الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه

( الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه )

اعلم أن لفظ الصريح من قول العرب لبن صريح إذا لم يخالطه شيء ونسب صريح إذا لم يكن فيه شائبة من غيره فأما إذا كان اللفظ يدل على معنى لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد فهو صريح وفي المقدمات للقاضي أبي الوليد في الصريح ثلاثة أقوال فعند القاضي عبد الوهاب لفظ الطلاق وما تصرف منه [ ص: 153 ] وقاله أبو حنيفة .

وقال ابن القصار الصريح الطلاق وما اشتهر معه كالخلية والبرية ونحوهما ، وقيل ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز كالطلاق والسراح لقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } وقوله تعالى { أو تسريح بإحسان } والفراق لقوله تعالى { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ، وقاله الشافعي وابن حنبل وبماذا يلزم هل بالنية فقط لمالك ويريد بالنية التطليق بالكلام النفساني ، وقيل باللفظ فقط قال وهو موجود في المدونة ، وقيل لا بد من اجتماعهما هذا في الفتيا .

وأما في القضاء فيحكم عليه بصريح الطلاق وكنايته ولا يصدق اتفاقا والكناية أصلها ما فيه خفاء ومنه كنيته أبا عبد الله كأنك أخفيت الاسم بالكنية تعظيما له ومنه الكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه فالكناية هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة وفي الصحاح يقال كنيت وكنوت وكنية بضم الكاف وكسرها وضابط مشهور كلام الأصحاب أن اللفظ إن دل بالوضع اللغوي فهو صريح . وهذا هو الطلاق ؛ لأنه لإزالة مطلق القيد يقال لفظ مطلق ووجه طلق وحلال طلق وانطلقت بطنه وأطلق فلان من السجن قال صاحب الجواهر كيفما تصرفت هذه الصيغة نحو أنت طالق وأنت مطلقة ، وقد طلقتك أو الطلاق لازم أو قد أوقعت عليك الطلاق وأنا طالق منك والكناية ما ليس موضوعا له لغة لكن يحسن استعماله فيه مجازا لوجود العلاقة القريبة بينهما

قال مالك في المدونة في الكنايات نحو أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة [ ص: 154 ] أو بتلة أو حبلك على غاربك أو أنت حرام أو كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الفراق أو السراح أو اعتدي وهذه الألفاظ كلها من مجاز التشبيه فالخلية الفارغة والفراغ حقيقة في خلو جسم من جسم فشبه به خلو المرأة من عصمة النكاح والبرية من البراءة وهو مطلق السلب كيف كان المسلوب والبائن من البين وهو البعد بين الأجسام ويقال في المعاني بون لا بين شبه البعد من العصمة بالبعد بين الجسمين والبت القطع في جسم شبه به قطع العصمة ، وكذلك البتلة ومنه فاطمة البتول رضي الله عنها لانقطاعها في الشرف عن النساء ، وقيل لانقطاعها عن الأزواج إلا عليا رضي الله عنه ومنه حبلك على غاربك ؛ لأن عادة الدابة في الرعي إذا أمسك صاحبها حبلها لا تتهنى في الرعي لتوهمها أنه يجرها به .

وإذا أراد تهنئتها بالرعي ألقى حبلها على كتفها وهو غاربها فتطمئن حينئذ فشبه به طلاق المرأة ؛ لأنها تبقى مخلاة لنفسها ، وكذلك البواقي وما ليس في علاقة قريبة لا يجوز استعماله مجازا ويسمى مجاز التعقيد إذا اعتمد فيه على العلاقة البعيدة اتفق الناس على منعه كقوله تزوجت بنت الأمير ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة معتمدا على أن النكاح من لوازمه العقد لأنه مبيحه ؛ والعقد من لوازمه العاقد لأنه فاعله ؛ والعاقد من لوازمه أبوه لأنه ولده فهذا القسم وما ليس فيه علاقة البتة لا قريبة ولا بعيدة هو ما ليس بصريح ولا كناية قال صاحب الجواهر هذا نحو قوله اسقني الماء فإن أراد به الطلاق فالمشهور لزومه خلافا للشافعي واختلف الأصحاب في تعليله فقيل هو الطلاق بمجرد النية لعدم صلاحية اللفظ ، وقيل ، بل باللفظ كأن المستعمل وضعه الآن للطلاق وهو بعيد ؛ لأن إنشاء الوضع لا نجده يخطر ببال الناس في العادة عند هذا الاستعمال ، وقيل لا يلزمه طلاق وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة ؛ لأن الطلاق بالنية لا يلزم واللفظ لا يصلح وتحتاج هذه القاعدة إلى قاعدة أخرى وهي أن اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية فعلى القول بالتوقيف وأن اللغات [ ص: 155 ] وضعها الله تعالى قال المازري في شرح البرهان والغزالي في البسيط لا يجوز لأحد أن يضع لفظا لمعنى ألبتة ، بل ذلك موكول إلى الله تعالى فلا يجوز أن يضع لفظ السقي أو الأكل أو غيرهما للطلاق ولا يجوز أن يصدق ألفا ويعبر عنه بألفين للتجمل بين الناس كذا نص عليه الغزالي في مسألة الصداق في كتابه البسيط قال .

وإن فرعنا على أن اللغات اصطلاحية جاز جميع ذلك ولما كان مذهب المحققين عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح جوز مالك أن يعبر بلفظ التسبيح أو أي لفظ كان عن الطلاق إما وضعا للطلاق وإما تعبيرا من غير وضع ولا يكون هذا التعبير حقيقة ولا مجازا ، وقد نص الأصوليون على أن اللفظ في استعماله قد يعرى عن الحقيقة والمجاز ومثلوه بالتعبير عن الأرض بالسماء وبالسماء عن الأرض ونحو ذلك فكذلك هاهنا أطلق المستعمل لفظ الأكل وأراد به الطلاق وغايته أن يقال أن هذا ليس كلاما عربيا ولا يلزم من كونه [ ص: 156 ] ليس عربيا أن لا يقع به الطلاق ألا ترى أنه لو قال أنت طالقا بالنصب أو الخفض لم يكن كلاما عربيا ومع ذلك يقع به الطلاق فكذلك هاهنا إذا تحرر هذا ظهر أن اللفظ قد يكون صريحا ، وقد يكون كناية ، وقد يعرى عنهما إذا فقدت العلاقة فيه وهو غير موضوع للطلاق ، ثم الكناية تنقسم إلى ما غلب استعماله في العرف في الطلاق فيلحقه بالصريح في استغنائه عن النية قال في الكتاب كالخلية والبرية وجملة ما تقدم إلى قوله لحم الخنزير لقيام الوضع العرفي مقام الوضع اللغوي والنية إنما يحتاج إليها لتمييز المراد من اللفظ عن غير المراد في اللفظ المتردد أما ما هو صريح بوضع لغوي أو عرفي فينصرف بصراحته لما وضع له من غير احتياج إلى نية وما لم يغلب استعماله من الكنايات فهو مجاز على أصله والمجاز يفتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه ؛ لأنها الأصل ولم ينسخها عرف .

واللفظ ينصرف إليها بصراحة ، ثم المنقول من الكنايات قد ينتقل لأصل الطلاق فقط فيصير في الوضع العرفي مثل أنت طالق في اللغة فيلزم بهذه الكناية طلقة واحدة رجعية ، وقد ينتقل لأصل الطلاق مع البينونة من غير عدد فيلزم به طلقة بائنة ؛ لأنها مسماه العرفي ، وقد ينتقل للطلاق والبينونة مع وصف العدد الثلاث ويصير النطق بذلك اللفظ عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثا لغة ، ثم إنه قد يستعمل في غير الثلاث غالبا وفي الثلاث نادرا فمن الناس من يقصد الاحتياط فيحمل على الثلاث ومن الناس من يحمله على الغالب فيلزم به طلقة واحدة فحيث اختلف العلماء في هذه الصيغ فلاختلافهم في الضوابط هل وجدت أم لا وإلا فكل من سلم ضابطا سلم حكمه ويكون المذهب الحق من صادف الضابط في نفس الأمر والضعيف الفقه من توهم وجوده أو عدمه ، وليس كذلك وعلى الفقيه استيفاء النظر في ذلك ومن ذلك اختلافهم في مسألة الحرام فمن قائل لم يحصل فيها نقل ألبتة فهي كذب فلا يلزم بها شيء إلا بالنية ومن قائل يقول حصل فيها النقل ولكن الأصل الطلاق فيلزم بها طلقة واحدة رجعية ومن قائل يقول حصل فيها النقل للطلاق الثلاث وعلى هذا المنوال تتخرج جميع الصيغ هذا تلخيص ما عليه الفقهاء

( تنبيه ) الطلاق [ ص: 157 ] لإزالة مطلق القيد كما تقدم ومطلق القيد أعم من قيد النكاح والقاعدة أن الدال على إزالة الأعم دال على إزالة الأخص بالالتزام لا باللفظ ، فليس الطلاق موضوعا لإزالة خصوص قيد النكاح كما يفهم من كلام الفقهاء .

بل التحقيق أن يقال إن الطلاق موضوع لإزالة مطلق القيد يعني أي قيد كان ؛ لأنه موضوع لإزالة كل قيد حتى يندرج فيه قيد النكاح ، وإذا كان موضوعا لأي قيد كان من غير عموم فيصدق أنها طالق باعتبار قيد الحديد وإن بقيت في العصمة لأن طالق اسم فاعل واسم الفاعل يكفي فيه فرد واحد من المسمى الذي اشتق منه فلا يدل أنت طالق على إزالة العصمة مطابقة ولا التزاما ، بل لا إشعار له به من جهة اللغة ألبتة ووزان الطلاق الخروج ؛ لأن كليهما انتقال من إحاطة فكما أن الخروج يصدق عليها بأي فرد كان فيصدق أنها خارجة باعتبار حيز معين وإن بقيت في غيره كذلك يصدق عليها أنها طالق باعتبار قيد معين .

وإن بقيت في غيره نعم لو كان طالق مفيد العموم لحصل مقصود الأصحاب أو يفيد إزالة القيد المشترك بين جميع القيود حتى يلزم منه انتفاء كل قيد حصل أيضا ، ولو كان الأمر كذلك لما صدق على المنطلقة من قيد الحديد أو من طلق الولد أنها طالق ؛ لأن العموم لم يحصل وإزالة المشترك الذي يستلزم نفي كل قيد لم يحصل لكنا نجد أهل اللغة وأهل العرف يستعملونه باعتبار قيد مخصوص وإن بقيت جميع القيود فيقال لمن طلقت من ولد طالق ومن قيد الحديد طالق ؛ لأن الأصل عدم المجاز ؛ ولأن عند سماع طالق لا نفهم انتفاء كل قيد ألبتة ، بل قيدا مخصوصا لا لغة ولا عرفا ولهذا المدرك لم يعتبر ابن القصار خصوص لفظ الطلاق ، بل أعرض [ ص: 158 ] عن الوضع اللغوي واعتبر ما وضع في العرف لإزالة العصمة وإليه جنح الشافعي رضي الله عنه لكن يرد على الشافعي رضي الله عنه أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف فإن الكتاب العزيز يرد بالكنايات القريبة والبعيدة كما يرد بالحقائق والمجاز كثير في كتاب الله تعالى جدا ويعتمد في حكمه على القرائن والتصريح بالمراد وحينئذ لا يليق أن يجعل ما ورد في كتاب الله تعالى كيف كان موضوعا لذلك المعنى الذي ورد فيه ولا يحسن الاستدلال بمجرد الورود على الصراحة والوضع نعم يحسن الاستدلال بالورود على المشروعية .

أما الوضع فلا فإذا فرعنا على أن المدرك هو الاشتهار العرفي فينبغي أن لا يكون الانطلاق صريحا .

وإن كان فيه الطاء واللام والقاف وفيه [ ص: 159 ] معنى إزالة القيد ؛ لأن المشتهر هو الطلاق دون الانطلاق ، وكذلك أطلقتك وانطلقت منك وانطلقي مني وأنت منطلقة ، وقد خالفنا أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما في أنا طالق منك ؛ لأنه ليس محبوسا بالنكاح ، بل هي المحبوسة وقياسا على قوله أنا طالق فلو كان محلا للطلاق لوقع كالمرأة ؛ ولأن الرجل لا يوصف به فلا يقال زيد مطلق ونقل الباجي في المنتقى عن أبي سعيد منا ذلك ووافق المشهور الشافعي

( والجواب عن الأول ) أنه محبوس عن عمتها وأختها والزيادة على الأربع والنفقة وغيرها مما هو لازم فيخرج عن لزومه

( وعن الثاني ) أن وصفه بطالق جائز أن يكون عن امرأة فلم يعينها اللفظ ، وإذا قال أنت طالق تعين أن يكون من عصمته لتعذر تعدد الأزواج دون الزوجات

( وعن الثالث ) أن مطلق اسم مفعول يقتضي أن يكون المقتضي لطلاقه غيره وهو متعذر .

وقال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا يكون طلاقا إلا بالنية ؛ لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه ، وقال بعض الشافعية أنت الطلاق كناية ؛ لأن التعبير بالمصدر عن اسم الفاعل مجاز فيفتقر إلى النية

( وجوابه ) أنه مجاز تعين بقرينة تعذر أنها عين الطلاق ، وإذا تعين لاسم الفاعل استغنى بذلك عن النية ؛ لأن التعيين مانع [ ص: 160 ] من التردد ، والنية إنما تصلح حالة التردد

( تنبيه ) ينبغي أن يعلم أنه ليس في أصل اللغة ما يقتضي طلاق المرأة ألبتة ولا لفظة واحدة ، وهذا شيء لا يكاد يخطر بالبال وبيانه أنه إذا قال أنت طالق ثلاثا هذا أعظم ما يتوهم أنه صريح لغة ، وليس كذلك ، بل هذا لا يوجب طلاقا ألبتة بسبب أن اللغة إنما تقتضي أن هذه الصيغة وضعتها العرب للإخبار ، وهذا هو أصل الوضع ومقتضى ذلك أن يكون قوله أنت طالق ثلاثا كذبا لا عبرة به والطلاق لا يلزم بالخبر الكذب إجماعا ومن هاهنا افترق الناس فريقين

( أحدهما ) الحنفية قالت هي باقية إخبارات على حالها وإنما الشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه ، وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق ، وكذلك قالوا في صيغ العتق وجميع صيغ العقود من بعت واشتريت ونحو ذلك ( والفريق الآخر ) وهو المالكية والشافعية يقولون هذه الصيغ انتقلت في العرف عن الخبر لإنشاء الطلاق ويلزم الطلاق بالإنشاء ومتى قصد الخبر وعدل عن الإنشاء الذي انتقل إليه العرف لا يلزمه طلاق فهذه هي المذاهب الواقعة في هذه الصيغ كلها ويظهر من ذلك أنه ليس في اللغة لفظة واحدة تقتضي وقوع الطلاق من حيث هي لغوية ، بل لا بد من التقدير كما قاله الحنفية أو النقل كما قاله غيرهم .

وإذا تقرر هذا فيلزم على رأي الحنفية أن يكون لفظ الطلاق صريحا مستغنيا عن النية ؛ لأنه قد تقدم أنه لا يدل لغة على الإخبار عن إزالة قيد النكاح بخصوصه ، بل على إزالة قيد كيف كان قيد النكاح أو قيد الحديد أو غيرهما فلا ينصرف لقيد النكاح إلا بالنية ؛ لأنه ليس إخبارا عنه بخصوصه فصار كناية وصارت الألفاظ بجملتها كناية [ ص: 161 ]

فإن نوى بها الطلاق الذي هو إزالة قيد النكاح فحينئذ يلزم ما ذكروه من التصديق وإلا فلا يلزم تقدير صدقه لأنه لم يقصد الإخبار عن زوال العصمة ويلزم على رأينا القائلين بالإنشاء أن يكون ضابط الصريح ما نقل لإنشاء إزالة القيد وصار مستغنيا عن النية وما لم يصر بالنقل كذلك ويمكن استعماله في إزالة العصمة مجازا لعلاقة بينهما فهو كناية وما لا علاقة فيه كالأكل والشرب والتسبيح ونحوها يجري على الخلاف المتقدم أو يكون لا صريحا ولا كناية ، وهذا هو الذي يتجه ويكون لفظ الحرام والخلية والبرية ونحوها مما ادعي فيه النقل صريحا فلا يقال فيه إنه كناية ألحقت بالصريح ؛ لأنه لا صريح إلا بالنقل حينئذ فأي لفظ نقل كان هو الصريح من غير امتياز لفظ عن لفظ في ذلك لاستواء الجميع في عدم إفادة زوال العصمة لغة .

وفي إفادة زوالها بالنقل فلا مزية لبعضها على بعض إذا حصل فيها النقل ويلزم على هذا أيضا بحث آخر وهو أن النقل إنما هو من قبل العرف فإذا تحول العرف إلى الضد فصار المشتهر خفيا والخفي مشتهرا أن يكون ما قضينا بأنه صريح يصير كناية وما قضينا بأنه كناية يصير صريحا بحسب [ ص: 162 ] العرف الطارئ .

وكذلك إذا لم ينتقل العرف للضد ، بل بطل فقط يلزم أن لا يصير شيء من هذه الألفاظ صريحا ، بل تحتاج جميع الألفاظ في لزوم الطلاق بها إلى النية ويلزم أمر ثالث وهو أن المفتي لا يحل له أن يفتي أحدا بالطلاق حتى يعلم أنه من أهل بلد ذلك العرف الذي رتبت الفتيا عليهفإن كان من أهل بلد آخر ليس فيه ذلك العرف أفتاه بحكم الله تعالى باعتبار حال عرف بلده من صريح أو كناية على الضابط المتقدم فإن العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد خصوصا البعيدة الأقطار ويكون المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله يتفقد العرف هل هو باق أم لا فإن وجده باقيا أفتى به وإلا توقف عن الفتيا ، وهذا هو القاعدة في جميع الأحكام المبنية على العوائد كالنقود والسكك في المعاملات والمنافع في الإجارات والأيمان والوصايا والنذور في الإطلاقات فتأمل ذلك فقد غفل عنه كثير من الفقهاء ووجدوا الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى بناء على عوائد لهم وسطروها في كتبهم بناء على عوائدهم ، ثم المتأخرون وجدوا تلك الفتاوى فأفتوا بها .

وقد زالت تلك العوائد فكانوا مخطئين خارقين للإجماع فإن الفتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه خلاف الإجماع ومن ذلك لفظ الحرام والخلية والبرية ونحوها مما هو مسطور لمالك أنه يلزم به الطلاق الثلاث بناء على عادة كانت في زمانه فأكثر المالكية اليوم يفتي بلزوم الطلاق الثلاث بناء على المنقول في الكتب عن مالك وتلك العوائد قد زالت فلا نجد اليوم أحدا يطلق امرأته بالخلية ولا بالبرية ولا بحبلك على غاربك ولا بوهبتك لأهلك ، ولو وجدناه المرة بعد المرة مرات كثيرة لم يكن ذلك نقلا يوجب لزوم الطلاق الثلاث من غير نية ألا ترى أن لفظ الأسد كثير الاستعمال في الرجل الشجاع ولا يقول أحد إنه منقول إليه ، وكذلك لفظ الشمس والبدر في ذوات الجمال والبحر والغيث والندى ونحوها في الكرام الباذلين للمال ومع ذلك لم تصر هذه الألفاظ منقولة لهذه المعاني ، بل ضابط المنقول أن يصير اللفظ يفهم منه المعنى بغير قرينة وهذه الألفاظ لا تفهم منها هذه المعاني إلا بالقرينة فلذلك لم تصر منقولة فتأمل ذلك ويظهر لك ما عليه هؤلاء المتأخرون من الفتاوى الفاسدة في هذه الألفاظ ويظهر لك بهذه المباحث الفرق بين قاعدة الصريح وقاعدة ما ليس بصريح على [ ص: 163 ] القواعد الصحيحة .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه )

قلت ما قاله هنا ذكر اشتقاق وحكاية أقوال ولا كلام في ذلك [ ص: 153 ] قال ( والكناية أصلها ما فيه خفاء ومنه الكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه ) ، قلت هذا الذي أشار إليه هو المسمى عند النحاة بالاشتقاق الكبير وهو ضعيف عند محققيهم وما أرى هذه المسألة تصح عند من صححه منهم ؛ لأن الكناية ثالث حروفها ياء أو واو والكن ثالث حروفه نون إلا أن يدعي إبدال النون وفي ذلك بعد ، والله أعلم .

قال ( فالكناية هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة إلى قوله من السجن ) ، قلت ما قاله في ذلك غير صحيح فإن الطلاق ليس في اللغة لإزالة مطلق القيد ، بل لإزالة قيد العصمة خاصة وما قاله من أنه يقال لفظ مطلق ووجه طلق إشارة إلى الاشتقاق الكبير وهو ضعيف كما سبق .

قال ( قال صاحب الجواهر كيفما تصرفت هذه الصيغة إلى قوله وأنا طالق منك ) ، قلت ما قاله صاحب الجواهر صحيح وهو الصريح وما قال شهاب الدين بعد صحيح [ ص: 154 ] قال ( وتحتاج هذه القاعدة إلى قاعدة أخرى وهي أن اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية إلى قوله قالا وإن فرعنا على أن اللغات اصطلاحية جاز جميع ذلك ) ، قلت لا أدري ما دليلهما على المنع من وضع لفظ اسقني الماء لإنشاء الطلاق على طريق الاستعارة وإن كان أصله لاستدعاء سقي الماء بوضع الله تعالى [ ص: 155 ]

قال ( ولما كان مذهب المحققين عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح جوز مالك أن يعبر بلفظ التسبيح أو أي لفظ كان عن الطلاق إما وضعا للطلاق وإما تعبيرا من غير وضع ) ، قلت ما قاله من كون مالك إنما جوز التعبير بلفظ التسبيح عن الطلاق ؛ لأن المحققين مذهبهم عدم الجزم بأحد الأمرين ليس بالبين ، بل اللائق بتحري مالك واحتياطه في الأمور الدينية على تقدير بنائه على عدم الجزم أن لا يجوز التعبير بذلك لاحتمال أن يتوقف ، وأما أن يجوز بناءه على عدم الجزم بأحد الأمرين لا أراه صحيحا .

والصحيح والله أعلم أن مالكا وإن لم يجزم بأحد الأمرين فلم يقم عنده دليل على المنع أو جزم بأنها اصطلاحية أو جزم بأنها توقيفية لكنه لم يقم عنده دليل المنع من استعمال اللفظ في غير ما وضعه الله إذ ليس معنى كونها توقيفية أن الله تعالى منع من وضعنا إياها لمعنى غير ما له وضعها ولا من استعمالها في ذلك ، بل معنى كونها توقيفية أن الله وضع الألفاظ كلها لمعانيها ، ولا يلزم من ذلك أنه منعنا من وضع كل لفظ منها لغير ما وضعه له أو استعماله فيه على طريق الاستعارة أو النقل والله أعلم .

قال ( ولا يكون هذا التعبير حقيقة ولا مجازا إلى قوله وهو غير موضوع للطلاق ) ، قلت ما قاله في ذلك صحيح والله أعلم ، وكذلك ما قاله بعده صحيح أيضا [ ص: 156 ] قال

( تنبيه الطلاق لإزالة مطلق القيد كما تقدم إلى قوله ؛ ولأنا عند سماع طالق لا نفهم انتفاء [ ص: 157 ] كل قيد ألبتة ، بل قيدا مخصوصا لا لغة ولا عرفا ) ، قلت ما قاله في هذا التنبيه فاسد جدا ، بل لفظ طالق موضوع لإزالة قيد العصمة لغة ، وقد تقدم الرد عليه قبل هذا في مثل هذا القول وكل ما ذكره في تقرير ذلك دعوى لا دليل عليها غير ما استروح من الاشتقاق الكبير وهو غير صحيح عند المحققين ( قال ولهذا المدرك لم يعتبر ابن القصار خصوص لفظ الطلاق إلى قوله واعتبر ما وضع في العرف لإزالة العصمة ) ، قلت لا دليل له على أن ابن القصار اعتبر ما وضع في العرف لإزالة العصمة بناء على ما زعم ، بل إنما اعتبر ذلك تسوية بين اللغة والعرف وذلك هو [ ص: 158 ] الشأن فإن اللفظ إذا كان موضوعا في اللغة لمعنى وكان لفظ آخر فيها موضوعا فيها لغير ذلك المعنى ، ثم صار في العرف منقولا له فلا فرق فإن النقل العرفي كالوضع الأصلي ويصير إذ ذاك كل واحد من اللفظين صريحا في ذلك المعنى وإن لم يصر اللفظ الثاني منقولا لذلك المعنى ولكنه يستعمل فيه على سبيل الاستعارة والتجوز فها هنا يكون بين اللفظين فرق يكون الأول صريحا والثاني كناية فيحتاج إلى النية المعينة له لذلك المعنى والله أعلم .

قال ( وإليه جنح الشافعي رضي الله تعالى عنه لكن يرد على الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف ) ، قلت بل إذا ورد شيء في كتاب الله تعالى فإنه يحمل على أنه كذلك في الشرع أو العرف ؛ لأن ذلك هو الأصل .

قال ( فإن الكتاب العزيز يرد بالكنايات إلى قوله نعم يحصل الاستدلال بالورود على المشروعية أما الوضع فلا ) ، قلت لا يلزم من كون الكتاب العزيز يرد بالكنايات والمجازات أن لا يكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى أصلا أو عرفا ، بل مجازا حتى لا يستدل بوروده على أنه كذلك في أصل اللغة أو عرفها أو عرف الشرع فإن الكتاب العزيز كما يرد بالكنايات والمجازات يرد أيضا بالحقائق وهي الأصل حتى يدل دليل على التجوز والله أعلم . قال ( فإذا فرعنا على أن المدرك هو الاشتهار العرفي فينبغي أن لا يكون الانطلاق صريحا وإن كان فيه الطاء واللام والقاف إلى قوله انطلقي مني وأنت منطلقة ) [ ص: 159 ]

، قلت فيه إشارة إلى ذلك الاشتقاق ، وقد تقدم رده وما قاله من أنه لا يكون صريحا ولا كناية صحيح أيضا ؛ لأن الانطلاق ليس من الطلاق وإن كانا من مادة واحدة قال ( وقد خالف أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهما في أنا طالق ؛ لأنه ليس محبوسا بالنكاح إلى آخر جوابه الأول ) ليس معنى الطلاق معنى الانطلاق حتى يلزم ما جاوب به ، بل الطلاق حل العصمة فقط وهو أمر يصدر من الرجل ويقع بالمرأة فإذا قال أنا طالق منك فقد عكس المعنى فالظاهر أن يكون مجازا والله أعلم .

قال ( وعن الثاني إلى آخره ) ، قلت هو جواب ضعيف فإنه لا يكاد يخطر بالبال قال

( وعن الثالث إلى آخره ) ، قلت وهو وإن كان متعذرا حقيقة ، فليس بمتعذر مجازا قال ( وقال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا يكون طلاقا إلا بالنية ؛ لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه ) ، قلت هو كما قال ، ثم قال ( وقال بعض الشافعية أنت الطلاق إلى آخر جوابه ) ، قلت الأظهر ما قاله بعض الشافعية [ ص: 160 ] قال

( تنبيه إلى قوله أو النقل كما قاله غيرهم ) ، قلت لا شك أن هذه الصيغ وقعت في الاستعمال اللغوي إخبارات ووقعت فيه إنشاءات وما قاله الحنفية ليس بصحيح ، ولكن يبقى النظر في كونها مشتركة بين الخبر والإنشاء أو منقولة من الخبر إلى الإنشاء وكلاهما على خلاف الأصل والأظهر عندي أنها مشتركة والله أعلم .

قال ( وإذا تقرر هذا فيلزم على رأي الحنفية أن لا يكون لفظ الطلاق صريحا إلى قوله لم يقصد الإخبار عن زوال العصمة ) ، قلت إن قالت الحنفية مثل قوله من أن لفظ الطلاق لا يدل على زوال قيد العصمة بخصوصه لزمهم ما ألزمهم وإلا فلا [ ص: 161 ] قال ( ويلزم على رأينا القائلين بالإنشاء إلى قوله فلا مزية لبعضها على بعض إذا حصل فيها النقل ) ، قلت ما قاله من التسوية بين تلك الألفاظ ليس بصحيح فإن لفظ طالق يفيد زوال العصمة إما لغة على مذهب غيره وإما عرفا على مذهبه ، ولفظ أنت طالق يفيد إنشاء الطلاق عرفا أيضا ولفظ الخلية لا يفيد ذلك عرفا ، بل مجازا ولفظ أنت خلية وإن كان عرفا في الإنشاء مع أن لفظ خلية ليس عرفا في الطلاق لا يفيد بجملته إنشاء الطلاق عرفا فبين لفظ أنت طالق وأنت خلية فرق ظاهر فيلزم أن يكون لفظ أنت طالق صريحا ؛ لأن لفظ طالق على انفراده ولفظ أنت طالق بجملته كلاهما منقول عرفا هذا لزوال قيد العصمة بخصوصه والآخر لإنشاء زوال ذلك القيد ولفظ خلية على انفراده لم ينقله العرف لزوال قيد العصمة وإن كان لفظ أنت قد نقله العرف للإنشاء ، فيكون كناية والله أعلم .

( قال ) ( ويلزم على هذا أيضا بحث آخر وهو أن النقل إنما هو من قبل العرف ) ( قلت ) ما قاله إلى آخر الفرق صحيح ، وكذلك ما قال في الفرق بعده إلا ما قاله في الإنشاءات ففيه نظر



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه ) .

وذلك أن الصريح لغة كما في المختار كل خالص أي لقول العرب لبن صريح إذا لم يخالطه شيء ونسب صريح إذا لم يكن فيه شائبة من غيره وعليه فاللفظ الصريح ما يدل على معنى لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد وشرعا قال القاضي أبو الوليد بن رشد [ ص: 191 ] في المقدمات في الصريح ثلاثة أقوال فعند القاضي عبد الوهاب لفظ الطلاق وما تصرف منه ، وقاله أبو حنيفة .

وقال ابن القصار الصريح الطلاق وما اشتهر معه كالخلية والبرية ونحوهما ، وقيل ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز كالطلاق والسراح والفراق لقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } وقوله تعالى { أو تسريح بإحسان } وقوله تعالى { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ، وقاله الشافعي وابن حنبل وبماذا يلزم هل بالنية فقط لمالك ويريد بالنية التطليق بالكلام النفساني ، وقيل باللفظ فقط قال وهو موجود في المدونة ، وقيل لا بد من اجتماعهما هذا في الفتيا ، وأما في القضاء فيحكم عليه بصريح الطلاق وكنايته ولا يصدق اتفاقا ا هـ

( والقول الأول ) من الثلاثة في الصريح هو المشهور في المذهب ففي مختصر خليل ولفظة طلقت وأنا طالق أو أنت أو مطلقة أو الطلاق لي لازم لا منطلقة وتلزم واحدة إلا لنية أكثر ا هـ قال البناني أي لفظ الصريح محصور في الألفاظ الأربعة دون غيرها من سائر الألفاظ وأشار بذلك إلى ما في ضج عن القرافي من أن كلام الفقهاء يقتضي أن الصريح هو ما كان فيه الحروف الثلاثة الطاء واللام والقاف وهو مشكل لشموله نحو منطلقة ومطلوقة فلذا عدل هنا عن ضبط الصريح بما ذكر إلى ضبطه بالألفاظ الأربعة ا هـ بلفظه أي ونحو منطلقة ومطلوقة من الكنايات الخفية لا الظاهرة فضلا عن كونه من الصريح كما سيأتي فمن هنا قال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا تكون طلاقا إلا بالنية ؛ لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه

( والقول الثاني ) من الثلاثة في الذي يلزم به الصريح هو المعتمد كما في حاشية الخرشي عند قول الخرشي قوله وفي لزومه بكلامه النفسي خلاف يعني أن الرجل إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفسي كما ينشئه بلسانه من غير لفظ بلسانه فهل يلزمه الطلاق بذلك أو لا يلزمه خلاف في التشهير ، وليس معنى الكلام النفسي أن ينوي الطلاق ويصمم عليه ثم يبدو له ، ولا أن يعتقد الطلاق بقلبه من غير نطق بلسانه فإنه لا يلزمه في ذلك طلاق إجماعا ا هـ بلفظه .

والكناية لغة ما فيه خفاء ومنه كنيته أبا عبد الله كأنك أخفيت الاسم بالكنية تعظيما له وفي الصحاح يقال كنيت وكنوت وكنيته بضم الكاف وكسرها واصطلاحا هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة وسر الفرق إما على القول الأول المشهور من الثلاثة في الصريح فهو أن اللفظ إما أن يدل بالوضع اللغوي وإما أن لا يدل بالوضع العرفي فإن دل اللفظ بالوضع اللغوي وهو صيغة الطلاق كيفما تصرفت ، نحو أنت طالق وأنت مطلقة ، وقد طلقتك أو الطلاق لازم لي أو قد أوقعت عليك الطلاق وأنا طالق منك كما قاله صاحب الجواهر وتقدم مثله لخليل في مختصره فهو الصريح ؛ لأن لفظ الطلاق في اللغة موضوع لإزالة قيد العصمة خاصة على الصحيح لا لإزالة مطلق القيد وخصه العرف بإزالة قيد العصمة خاصة كما زعم الأصل قاله ابن الشاط وكون هذه الصيغ وقعت في الاستعمال اللغوي إخبارات لا يضر إما لأن الشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه ، وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق كما للحنفية ، وكذلك قالوا في صيغ العتق وجميع صيغ العقود من بعت واشتريت ونحو ذلك ، وإما لأنها كما وقعت فيه إخبارات كذلك وقعت فيه إنشاءات كما للمالكية والشافعية والحنابلة قال ابن الشاط فيبقى النظر في كونها مشتركة بين [ ص: 192 ] الخبر والإنشاء أو منقولة من الخبر إلى الإنشاء وكلاهما على خلاف الأصل والأظهر عندي أنها مشتركة والله أعلم ا هـ .

وإن لم يدل اللفظ بالوضع اللغوي لكنه إما أن يحسن استعماله فيه مجازا لوجود العلاقة القريبة بينهما كما في الكنايات الظاهرة التي قال فيها في المدونة ، نحو أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة أو بتلة أو حبلك على غاربك أو أنت حرام أو كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الفراق أو السراح أو اعتدي فهذه الألفاظ كلها من مجاز التشبيه فالخلية الفارغة والفراغ حقيقة في خلو جسم من جسم فشبه به خلو المرأة من عصمة النكاح والبرية من البراءة وهو مطلق السلب كيف كان المسلوب والبائن من البين وهو البعد بين الأجسام ويقال في المعاني بون لا بين شبه البعد من العصمة بالبعد بين الجسمين ، والبت القطع في جسم شبه به قطع العصمة ، وكذلك البتلة ومنه فاطمة البتول رضي الله عنها لانقطاعها في الشرف عن النساء ، وقيل لانقطاعها عن الأزواج إلا عليا رضي الله عنه ومنه حبلك على غاربك ؛ لأن عادة الدابة في الرعي إذا أمسك صاحبها حبلها لا تتهنى في الرعي لتوهمها أنه يجرها به ، وإذا أراد تهنئتها بالرعي ألقى حبلها على كتفها وهو غاربها فتطمئن حينئذ فشبه به طلاق المرأة ؛ لأنها تبقى مخلاة لنفسها ، وكذلك البواقي ، وإما أن لا يحسن استعماله فيه مجازا لعدم وجود العلاقة القريبة ، بل إما أن توجد بينهما العلاقة البعيدة فإذا اعتمد فيه عليها سمي مجاز التعقيد .

واتفق الناس على منعه كقوله تزوجت بنت الأمير مريدا رأيت والد عاقد الأنكحة بالمدينة معتمدا على أن النكاح من لوازمه العاقد ؛ لأنه مبيحه والعاقد من لوازمه أبوه ؛ لأنه مولده .

وأما أن لا توجد بينهما علاقة ألبتة لا قريبة ولا بعيدة ، وهذا القسم بنوعيه هو ما ليس بصريح ولا كناية أي ظاهرة ، بل هو الكناية الخفية قال صاحب الجواهر هذا نحو قوله اسقني الماء فإن أراد به الطلاق فالمشهور من مذهب مالك لزومه واختلف الأصحاب في تعليله فقيل هو طلاق بمجرد النية لعدم صلاحية اللفظ ، وقيل بل اللفظ كان المستعمل وضعه الآن للطلاق وهو بعيد ؛ لأن إنشاء الوضع لا تجده يخطر ببال الناس في العادة عند هذا الاستعمال وصحح ابن الشاط تعليل الأصل بأنه عبر بلفظ نحو اسقني عن الطلاق لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز على حد التعبير عن الأرض بالسماء ، وعن السماء بالأرض ونحوه مما نص الأصوليون على أنه مما عري في استعماله عن الحقيقة والمجاز ؛ لأن غايته ها هنا أن يقال إن لفظ نحو الأكل أو السقي إذا أطلقه المستعمل وأراد به الطلاق لم يكن كلاما عربيا ولا يلزمه من كونه ليس عربيا أن لا يقع به الطلاق ألا ترى أنه لو قال أنت طالقا بالنصب أو الخفض لم يكن كلاما عربيا ومع ذلك يقع به الطلاق قال الخطاب أي لأنه إن كان جاهلا فواضح وإن كان عالما فهازل وهزله جد أفاده عبق فكذلك ها هنا ، وقيل لا يلزمه طلاق .

وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة ؛ لأن الطلاق بالنية لا يلزم واللفظ لا يصلح إما على القول بالتوقيف وأن اللغات وضعها الله تعالى فلقول المازري في شرح البرهان والغزالي في البسيط لا يجوز أي على التوقيف لأحد أن يضع لفظا لمعنى ألبتة ، بل ذلك موكول إلى الله تعالى .

قال في البسيط فلا يجوز أن يصدق ألفا أي يسلمه صداقا ويعبر عنه بألفين للتجمل بين الناس ، وإما على القول بالاصطلاح وأن اللغات وضعها أهل اللغة أو على مذهب المحققين من عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح فلعدم العلاقة القريبة المصححة [ ص: 193 ] للاستعمال والجواب عن هذا الشق الأخير يعلم مما تقدم من تعليل الأصل الذي صححه ابن الشاط .

وأما عن الشق الأول فقال ابن الشاط ما أدري ما دليل أي المازري والغزالي على المنع من وضع لفظ اسقني الماء لإنشاء الطلاق على طريق الاستعارة وإن كان أصله لاستدعاء سقي الماء بوضع الله تعالى .

وقال والصحيح والله أعلم أن مالكا وإن لم يجزم بأحد الأمرين أي التوقيف والاصطلاح فلم يقم عنده دليل على المنع أو جزم بأنها اصطلاحية أو جزم بأنها توقيفية لكنه لم يقم عنده دليل المنع من استعمال اللفظ في غير ما وضعه الله له إذ ليس معنى كونها توقيفية أن الله تعالى منع من وضعنا إياها لمعنى غير ما له وضعها ولا من استعمالها في ذلك ، بل معنى كونها توقيفية أن الله وضع الألفاظ كلها لمعانيها ولا يلزم من ذلك أنه منعنا من وضع كل لفظ منها لغير ما وضعه له أو استعماله فيه على طريق الاستعارة أو النقل والله أعلم ا هـ بلفظه وهو ظاهر .

وإن كان للبحث فيه مجال فتأمل بإمعان وبالجملة فلفظ الطلاق أو طالق أو مطلقة يفيد زوال العصمة إما لغة على المذهب الذي صححه ابن الشاط .

وإما عرفا على مذهب الأصل ولفظ أنت طالق أو مطلقة أو الطلاق لازم لي يفيد إنشاء الطلاق عرفا أيضا عند المالكية والشافعية والحنابلة ولا يفيد ذلك عند الحنفية وإنما يفيد الخبر لغة والشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه ، وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق ، وأما لفظ خلية على انفراده فلا يفيد زوال العصمة لا لغة ولا عرفا ، بل مجازا ومثله سائر الألفاظ والكنايات الظاهرة ولفظ أنت خلية وإن كان يفيد بجملته عرفا الإنشاء إلا أن لفظ خلية لما لم يكن بمفرده يفيد عرفا الطلاق وإزالة العصمة لم يكن بجملته يفيد عرفا إنشاء الطلاق وإزالة قيد العصمة بخصوصه ، وكذا سائر ألفاظ الكنايات الظاهرة .

وإنما غلب في العرف استعماله في الطلاق وإزالة العصمة فألحق لذلك بالصريح في استغنائه عن النية لقيام الوضع العرفي مقام الوضع اللغوي في كون كل منهما ينصرف بصراحته لما وضع له من غير احتياج إلى نية إذ النية إنما يحتاج إليها في اللفظ المتردد في الدلالة على المراد وغيره لتمييز المراد منه عن غير المراد كما في نحو اسقني الماء مما لم يغلب من ألفاظ الكنايات الخفية استعماله في الطلاق وإنما استعمل فيه مجازا والمجاز يفتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة التي ينصرف إليها اللفظ بصراحته ؛ لأنها الأصل ولم ينسخها عرف فكناية الطلاق قسمان ظاهرة وهي ما غلب استعماله في العرف في الطلاق فألحق بالصريح في استغنائه عن النية وخفية وهي ما لم يغلب في العرف استعماله في الطلاق ، بل استعمل فيه مجازا فافتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه فالقسم الأول منقول في العرف من معناه اللغوي للطلاق أي إزالة العصمة .

والقسم الثاني مستعمل في الطلاق مجازا والمنقول إما أن ينقل لأصل الطلاق فقط فيصير في الوضع العرفي مثل أنت طالق في اللغة فيلزمه به طلقة واحدة رجعية وإما أن ينقل لأصل الطلاق مع البينونة من غير عدد فيلزم به طلقة بائنة ؛ لأنها مسماه العرفي وإما أن ينقل للطلاق والبينونة مع وصف العدد الثلاث فيلزمه به الطلاق الثلاث ويصير النطق بذلك اللفظ عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثا لغة إلا أن هذا إذا استعمل في غير الثلاث غالبا وفي الثلاث نادرا فمن الناس من يقصد الاحتياط فيحمله على الثلاث ومن الناس من يحمله على الغالب فيلزمه به طلقة واحدة .

فاختلاف العلماء في هذه الصيغ [ ص: 194 ] إنما هو لاختلافهم في الضوابط هل وجدت أم لا وإلا فكل من سلم ضابطا سلم حكمه ويكون المذهب الحق من صادف الضابط في نفس الأمر والضعيف الفقه من توهم وجوده أو عدمه ، وليس كذلك فعلى الفقيه استيفاء النظر في ذلك ومن ذلك اختلافهم في مسألة الحرام فمن قائل لم يحصل فيه نقل ألبتة فهي كذب فلا يلزم بها شيء إلا بالنية ومن قائل حصل فيها النقل لأصل الطلاق فيلزم بها طلقة واحدة رجعية .

ومن قائل حصل فيها النقل للطلاق الثلاث فيلزم بها الطلاق الثلاث وعلى هذا المنوال تتخرج جميع الصور هذا تلخيص ما عليه الفقهاء فمن هنا في الخرشي وحاشية العدوي عليه وشرح أقرب المسالك والصاوي عليه ما حاصله أن ألفاظ الطلاق تنقسم إلى ثمانية أقسام

( القسم الأول ) ما يلزم به طلقة واحدة رجعية إلا لنية أكثر وهو لفظ التصريح كأنت طالق ونحو اعتدي من الكناية الظاهرة

( القسم الثاني ) ما يلزم به الثلاث ولا ينوي مطلقا سواء كان مدخولا بها أم لا وهو نحو بتة وحبلك على غاربك ؛ لأن البت هو القطع فكأن الزوج قطع العصمة التي بينه وبين زوجته ولم يبق بيده منه شيء ؛ ولأن الحبل كناية عن العصمة التي بيد الزوج أي عبارة عن العصمة وكونها على غاربها أي كتفها كناية عن ملكها بالطلاق



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( القسم الثالث ) ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها ما لم ينو أكثر وهو نحو واحدة بائنة نظرا لبائنة ؛ لأن البينونة بعد الدخول بغير عوض وبغير لفظ الخلع إنما تكون ثلاثا ولم ينظر والواحدة إما لكونه صفة لمرة محذوفا أي مرة واحدة بدليل قوله بعد بائنة وإما لأنه يحتاط في الفروج ما لا يحتاط في غيرها فاعتبر لفظ بائنة وألغي لفظ واحدة قال الصاوي لكن محل هذا إذا كان عرف التحالف أن معنى البائنة المنفصلة أما إذا كان معناها الظاهرة التي لا خفاء فيها وقصد ذلك المعنى فالظاهر لا يلزمه إلا طلقة واحدة وتكون بعد الدخول رجعية ا هـ فتنبه .

( القسم الرابع ) ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها كغيرها إن لم ينو أقل وهو نحو أنت علي كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو وهبتك لأهلك أو لا عصمة لي عليك أو أنت حرام أو أو خلية أي من الزوج أو برية أو خالصة أي مني أو بائنة أو أنا بائن منك أو خلي أو بريء أو خالص

( القسم الخامس ) ما يلزم فيه الثلاث مطلقا ما لم ينو أقل وهو خليت سبيلك

( القسم السادس ) ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وينوي في غيرها وهو نحو وجهي من وجهك حرام أو وجهي على وجهك حرام أو لا نكاح بيني وبينك أو لا ملك لي عليك أو أنت سائبة أو ليس بيني وبينك حرام ولا حلال ، أو ما انقلب إليه من أهل حرام كقوله يا حرام إن نوى به الطلاق وكقوله الحلال حرام أو حرام علي أو جميع ما أملك حرام وقصد إدخال الزوجة

( القسم السابع ) ما يلزم فيه واحدة إلا لنية أكثر وهي رجعية في المدخول بها وهو فارقتك قال الدردير وكل ذلك ما لم يدل البساط والقرائن على عدم إرادة الطلاق وأن المخاطبة بلفظ مما ذكر ليست في معرض الطلاق بحال وإلا صدق في نفي الطلاق في جميع الكنايات الظاهرة كالصريح فإنه يصدق في نفيه عند قيام القرائن كما لو أخذها الطلق عند ولادتها فقال أنت طالق إعلاما أو استعلاما أو كانت مربوطة فقالت له هي أو غيرها أطلقني فقال أنت طالق ونحو ذلك مما يقتضيه الحال أي استطلقي وإلا كان كاذبا فيقع الطلاق كما في العدوي على الخرشي قال الدردير [ ص: 195 ] والضابط في الظاهرة على ما يؤخذ من كلامهم في غير واحدة بائنة أن اللفظ إن دل على قطع العصمة بالمرة لزم فيه الطلاق الثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوي وذلك مثل بتة وحبلك على غاربك من نحو قطعت العصمة بيني وبينك وعصمتك على كتفك أو على رأس جبل وإن لم يدل على ذلك ، بل دل على البينونة والبينونة لغير خلع ثلاث في المدخول بها وصادقة بواحدة في غيرها فإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا راجحا فثلاث في المدخول بها جزما كغيرها ما لم ينو الأقل كحرام وميتة وخلية وبرية ووهبتك لأهلك وما ذكر معها وإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا مساويا فثلاث مطلقا إلا لنية أقل كخليت سبيلك وإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا مرجوحا بأن كان ظهوره في غير البينونة راجحا لزمه الواحدة ما لم ينو أكثر كفارقتك

( القسم الثامن ) ما ينوي فيه وفي عدده وهو نحو اذهبي وانصرفي وانطلقي أو أنت مطلوقة أو منطلقة مما ليس من صريحه ولا من كناياته الظاهرة لاستعمالها في العرف في غير الطلاق ، بل من الكنايات الخفية إن قصد بها الطلاق لزمه وإلا فلا ا هـ .

فالانطلاق ليس من الطلاق وإن كانا من مادة واحدة هي الطاء واللام والقاف قيل وإن كانا في اللغة بمعنى إزالة مطلق القيد يقال لفظ مطلق ووجه طلق وحلال طلق وانطلقت بطنه وأطلق فلان من السجن ؛ لأن المشتهر عرفا في إزالة خصوص قيد العصمة هو الطلاق دون الانطلاق وما اشتق منه نحو أطلقتك وانطلقت منك وانطلقي مني وأنت منطلقة قال ابن الشاط وهو مبني على أمرين

( أحدهما ) أن الطلاق في اللغة لإزالة مطلق القيد والصحيح أنه في اللغة لإزالة قيد العصمة خاصة كما علمت

( وثانيهما ) القول بصحة ما يسميه النحاة بالاشتقاق الكبير أي بصحة المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في جميع الحروف الأصول من غير ترتيب مع اتحاد المعنى أو تناسبه كالحمد والمدح المسماة عند النحاة بالاشتقاق الكبير لكثرة أفراده بالنسبة للصغير الذي هو عبارة عن المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في جميع الحروف الأصول والترتيب مع اتحاد المعنى الأصلي للمادة كالضارب والضرب لاختصاص هذا بالأفعال والصفات وهو المراد عند الإطلاق وإن قلت أفراد الكبير بالنسبة إلى الأكبر الذي هو عبارة عن المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في أكثر الحروف الأصول فقط مع اتحاد المعنى أو تناسبه كالفلق والفلج بالجيم وهما الشق وزنا ومعنى والقول بصحة الاشتقاق الكبير ضعيف ، ا هـ بتوضيح من الأبياري على حواشي المغني .

قلت ومن الأكبر لا من الكبير قول الأصل ومن الكناية التي أصلها ما فيه خفاء لكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه فسقط قول ابن الشاط وما أرى هذه المسألة تصح عند من صحح الاشتقاق الكبير من النحاة ؛ لأن الكناية ثالث حروفها ياء أو واو ولكن ثالث حروفه نون إلا أن يدعى إبدال النون وفي ذلك بعد والله أعلم ا هـ فتأمل منصفا .

وأما من قال لزوجته أنت طال ولم ينطق بالقاف فقال العلامة الرهوني إن قصد أن ينطق به كذلك من أول الأمر مريدا به الطلاق كان من الكنايات الخفية فيلزم بالنية كقوله لها أنت قالق بإبدال الطاء قافا أو مثناة فوقية حيث لم تكن لغته كذلك كما قاله عج وتبعه عبق وإن أراد أن ينطق به تاما ، ثم بدا له فترك النطق بالقاف كان على ما نقله الخطاب عن الرماح وسلمه من الجريان على الخلاف في الطلاق بالنية أي الكلام النفسي ا هـ بتوضيح واختلف الأئمة فيما [ ص: 196 ] إذا قال لها أنا طالق منك أو أنت الطلاق هل هو من الصريح أو من الكنايات الخفية

( الأول ) في الصيغتين هو مشهور مذهب مالك وهو في الأولى مذهب الشافعي ، وأما ما في الثانية فمذهبه الثاني قال بعض الشافعية ؛ لأن التعبير بالمصدر عن اسم الفاعل مجاز فيفتقر إلى النية وأجاب الأصل بأنه مجاز تعين بقرينة تعذر أنها عين الطلاق ، وإذا تعين لاسم الفاعل استغنى بذلك عن النية ؛ لأن التعين مانع من التردد والنية إنما يفتقر إليها حالة التردد ا هـ قال ابن الشاط والأظهر ما قاله بعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما في الأولى

( الثاني ) تمسكا بثلاثة أمور الأمر

( الأول ) أنه ليس محبوسا بالنكاح ، بل هي المحبوسة

( الأمر الثاني ) القياس على قوله أنا طالق فلو كان محلا للطلاق لوقع كالمرأة

( الأمر الثالث ) أن الرجل لا يوصف به فلا يقال زيد مطلق ونقل الباجي في المنتقى ذلك عن أبي سعيد منه وأجاب الأصل عن الأمر الأول بأنه محبوس عن عمتها وأختها والزيادة على الأربع والنفقة وغيرها مما هو لازم بالنكاح فيخرج عن لزومه ، وعن الثاني بأن وصفه بطالق جائز أن يكون عن امرأة فلم يعينها اللفظ ، وإذا قال أنت طالق تعين أن يكون من عصمته لتعذر تعود الأزواج دون الزوجات أي فثبت الفارق فلا قياس وبطلت الملازمة بين طرفي الشرطية فافهم ، وعن الثالث بأن مطلق اسم مفعول يقتضي أن يكون المقتضي لطلاقه غيره وهو متعذر ا هـ .

وتعقب ابن الشاط جوابه الأول بأنه إنما يلزم لو كان معنى الطلاق معنى الانطلاق ، وليس كذلك بل الطلاق حل العصمة فقط وهو أمر يصدر من الرجل ويقع بالمرأة فإذا قال أنا طالق منك فقد عكس المعنى أي جعل صدور حل العصمة منها واقعا به فالظاهر أن يكون مجازا أي فيفتقر إلى النية وجوابه الثاني بأنه ضعيف فإنه لا يكاد يخطر بالبال أي جواز أن يكون وصفه بطالق عن امرأة لم يعينها اللفظ حتى يثبت الفارق وتبطل الملازمة المذكورة فافهم وجوابه الثالث بأن يكون المقتضي لطلاقه غيره وإن كان متعذرا حقيقة ، فليس بمتعذر مجازا ا هـ .

( قال الأصل ) ويلزم على رأينا القائلين بأن ألفاظ كنايات الطلاق الظاهرة بجملتها كلفظ صريحه بجملته نقلت من الخبر إلى الإنشاء بخلاف ألفاظ كناياته الخفية والنقل إنما هو من العرف أمران

( الأمر الأول ) أن العرف إذا تحول إلى الضد تحولت تلك إلى الألفاظ بتحوله فصار المشتهر الظاهر خفيا والخفي مشتهرا ظاهرا وما قضينا بأنه صريح كناية ظاهرة أو بأنه كناية ظاهرة صريحا بحسب العرف الطارئ ، وإذا بطل العرف فقط ولم ينقل للضد لزم أن لا يصير شيء من هذه الألفاظ صريحا ، بل ولا كناية ظاهرة ، بل تحتاج جميع الألفاظ في لزوم الطلاق بها إلى النية

( الأمر الثاني ) أن المفتي لا يحل له أن يفتي أحدا بالطلاق حتى يعلم أنه من أهل بلد ذلك العرف الذي رتبت الفتيا عليه فإن علم أنه من أهل بلد آخر ليس فيه ذلك العرف وجب عليه أن يفتيه بحكم الله تعالى باعتبار حال عرف بلده من صريح أو كناية على الضابط المتقدم فإن العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد البعيدة الأقطار كما أنه يجب على المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله أن يتفقد العرف هل هو باق أم لا فإن وجده باقيا أفتى به وإلا توقف عن الفتيا ، وهذا هو القاعدة في جميع الأحكام المبنية على العوائد كالنقود والسكك في المعاملات والمنافع في الإجارات والأيمان [ ص: 197 ] والوصايا والنذور في الإطلاقات ،

فتأمل ذلك يظهر لك أن المتأخرين إذا وجدوا الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى وسطروها في كتبهم بناء على عوائد لهم قد زالت لا يجوز لهم أن يفتوا بتلك الفتاوى فإن فتواهم بها وقد زالت تلك العوائد خطأ ضرورة أنها فتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه والفتيا بذلك الحكم خلاف الإجماع ومن ذلك فتوى أكثر المالكية اليوم بلزوم الطلاق الثلاث في لفظ الحرام والخلية والبرية ونحوها بناء على عادة كانت في زمانه رضي الله عنه وتلك العادة قد زالت فإنا لا نجد اليوم أحدا يطلق امرأته بالخلية ولا بالبرية ولا بحبلك على غاربك ولا بوهبتك لأهلك ، ولو وجدناه المرة بعد المرة مرات كثيرة لم يكن ذلك نقلا عرفيا يوجب لزوم الطلاق الثلاث من غير نية ألا ترى أن لفظ الأسد كثير الاستعمال في الرجل الشجاع ولفظ الشمس والبدر كثير الاستعمال في ذوات الجمال ولفظ البحر والغيث والندى كثيرة الاستعمال في الكرام الباذلين المال ومع ذلك لم تصر هذه الألفاظ منقولة لهذه المعاني إذ لم يصدق عليها ضابط المنقول وهو أن يصير اللفظ يفهم منه المعنى بغير قرينة فإن هذه الألفاظ مع كثرة استعمالها في هذه المعاني لا تفهم منها هذه المعاني إلا بالقرينة ا هـ قال ابن الشاط ما قاله صحيح ا هـ .

( وأما على القول الثالث ) والثاني المقابلين للمشهور في صريح الطلاق فالفرق بين ما هو صريح فيه وما ليس بصريح فيه هو أن ابن القصار القائل بالثاني والشافعي القائل بالثالث قد أعرضا عن الوضع اللغوي واعتبرا ما وضع في العرف لإزالة العصمة بناء على أن الشأن التسوية بين اللغة والعرف فإن اللفظ إذا كان موضوعا في اللغة لمعنى وكان لفظ آخر موضوعا فيها لغير ذلك المعنى ، ثم صار في العرف منقولا له فلا فرق فإن النقل العرفي كالوضع الأصلي ويصير إذ ذاك كل واحد من اللفظين صريحا في ذلك المعنى فإن لم يصر اللفظ الثاني منقولا لذلك المعنى ولكنه يستعمل فيه على سبيل المجاز والاستعارة فها هنا يكون بين اللفظين فرق وأن الأول صريح والثاني كناية فيحتاج إلى النية المعينة لذلك المعنى وإيراد الأصل على الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف فإن الكتاب العزيز كما يرد بالحقائق كذلك يرد بالمجازات وبالكنايات القريبة والبعيدة كثيرا جدا ويعتمد في حكمه على القرائن والتصريح بالمراد فلا يليق أن يجعل ما ورد فيه كيف كان موضوعا لذلك المعنى الذي ورد فيه ولا يحسن الاستدلال بمجرد الورود على الصراحة والوضع وإنما يحسن الاستدلال به على المشروعية ا هـ .

رده ابن الشاط بأن كتاب الله تعالى إذا ورد فيه شيء حمل على أنه كذلك في الشرع أو العرف ؛ لأن ذلك هو الأصل ولا يلزم من وروده بالكنايات والمجازات أن لا يكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى أصلا أو عرفا ، بل مجازا حتى لا يستدل بوروده على أنه كذلك في أصل اللغة أو عرفها أو عرف الشرع فإن الكتاب العزيز كما يرد بالكنايات والمجازات يرد أيضا بالحقائق وهي الأصل حتى يدل دليل على التجوز والله أعلم ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث