الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 400 ] كتاب الجمعة وغيرها من أمرها

مسألة : قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " أخبرنا إبراهيم بن محمد قال : حدثني سلمة بن عبيد الله الخطمي ، عن محمد بن كعب القرظي أنه سمع رجلا من بني وائل يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيا أو مملوكا " .

قال الماوردي : وهذا كما قال .

الجمعة من فروض الأعيان بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ، وقال تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع [ الجمعة : 9 ] . فأوجب السعي إليها ، وأوجب ترك البيع لأجلها ، ثم قال عز وجل بعد ذلك على سبيل الذم لمن تخلف عنها : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين [ الجمعة : 11 ] .

وكان سبب ذلك ما روي أن رباح بن ربيعة بن صيفي ، وهو ابن أخي أكثم بن صيفي ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لليهود يوم ، وللنصارى يوم ، فلو كان لنا يوم ، فنزلت سورة الجمعة .

وقال سبحانه على سبيل " القسم " في سورة البروج وشاهد ومشهود [ البروج : 3 ] . قال أهل التفسير : الشاهد : الجمعة ، والمشهود : يوم عرفة ، وقد رواه عطاء ، وابن المسيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

فهذا دليل الكتاب .

[ ص: 401 ] وأما السنة ، فروى الشافعي عن سفيان عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نحن الآخرون السابقون ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهذا اليوم الذي ضل عنهم ، فهدانا الله له ، الناس لنا فيه تبع ، فاليوم لنا ، ولليهود غدا ، وللنصارى بعد غد .

وروى سعيد بن المسيب عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : توبوا إلى ربكم ، عز وجل ، قبل أن تموتوا ، وبادروا إلى ربكم سبحانه بالأعمال الصالحة ، واعلموا أن الله سبحانه فرض عليكم الجمعة في عامي هذا ، في شهري هذا ، في ساعتي هذه ، فريضة مكتوبة ، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي إلى يوم القيامة جحودا بها ، واستخفافا بحقها ، فلا جمع الله تعالى له شملا ، ولا بارك له في أمره ، ألا لا صلاة له ، ألا لا صوم له ، ألا لا حج له ، ألا لا زكاة له ، ألا لا صدقة له ، ألا ولا بر له ، فمن تاب تاب الله عليه .

وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة في كل يوم جمعة ، إلا مريضا ، أو مسافرا ، أو امرأة ، أو صبيا ، أو مملوكا .

وروى أبو الجعد الضمري وكانت له صحبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يترك الجمعة رجل ثلاثا تهاونا بها إلا طبع الله على قلبه .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره .

وكان ابتداء أمر الجمعة ما حكاه أهل السير ، ونقله أصحاب الحديث ، أن رسول [ ص: 402 ] الله صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة أنفذ إليها وهو بمكة مصعب بن عمير أميرا عليها ، وأمره أن يقيم الجمعة ، وكان يدعى القارئ ، فخرج مصعب من مكة حتى ورد المدينة ، فنزل على أسعد بن زرارة ، وكان من النقباء فأخبره بأمر الجمعة وأحب مصعب أن يشرف أسعد فأمره أن يتولى الصلوات بنفسه ، فصلى أسعد بالناس الجمعة ، في حي بني بياضة بأمر مصعب " وكانت أول جمعة صليت في الإسلام ، فإن قيل فلم أمر مصعبا بإقامتها بالمدينة ، ولم يصلها هو وأصحابه بمكة ؟ قيل : يحتمل أمرين : أحدهما : قلة أصحابه عن العدد الذي تنعقد به الجمعة : لأنهم كانوا دون الأربعين حتى تموا بعمر رضي الله عنه . والثاني : وكأنه أشهر أن من شأن الجمعة إظهارها وانتشار أمرها ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفا من قريش لا يقدر على مجاهرتهم بها ، فلذلك لم يصلها ، على أنه يجوز أن تكون الجمعة ، قبل الهجرة ، لم تفرض على الأعيان ، ثم فرضت على الأعيان بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن جابرا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره بالمدينة إن الله ، عز وجل ، فرض عليكم الجمعة في عامي هذا ، في شهري هذا ، في ساعتي هذه فدل على أن الجمعة لم تكن فرضا قبل ذلك اليوم . وقد كان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية عروبة ، قال الشاعر :


نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا يوم العروبة أورادا بأوراد

وكانوا يسمون الأحد أول ، والإثنين أهون ، والثلاثاء جبارا ، والأربعاء دبارا ، والخميس مؤنسا ، والجمعة عروبة .

قال الشاعر :


أؤمل أن أعيش وإن يومي     بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته     فمؤنس أو عروبة أو شيار

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث