الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء

جزء التالي صفحة
السابق

بعد أن بين الله تعالى كون الإنسان، وتدرجه في الخلق من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وتدرجه فيها إلى أن صار إنسانا في أحسن تقويم، ذكر سبحانه وتعالى نعمة الماء في هذا الوجود، وما يخرج به في الأرض من حبوب وثمار تتشابه في شكلها، ولا تتشابه في طعمها، فهي متشابهة وغير متشابهة، فقال تعالى كلامه: وهو الذي أنـزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء

أخبر الله عن ذاته العلية أنه هو الذي أنزل من السماء ماء، فهو وحده الذي أنزل من السماء الماء فلم ينزل إلا بقدرته; وهو وحده الذي يثير السحاب حاملة المطر الذي ينزل ماء على الأرض، فنزوله من السماء، هو نزوله من السحاب; لأن السماء ما تعلو فوق الأرض، وسماها الله تعالى سماء; لأنها تغطي الناس بالغمام الذي يتكاثف فيصير ماء يهطل على الأرض مطرا، ولقد التفت البيان القرآني السامي من الغيبة إلى التكلم، فقال تعالى: فأخرجنا به نبات كل شيء أضاف الإخراج إلى ذاته العلية بصيغة المتكلم لبيان عظيم فضله، وأن إخراج النبات والنخيل والأعناب، والزيتون والرمان وغيرها من أنواع الثمر والمطعومات بإرادته، وتخيره وتشكيله لها سبحانه وتعالى، وقوله تعالى: "به" أي: منه، وبه وعن طريقه، ولقد قال تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي

وإن النص الكريم يفيد أن الله تعالى أنزل الماء وهو في ذاته نعمة؛ لأن منه حياة الأحياء من نبات وحيوان وإنسان كما قال تعالى: أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنـزلتموه من المزن أم نحن المنـزلون [ ص: 2606 ] والنعمة الثانية أنه أخرج الله تعالى به نبات كل شيء؛ أي: كل صنف من أصناف النبات من قمح، وشعير، وذرة، وأرز، وسمسم، وغير ذلك من أنواع الحبوب والبقول، وغيرها وهو منوع مختلف وإن اتحدت الأرض واتحد السقي; ولذا قال تعالى في آية أخرى: وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل

ولقد فصل الله تعالى أدوار الإنبات فقال: فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا أي: يخرج الله تعالى خضرا، أي: أخضر، غضا طريا ذا شعب، ومن هذا الأخضر الغض يخرج بعظيم قدرته حبا جامدا متراكبا أي: يركب بعضه بعضا في نظام رتيب متسق بقدرته تعالى كالسنبلة في القمح والأرز، والكوز في الذرة، وغيرها من الأنواع المختلفة، كيف تبدأ خضرا مزهرة فإذا نضجت وصارت حطاما أو قريبا من ذلك أتت بنبات نافع يكون مطعوما يغذي الأبدان، وهنا نجد عجيب قدرة الله تعالى؛ فلقت الحبة الصلبة، وجعلت منها عودا أخضر غضا، ثم جعلت من هذا العود الأخضر وقد صار ثمارا حوى حبا متراكبا صلبا.

وقد ابتدأ سبحانه وتعالى بذكر النبات; لأنه يكون منه الغذاء والكساء من العرى، كالقطن، والكتان، والتيل، وغيرها مما يكون اللباس والكساء للناس. وبعد ذلك بين سبحانه الثمرات التي تكون من النوى، وابتدأ منها بالنخيل; لأنه يجيء منه التمر، وهو إن كان فاكهة هو أيضا غذاء، وقد كان غذاء عند العرب يشبه أن يكون رئيسيا.

فقال تعالى: ومن النخل من طلعها قنوان دانية طلع النخل هو أول ما يبدو من ثمر النخل فيبدو فيه شق، فإذا شق كان العزق، وهذا العزق هو القنوان، وهو الذي بعد التمر يكون عرجونا، وتكون الشماريخ.

وفي هذا بيان نعم الله تعالى في التمر، وهو عطف على الكلام السابق جملة على جملة، ولم يقل سبحانه وتعالى: وأخرجنا النخل، وإن كان قد [ ص: 2607 ] أخرجه فعلا من النوى، ولكنه صار كالأرض يخرج منه مثل ما تخرج الأرض من نبات، وقد قدر إخراج الله لهذا القنو من الطلع، كإخراج النبات من الأرض، فإخراج القنو كإخراج النبات من الأرض بقدرة الله تعالى، و: "قنوان" جمع قنو، و: "دانية" أي: قريبة تتناولها الأيدي، وقد ذكر الدانية لأن نعمتها أقرب، ولأنه يظهر أن النخل القصير يكون طيب الجنى، ويظهر أن هذا النوع هو النخل الذي أكرم الله به السيدة البتول مريم عندما ولدت المسيح قال تعالى: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا

وقد ذكر الله تعالى النخل والتمر عقب الحب; لأن التمر كما ذكرنا يكون غذاء، وكما يقول علماء النبات: إنه غذاء كامل.

وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك الأعناب، والزيتون والرمان فقال تعالى: وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه

وقوله: "جنات" معطوفة على "نبات كل شيء" أي: أخرجنا جنات من أعناب، وأعناب جمع عنب، والجنات جمع جنة، وهي الأرض ذات الأشجار الملتفة المتكاثفة التي تجن الأرض وتظلها، وعبر عن الأعناب بالجنات; لأنه إذا نما وترعرع، وأقيمت له العرائش كان جنة ساترة للأرض وحديقة غناء، تظهر خضراؤها، وتجن أرضها، وذكرت الأعناب بعد النخيل؛ لأنه كان كثيرا في أرض العرب، ولأنه فاكهة كانت أطيب الفواكه عندهم، ولأنه غذاء ودواء من عجمه وهو نواه.

ثم ذكر سبحانه وتعالى الزيتون والرمان، معطوفين على نبات كل شيء والتقدير في كل هذا أخرجنا بالإسناد إلى الذات العلية، لبيان قدرته العظيمة وإرادته الحكيمة، وآلائه على العرب وغيرهم.

وكان النخيل وطلعه بمقتضى السياق يكون معطوفا على: " أخرجنا " ، والاختصاص عندهم بالأهمية، ولأنه أكبر الأشجار المثمرة وأعلاها، فكان موجب الاختصاص أن يتغير الإعراب.

[ ص: 2608 ] وقال تعالى: مشتبها وغير متشابه

المشتبه والمتشابه بمعنى متقارب كمستو ومتساو، وهنا في تفسير مشتبه وغير متشابه اتجاهان في الفهم:

أحدهما: أن ثمار الزيتون قد يكون متشابها في الحجم والطعم، وقد يكون غير متشابه، وذلك دليل على أن الأمر باختيار الله تعالى جعل هذا متغيرا فقد يخلق التمر متشابها في حجمه وطعمه، وقد يخرج غير متشابه في ذلك; وكل بإرادة الله تعالى.

واتجاه آخر: وهو أن تتشابه الثمرتان في أنهما من شجرة واحدة، ولكن لا تتشابهان في الطعم أو اللون والرائحة كما ترى في ثمر الرمان، فقد تكون رمانتان من شجرة واحدة، ولكنهما مختلفتان في الحجم، وطعم الثمر ولونه، ويقول بعض العلماء: إن شجر الزيتون والرمان تتشابه فيهما الأوراق، ويختلف ما ينتجانه، والحق أن الوجهين الأولين يمكن الجمع بينهما بأن يكون التشابه في العدد والحجم، وألا يكون تشابه قط، وقد قال تعالى: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه

"الينع" النضج، والمعنى: انظروا نظرة اعتبار واستبصار إذا أثمر كيف يبتدئ الثمر خيوطا رفيعة، ثم تغلظ شيئا فشيئا نامية متدرجة في نموه، حتى تصل إلى حال النضج، فإنه يكون متغير الأحوال كما يبتدئ الجنين نطفة، ثم علقة ثم مضغة حتى يصير خلقا سويا، كذلك انظر إلى الثمر، كيف يسير في نموه حتى يصير ناضجا طيبا.

ثم قال تعالى: إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون

الإشارة إلى ما تقدم من إنزال الماء من السماء، وإخراج نبات كل شيء منه، والنخيل وطلعه من قنوانه، وتدرجه من حال إلى حال، والأعناب والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه، الإشارة إلى هذا كله وما فيه من عجائب أن فيه آيات بينات على قدرة الله تعالى في تكوين الأثمار وتوالدها، وإذا كان الله تعالى [ ص: 2609 ] متصرفا في الوجود ذلك التصرف فهو الذي خلقكم، وهو قادر على إعادتكم كما بدأكم أول مرة، وقال تعالى: لقوم يؤمنون لأن أهل الإيمان هم الذين يدركون حكمة الله تعالى فيما خلق، وهم الذين يذعنون للحقائق إذا بدت آياتها.

وخاطب بالإشارة بالجمع بقوله تعالى: إن في ذلكم للتنبيه وتوجيه أنظار الجمع إلى ما في هذا الخلق أو التكوين من عبر، تعالى الله العلي القدير.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث