الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم سماع الغناء

حكم سماع الغناء

وأما السماع بدونها، ففيه خلاف واسع بين السلف والخلف.

والذي يظهر من الرجوع إلى مقالاتهم ودلالاتهم: أن السماع المجرد عن الزمر مباح، ليس بمكروه ولا حرام، ولا أجمع أهل العلم على تحريمه، كما زعم بعضهم.

ولكن المراد به: سماع شعر رائق، أو نثر فائق، فيه ذكر الله، أو ذكر رسوله، أو كلمة حكمة، أو مقالة نصيحة، أو ترجمة حديث أو آية، أو تشبيه نفيس، أو استعارة لطيفة لم تبلغ إلى حد يكره في الإسلام.

وأما الذي اشتمل على غير ذلك، فالأولى والأحوط الاجتناب مما هنالك، كما أوضحه صاحب "دليل الطالب على أرجح المطالب" ، و "هداية السائل إلى أدلة المسائل" ، فراجعهما.

وللعلامة الشوكاني - رحمه الله - رسالة اشتملت على أقوال أهل العلم في [ ص: 394 ] مسألة السماع، وعلى ما استدل به محللوه ومحرموه، حقق فيها هذه المسألة بما لا يحتاج بعده إلى كتاب آخر، ورسالة أخرى، وسماها: "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع" ، وقال في آخرها: السماع: لا شك - بعد ما ذكرنا من اختلاف الأقوال والأدلة - أنه من الأمور المشتبهة، والمؤمنون وقافون عند الشبهات، كما ثبت ذلك في الصحيح عنه.

فمن ترك الشبهات، فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

ولا سيما إذا كان مشتملا على ذكر الخدود والقدود، والإدلال والجمال، والهجر والوصال، والضم والرشف، والتهتك والكشف، ومعاقرة العقار، وخلع العذار والوقار.

فإن سامع هذه الأنواع في مجامع السماع، لا ينجو من بلية، ولا يسلم من محنة، وإن بلغ من التصلب في ذات الله إلى حد يقصر عنه الوصف.

وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول، ولا سيما إذا كان المغني حسن الصورة والصوت; كالمرأة الحسناء، والغلام الجميل.

وما كان من الغناء الواقع في زمن العرب - في الغالب - إلا بالأشعار، فيها ذكر الحرب، وصفات الطعن والضرب، ومدح صفات الشجاعة والكرم، والتشبيب بذكر الديار، ووصف أصناف النعم.

فليحذر المتحفظ لدينه، الراغب في إسلامه عن ذلك; فإن الشيطان له حبائل ينصب لكل إنسان منها ما يليق به. وربما كان الغناء على الصفة التي وصفناها من أعظم خدائع اللعين الخبيث، ولا سيما لمن كان في زمن السيئة; فإن نفسه تميل إلى المستلذات الدنيوية بالطبع.

وأيضا السماع من أعظم الأسباب الجالبة للفقر، المذهبة للأموال وإن كانت عظيمة القدر.

[ ص: 395 ] وقد قال بعض الحكماء: إن السماع من أسباب الموت. فقيل: كيف ذلك ؟

فقال: كان الرجل يسمع فيطرب، فينفق فيسرف، فيفتقر فيغتم، فيعتل فيموت. انتهى.

وقد رأينا من ذلك وسمعنا، ما لا يسع في هذا المقام.

وليس في ذكرها وذكر أهلها بالأسماء والصفات كثير فائدة; لأن المقصود هنا: بيان النهي عن المعازف والغناءات، بالتسجيل عليها بأنها سيئات.

فالشحيح بدينه، والبخيل بإيمانه، تكفيه الإشارات عن طول العبارات، وما أحسن ما قيل:


كسانيكه بزدان برستى كنند برآو ازدولاب ستى كنند



ولله در القائل:


ومن يك وجده وجدا صحيحا     فلم يحتج إلى قلل المغني
له من ذاته طرب قديم     وسكر دائم من غير دن



وإني أقول - والله شهيد على ما نقول: إن في نفسي وجدا بألفاظ القرآن وكلمات الحديث، وطربا بالكلام الإلهي والمباني السنية، لا أتمكن من بيانه، ولا أقدر على كشفه لغيري، ليس بي وجد مثله، ولا طرب في شيء من هذه المنكرات، أو المشتبهات.

إذا تلوت آية، وخضت في لطف مبانيها وحسن معانيها، أسكر سكر الشارب بلا مبالغة.

وإذا وقفت على حديث، واستلذذت بفصاحة عبارته وبلاغة إشارته، أطرب طرب السامع، ولم أجد قط ذاك الحال، في غيرهما من المقال، وإن كان بليغا في نفسه، فصيحا في نظمه ونثره.

يهز القلب هذا القرآن، ما لا يهز مثله نظم جمال البيان من إنسان، ويطرب [ ص: 396 ] الجنان هذا الحديث من سيد ولد عدنان، ما لا يطرب مثله كلام أحد من الأعيان.

فمن كان حالته هذه، فأنى له أن يميل إلى ذاك القال والقيل ؟ !!وإن مال، فهو يعلم أنه عند هذه الطربات الربانية شيء ذاهب قليل.

قد صاحب المزمار والدف والغنا     وما اختاره من طاعة الله مذهبا
ودعه يعش في غيه وضلاله     إلى الجنة الحمراء يدعى مقربا
سيعلم يوم العرض أي بضاعة     أضاع وعند الوزن ما خف أو ربا
ويعلم ما قد كان فيه حياته     إذا صلت أعماله كلها هبا



فيا هذا! إن كنت ممن لهم عبودية للحق، وخلوص بالرب، واستقامة بالشريعة الصادقة، واتباع للسنة البيضاء، واقتداء بالكتاب المنزل من السماء، فكن عن هذه الأسكار الفانية والأشعار الزانية على طرف الثمام، والزم التقوى والعمل الصالح مع صحيح الإسلام، تدخل إن شاء الله تعالى دار السلام بالأمن والإيمان، والسلامة والإكرام.


فحي على جنات عدن فإنها     منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل لنا     نعود إلى أوطاننا ونسلم



اللهم يا رب النفس الناطقة، اهدها لما ترضى عنه، وصنها عما تسخط عليه، وتب علينا، واغفر لنا فرطاتنا في الزمان الأول إلى أن تجذبنا إليك من خوخة حسن الخاتمة، فأنت أنت، وأنا أنا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث