهم ، يقينا منها بذلك ، وتصديقا بوعد الله إياها ما وعدها . ولذلك قال من قال من أهل التأويل في قوله : ( وتثبيتا ) وتصديقا ، ومن قال منهم : ويقينا ؛ لأن تثبيت أنفس المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله إياهم إنما كان عن يقين منها وتصديق بوعد الله .

ذكر من قال ذلك من أهل التأويل :

6063 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا يحيى قال : حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الشعبي : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : تصديقا ويقينا . [ ص: 532 ]

6064 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الشعبي : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : وتصديقا من أنفسهم : ثبات ونصرة .

6065 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : يقينا من أنفسهم . قال : التثبيت اليقين .

6066 - حدثني يونس قال : حدثنا علي بن معبد ، عن أبي معاوية ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح في قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) يقول : يقينا من عند أنفسهم .

وقال آخرون : معنى قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) أنهم كانوا يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم .

ذكر من قال ذلك :

6067 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا مؤمل قال : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : يتثبتون أين يضعون أموالهم .

6068 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : حدثنا ابن المبارك ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد : ( وتثبيتا من أنفسهم ) فقلت له : ما ذلك التثبيت ؟ قال : يتثبتون أين يضعون أموالهم .

6069 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : كانوا يتثبتون أين يضعونها .

6070 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن علي بن علي بن رفاعة ، عن الحسن في قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال : كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم - يعني زكاتهم . [ ص: 533 ]

6071 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد قال : حدثنا ابن المبارك ، عن علي بن علي قال : سمعت الحسن قرأ : ( ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ) قال : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإن كان لله مضى ، وإن خالطه شك أمسك .

قال أبو جعفر : وهذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن ، تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة ، وذلك أنهم تأولوا قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) بمعنى : " وتثبتا " فزعموا أن ذلك إنما قيل كذلك ؛ لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم . ولو كان التأويل كذلك ، لكان : " وتثبتا من أنفسهم " ; لأن المصدر من الكلام إن كان على " تفعلت " " التفعل " فيقال : " تكرمت تكرما " " وتكلمت تكلما " وكما قال جل ثناؤه : ( أو يأخذهم على تخوف ) [ النحل : 47 ] من قول القائل : " تخوف فلان هذا الأمر تخوفا " . فكذلك قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) لو كان من " تثبت القوم في وضع صدقاتهم مواضعها " لكان الكلام : " وتثبتا من أنفسهم " لا " وتثبيتا " . ولكن معنى ذلك ما قلنا من أنه : وتثبيت من أنفس القوم إياهم بصحة العزم واليقين بوعد الله - تعالى ذكره - .

فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول الله عز وجل : ( وتبتل إليه تبتيلا ) [ المزمل : 8 ] ، ولم يقل : " تبتلا " .

قيل : إن هذا مخالف لذلك . وذلك أن هذا إنما جاز أن يقال فيه : " تبتيلا " لظهور " وتبتل إليه " فكان في ظهوره دلالة على متروك من الكلام الذي منه [ ص: 534 ] قيل : " تبتيلا " . وذلك أن المتروك هو : " تبتل فيبتلك الله إليه تبتيلا " . وقد تفعل العرب مثل ذلك أحيانا ، تخرج المصادر على غير ألفاظ الأفعال التي تقدمتها ، إذا كانت الأفعال المتقدمة تدل على ما أخرجت منه ، كما قال جل وعز : ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) [ نوح : 17 ] . وقال : ( وأنبتها نباتا حسنا ) [ آل عمران : 37 ] . " والنبات " : مصدر " نبت " . وإنما جاز ذلك لمجيء " أنبت " قبله ، فدل على المتروك الذي منه قيل " نباتا " والمعنى : " والله أنبتكم فنبتم من الأرض نباتا " . وليس [ في ] قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) كلاما يجوز أن يكون متوهما به أنه معدول عن بنائه ، ومعنى الكلام : " ويتثبتون في وضع الصدقات مواضعها " فيصرف إلى المعاني التي صرف إليها قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) ، وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأفعال التي هي ظاهرة قبلها .

وقال آخرون : معنى قوله : ( وتثبيتا من أنفسهم ) احتسابا من أنفسهم .

ذكر من قال ذلك :

6073 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( وتثبيتا من أنفسهم ) يقول : احتسابا من أنفسهم .

قال أبو جعفر : وهذا القول أيضا بعيد المعنى من معنى " التثبيت " لأن التثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى " الاحتساب " إلا أن يكون أراد مفسره كذلك : أن أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها . فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام ، فليس الاحتساب بمعنى حينئذ للتثبيت ، فيترجم عنه به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث