الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب الشهادة في القتل واعتبار حالته أي حالة القتل ( القود يثبت للورثة ابتداء بطريق الخلافة ) من غير سبق ملك المورث ، لأن شرعية القود لتشفى الصدور ودرك الثأر والميت ليس بأهل له وقوله تعالى - { فقد جعلنا لوليه سلطانا } - نص فيه ( وقالا بطريق الإرث ) كما لو انقلب مالا وثمرة الخلاف ما أفاده بقوله ( فلا يصير أحدهم ) أي أحد الورثة ( خصما عن البقية ) في استيفاء القصاص ، خلافا لهما ، والأصل أن كل ما يملكه الورثة بطريق الوراثة فأحدهم خصم عن الباقين وقائم مقام الكل في الخصومة ، وما يملكه الورثة لا بطريق الوراثة لا يصير أحدهم خصما عن الباقين .

ثم فرع عليه بقوله فلو أقام حجة بقتل أبيه عمدا مع غيبة أخيه يريد القود لا يقيد إجماعا حتى يحضر الغائب لكنه يحبس ، لأنه صار متهما فإن حضر الغائب يعيدها ثانيا ليقتلا القاتل وقالا لا يعيد [ ص: 569 ] وفي القتل الخطأ والدين لا يحتاج إلى إعادة البينة بالإجماع لما مر فلو برهن على القاتل على عفو الغائب فالحاضر خصم لانقلابه مالا وسقط القود وكذا لو قتل عبدهما عمدا أو خطأ و الحال أن السيدين أحدهما غائب فهو على التفصيل السابق ( ولو أخبر وليا قود بعفو أخيهما ) الثالث ( فهو ) أي إخبارهما ( عفو للقصاص منهما ) عملا بزعمهما وهي رباعية فالأول ( إن صدقهما ) أي المخبرين ( القاتل والأخ ) الشريك ( فلا شيء له ) أي للشريك عملا بتصديقه ( ولهما ثلثا الدية و ) الثاني ( إن كذبهما فلا شيء للمخبرين ولأخيهما ثلث الدية و ) الثالث ( إن صدقهما القاتل وحده فلكل منهما ثلثها و ) الرابع ( إن صدقهما الأخ فقط فله ثلثها ) لأن إقراره ارتد بتكذيب القاتل إياه فوجب له ثلث الدية ( و ) لكنه ( يصرف ذلك إلى المخبرين ) استحسانا [ ص: 570 ] وهو الأصح زيلعي لأنه صار مقرا لهما بما أقر له به القاتل ( وإن شهد أنه ضربه بشيء جارح فلم يزل صاحب فراش حتى مات يقتص ) لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة ولا يحتاج الشاهد أن يقول إنه مات من جراحته بزازية

التالي السابق


باب الشهادة في القتل واعتبار حالته أي باب الشهادة الواقعة في شأن القتل وباب اعتبار حالة القتل أي حالة إيقاع سببه ; لأن المعتبر حالة الرمي لا الوصول كما يأتي ، ولما كان القتل بعد تحققه ربما يجحد ، فيحتاج من له القصاص إلى إثباته بالبينة وحالة الشيء صفة له تابعة ذكر ذلك بعد بيان حكمه . قال ط : واعلم أنه تقبل شهادة النساء مع الرجال في القتل الخطأ والقتل الذي لا يوجب القود ، وكذا الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي ; لأن موجبها المال ولو شهد عليه عدل بقتل يحبس فإن جاء بشاهد آخر وإلا خلى سبيله وكذا لو شهد مستوران بقتل عمد يحبس حتى تظهر عدالة الشهود ; لأنه صار متهما ، وكذا في الخطإ على الأظهر ا هـ .

( قوله القود يثبت للورثة ) قال في الخانية يستحق القصاص من يستحق ميراثه على فرائض الله تعالى يدخل فيه الزوج والزوجة ا هـ ( قوله من غير سبق ملك المورث ) أشار إلى أن المراد بالخلافة هنا ما قابل الوراثة ، وإلا فالوراثة خلافة أيضا كما صرحوا به ، لكنها تستدعي سبق ملك المورث ، ولا يرد صحة عفو المورث ; لأن السبب انعقد له ، لهذا قال الأتقاني : إنه حق الورثة ابتداء عند الإمام من حيث إنه شرع للتشفي ودرك الثأر ; لأن الميت لا ينتفع به وحق الميت من حيث إنه بدل النفس ، ولذا إذا انقلب مالا تقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه وتمامه فيه ، فعلم أن الفروع الآتية وتفسير الخلافة بما ذكر باعتبار الحيثية الأولى ، وصحة عفو المورث باعتبار الثانية فقد راعى الإمام الحيثيتين احتيالا للدرء كما حققه الطوري ( قوله نص فيه ) فإن اللام للتمليك فقد ملك تعالى التسلط للولي بعد القتل ، وفيه أن التسلط قد يكون لثبوت الحق له ابتداء ، وقد يكون الحق انتقل له من مورثه فلا تكون الآية نصا ا هـ ط ( قوله كما لو انقلب مالا ) أي بنحو صلح أو عفو بعض الورثة .

( قوله فأحدهم عن الباقين ) ; لأنه يثبت جميع الحق لغيره ، وهو الميت فيثبت للبقية بخلاف ما ذكره بعده ، فإنه إنما يثبت حقا لنفسه لا حق غيره ط ( قوله لا يقيد ) [ ص: 569 ] بضم الياء من أقاد الأمير القاتل قتله به قودا وفيه إشارة إلى أن البينة تقبل إلا أنه لا يقضى بالقصاص إجماعا ما لم يحضر الغائب ; لأن المقصود من القضاء الاستيفاء ، والحاضر لا يتمكن منه بالإجماع كما في الكفاية .

( قوله وفي الخطأ ) أي في قتل أبيه خطأ وفي الدين لأبيه على آخر ، لو أقام الحاضر حجة على ذلك لا يعيدها الغائب ، إذا حضر ; لأن المال يثبت للورثة إرثا عند الكل ، وفيه إيماء إلى أنه اتحد القاضي للحاضر والغائب ، فلو أثبت قدر نصيبه منه أو كان القاضي متعددا أعاد الحجة وإنما خص الدين ; لأن في إعادة الحجة للعقار اختلافا ، وإن كان الأصح أنه لا يعيدها كما في العمادية قهستاني ( قوله لما مر ) أي من الأصل ( قوله فالحاضر خصم ) ; لأنه ادعى حقا على الحاضر ، وهو سقوط حقه في القصاص وانقلابه مالا ولا يتمكن من إثباته لا بإثبات عفو الغائب فانتصب خصما عنه ، فإذا قضي عليه صار الغائب مقضيا عليه تبعا زيلعي ( قوله وسقط القود ) أي وإن جاء الغائب وأنكر العفو ويصير حقه نصف الدية ( قوله فهو على التفصيل السابق ) فلا تقبل بينة أقامها الحاضر من غير إعادة بعد عود الغائب ، ولو أقام القاتل بينة أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم ويسقط القصاص .

فحاصله : أن هذه المسألة مثل الأولى في جميع ما ذكرنا إلا أنه إذا كان القتل عمدا أو خطأ لا يكون الحاضر خصما عن الغائب بالإجماع والفرق لهما في الكل ، ولأبي حنيفة في الخطأ أن أحد الورثة خصم عن الباقين ولا كذلك أحد الموليين زيلعي ( قوله ولو أخبر إلخ ) غير بالإخبار ; لأنه ينتظم الأوجه الأربعة ، بخلاف الشهادة فإنها لم توجد حقيقة إلا في الوجه الثالث كما أفاده ابن كمال ( قوله عفو للقصاص منهما ) قيد بالقصاص ; لأنه لا يكون عفوا منهما للمال إلا في بعض الأوجه كما تعرفه ( قوله عملا بزعمهما ) ; لأنهما زعما عفو الثالث وبعفو البعض يسقط القصاص ( قوله وهي رباعية ) أي أوجهها أربعة ( قوله ولهما ثلثا الدية ) ; لأن نصيبهما صار مالا درر ( قوله والثاني إن كذبهما ) قال الرملي كذا بخط المصنف متنا وشرحا والصواب كذباهما ( قوله فلا شيء للمخبرين ) ; لأنهما بإخبارهما أسقطا حقهما في القصاص ، فانقلب مالا ولا مال لهما لتكذيب القاتل والشريك درر ( قوله ولأخيهما ثلث الدية ) ; لأن دعواهما العفو وهو ينكر بمنزلة ابتداء العفو منهما في حق فينقلب نصيبه مالا ابن كمال ( قوله وحده ) أي دون الأخ الشريك ( قوله فلكل منهم ثلثها ) ; لأن القاتل لما صدقهما أقر لهما بثلثي الدية ، فلزم وادعى بطلان حق الثالث بالعفو ، ولم يصدقه فتحول مالا فيدفعه إليه درر .

( قوله إن صدقهما الأخ فقط ) أي وكذبهما القاتل ( قوله ; لأن إقراره إلخ ) أي فلا يقال إنه قد أقر أنه لا يستحق على القاتل شيئا إقراره له بالعفو فكيف يجب له الثلث ( قوله فوجب له ثلث الدية ) وسقط الثلثان لتكذيب القاتل إياهما ولا يتأتى القصاص مع إقرار الثالث بعفوه ط ( قوله ولكنه يصرف ذلك إلى المخبرين ) ; لأن الأخ زعم العفو بتصديقه المخبرين ، وأنه لا شيء له على القاتل ، وإنما على القاتل ثلثا الدية لهما ، وما في يده مال القاتل وهو من جنس حقهما ، فيصرف إليهما ، [ ص: 570 ] والقياس أن لا يلزمه شيء ; لأنهما ادعيا المال على القاتل ، والقاتل منكر فلم يثبت وما أقر به القاتل للأخ قد بطل بإقرار الأخ بالعفو لكونه تكذيبا للقاتل . وجه الاستحسان أن القاتل بتكذيبه أقر للأخ بثلث الدية لزعمه أن القصاص سقط بإخبارهما بالعفو كابتداء العفو منهما والمقر له ما كذب القاتل حقيقة ، بل أضاف الوجوب إلى غيره ، وفي مثله لا يرتد الإقرار كمن قال لفلان علي مائة فقال المقر له ليس لي ولكنها لفلان ، فالمال للمقر له الثاني كذا هنا درر موضحا ( قوله وهو الأصح زيلعي ) عبارته وفي الجامع الصغير كان هذا الثلث للشاهدين ، لا للمشهود عليه ، وهو الأصح إلخ ، وظاهره أن مقابل الأصح كونه للأخ المشهود عليه ( قوله يقتص ) لا يقال الضرب بسلاح قد يكون خطأ فكيف يجب القود . لأنا نقول لما شهدوا بالضرب بالسلاح ثبت العمد لا محالة ; لأنه لو كان خطأ لقالوا إنه قصد غيره فأصابه .

وقال في شرح الكافي : ولا ينبغي أن يسأل الشهود أنه مات بذلك أم لا وكذلك إذا شهدوا أنه ضرب بالسيف حتى مات وإن لم يذكروا العمد ; لأن العمد هو القصد بالقلب ، وهو أمر باطن لا يوقف عليه ، ولكن يعرف بدليله وهو الضرب بآلة قاتلة عادة ولو شهدوا أنه قتله عمدا ، وأنه مات فهو أحوط ا هـ أتقاني .

قال الرملي : أول الجنايات هذا صريح في أنه بعد ثبوت القتل بالآلة الجارحة بالبينة لا يقبل قول القاتل لم أقصده ، بخلاف ما لو أقر وقال أردت غيره ; لأنه ثبت من جهته مطلقا عن قيد العمدية والخطئية فيقبل منه ما أقر به ، ويحمل على الأدنى .

قال في التتارخانية : وفي المجرد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة لو أقر أنه قتل فلانا بحديدة أو سيف ، ثم قال أردت غيره فقتلته لم يقبل منه ذلك ويقتل ، وعن أبي يوسف إذا قال ضربت فلانا بالسيف فقتلته ، قال هذا خطأ حتى يقول عمدا ا هـ ملخصا .

أقول : التفرقة بين الشهادة والإقرار إنما تظهر على الرواية الثانية دون الأولى تأمل ( قوله ولا يحتاج الشاهد إلخ ) ; لأن الموت متى وجد عقيب سبب صالح يضاف إليه لا إلى شيء آخر إذا لم يكن في الظاهر سبب آخر ، وإن احتمل ; لأن احتمال خلاف الظاهر لا يعتبر في الأحكام أتقاني




الخدمات العلمية