الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى

والمقصود هنا ذكر ما قاله الآمدي. وذلك أنه لما ذكر مسالك الناس في إثبات حدوث الأجسام أبطل عامتها ، واختار الطريقة المبنية على أن الجسم لا يخلو من الأعراض ، وأن العرض لا يبقى زمانين، فتكون الأعراض حادثة ، ويمتنع حدوث ما لا نهاية له ، وما لا يخلو عن الحوادث التي لها أول فله أول ، وذكر أن هذه الطريقة هي المسلك [ ص: 268 ] المشهور للأشعرية ، وعليه اعتماده .

والرازي وأمثاله لم يعتمدوا على هذا المسلك ، لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء ، وهذه مقدمة خالف فيها جمهور العقلاء ، وقالوا : إن قائليها مخالفون للحس ولضرورة العقل، فرأى أن الاعتماد عليها في حدوث الأجسام في غاية الضعف .

والآمدي قدح في الطرق التي اعتمد عليها الرازي كلها . والمقصود هنا ذكر طعن الآمدي في حجج نفسه التي احتج بها على نفي كونه جسما ونفي قيام الحوادث به ، وقد تقدم أن حججه المبنية على تماثل الجواهر والأجسام قد قدح فيها ، وبين أنه لا دليل لمن أثبت ذلك. وحجته المبنية على التركيب قد قدح هو فيها في غير موضع ، كما ذكر بعضه . [ ص: 269 ]

وأما حجته المبنية على نفي المقدار والشكل ، وأنه لا بد له من مخصص ، وكل ما له مخصص فهو محدث، فإنه قال: "المقدمة الأولى وإن كانت مسلمة ، غير أن الثانية وهي: أن كل مفتقر إلى المخصص محدث ، وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق في المسلك الأول" .

قال: "وبتقدير تسليم حدوث ما أشير إليه من الصفات، فلا يلزم أن تكون الأجسام حادثة، لجواز أن تكون هذه الصفات المتعاقبة عليها إلى غير النهاية، إلا بالالتفات إلى ما سبق من بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهي إليه". فقد ذكر هنا أنه وإن كان لا بد للمختص من مخصص، فلا يلزم أن يكون حادثا ، بل جاز أن يكون قديما في ذاته وصفاته ، أو قديما في الذات مع تعاقب الصفات المحدثة من المقادير وغيرها عليه، إلا إذا قيل ببطلان حوادث لا تتناهى .

وحينئذ فيقال: القديم إما واجب بنفسه، وإما واجب بغيره . فإن كان واجبا بنفسه بطلت حجته ، وإن كان واجبا بغيره لزم من كون المعلول مختصا أن تكون علته مختصة أيضا ، وإلا فبتقدير أن تكون العلة الموجبة وجودا مطلقا لا تختص بشيء من الأشياء ، كما يقوله من يقول : هو وجود مطلق تكون نسبته إلى جميع أجناس الموجودات ومقاديرها وصفاتها نسبة واحدة ، وحينئذ فلا يخص مقدارا دون مقدار بالاقتضاء والإيجاب، إلا أن يقال: لا يمكن غير ذلك المقدار، [ ص: 270 ] وإذا قيل ذلك، لزم أن يكون من المقادير ما هو واجب لا يمكن غيره . فإذا قيل هذا في الممكن، ففي الواجب بنفسه أولى، فإن تطرق الجواز إلى الممكن بنفسه أولى من تطرقه إلى الواجب بنفسه، فإذا قدر في الممكن مقدار لا يمكن وجود ما هو أكبر منه، فتقدير ذلك في الواجب بنفسه أولى .

ونكتة الجواب : أن الموجب الذي يسمونه علة: إن كان له مقدار بطل أصل قولهم ، وإن لم يكن له مقدار فإما أن تكون جميع المقادير ممكنة بالنسبة إليه، وإما أن لا يكون كذلك ، فإن كان الأول لم يخص بعضها دون بعض بلا مخصص لما في ذلك من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح ، وإن لم يمكن إلا بعضها -كما يقوله من يقوله من المتفلسفة- فحينئذ لزم أن يكون من المقادير ما هو ممتنع لنفسه ، بل منها ما هو متعين لا يمكن وجود غيره .

وإذا جاز أن يمتنع بعضها لنفسه ، فوجوب بعضها لنفسه أولى وأحرى وإذا جاز أن يتعين ممكن من المقادير دون غيره لنفسه ، فتعين مقدار واجب لنفسه أولى وأحرى .

وهذا كلام لا محيص لهم عنه فإن العالم إن كان واجبا بنفسه فقد ثبت أن الواجب بنفسه يختص بمقدار ، وإن كان ممكنا فوجد ما هو أكبر منه أو أصغر: إما أن يكون في نفسه ممكنا، وإما أن لا يكون . فإن [ ص: 271 ] لم يكن ممكنا ثبت امتناع بعض المقادير لنفسه دون بعض في الممكنات في الواجب أولى .

وحينئذ فبطل قول القائل : [إنه] ما من مقدار إلا ويمكن ما هو أكبر منه وأصغر ، وإن كان غير هذا المقدار ممكنا فتخصيص أحد الممكنين بالوجود يفتقر إلى مخصص . والوجود المطلق لا اختصاص له بممكن دون ممكن ، فلا بد أن يكون المخصص أمرا فيه اختصاص ، وذلك الاختصاص واجب بنفسه ، وإذا كان الواجب لنفسه فيه اختصاص واجب لم يمكن أن يقال : كل اختصاص فلا بد له من مخصص ، إذ الاختصاص ينقسم إلى : واجب بنفسه وممكن .

يوضح هذا أن المتفلسف إذا قال: إن الموجب لتخصيص الفلك بمقدار دون مقدار ، كون الهيولى لا تقبل إلا ذلك المقدار مثلا، أو امتناع بعد وراء العالم ، أو ما قيل من الأسباب .

قيل له: ما ذكرته من الهيولى وامتناع وجود موجود وراء العالم، وإن كان باطلا. فيقال : ما الموجب لكون الهيولى لا تكون على غير تلك الصفة ؟ ولم لا كانت الهيولى غير هذه، بحيث تقبل شكلا أكبر من هذا؟ ثم إذا زعمت أن الممكن له مقدار لا يمكن أن يكون أكبر منه لعدم القابل ، مع أنه لا يعلم وجود مخصص لمقدار دون مقدار، ولا [ ص: 272 ] لكون حيز هذا المقدار يقبل الوجود دون الحيز الذي يجاوره، فإن الأحياز المجردة المحضة متشابهة أبلغ من تشابه المقادير .

فإذا ادعيت التخصيص في هذا، ففي الواجب بنفسه أولى وأحرى. ثم بتقدير أن تكون المقادير والصفات حادثة، فالحجة المبنية على نفي حوادث لا تتناهى قد عرف ضعفها.

وقد أبطل هو جميع أدلة الناس التي ذكرها، إلا حجة واحدة اختارها، وهي أضعف من غيرها، كما قد ذكر غير مرة .

وإذا كانت هذه الحجة لا تمنع جواز تعاقب الحوادث على القديم، لم يمتنع كون القديم محلا للحوادث، فبطل استدلالهم على نفي ذلك بمثل هذه الحجة.

فهذه الحجج الثلاث قد قدح هو فيها، وأما الرابعة : وهي تعدد الصفات، فالقدح فيها تبع للقدح في هذه الثلاث ، فإنها مبنية عليها، إذ عمدة النفاة هي هذه الثلاث ، وكلامهم كله يدور عليها: حجة التركيب ، وحجة الأعراض بأن ما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ، وحجة الاختصاص .

وحججه الأولى على نفي الجوهر مبنية على نفي تماثل الجواهر ، وهو قد بين أن جميع ما ذكروه فإنه يرجع إلى ما قاله، وقال: إنه لا دليل فيه على نفي تماثلها . [ ص: 273 ]

وأما الثانية وهي قوله: "إما أن يكون مركبا فيكون جسما، أو لا يكون فيكون جوهرا فردا" فمبنية على نفي التركيب –وهو قد أفسد أدلة ذلك- أو على نفي الجسم، وقد عرف كلامه وقدحه في حجج نفي ذلك .

وأما حجته الثالثة فإنها مبنية على تماثل الجواهر أيضا، وهو قد أبطل أدلة ذلك ، ومبنية على امتناع حلول الحوادث به أيضا، وقد أبطل هو أيضا جميع حجج ذلك، واستدل بحجة الكمال والنقصان ، كما احتج بها الرازي ، وهو أيضا قد أبطل هذه الحجة لما استدل بها الفلاسفة على قدم العالم ، كما ذكر عنه .

وأما حجته الرابعة على نفي الجوهر فبناها على نفي التحيز ، وبنى نفي التحيز على حجتين: على حجة الحركة والسكون ، وعلى تماثل الجواهر .

وهو قد بين أنه لا دليل على تماثل الجواهر ، وأبطل أيضا حجة الحركة والسكون لما احتج بها من احتج على حدوث الأجسام ، فإنه قال: "المسلك السادس لبعض المتأخرين من أصحابنا" -يعني به الرازي ، وهذا المسلك أخذه الرازي عن المعتزلة ، ذكره أبو الحسين وغيره : "أنه لو كانت الأجسام أزلية لكانت [في الأزل] إما أن [ ص: 274 ] تكون متحركة أو ساكنة ، والقسمان باطلان ، فالقول بأزليتها باطل" .

ثم اعترض عليه بوجوه متعددة :

قال: "ولقائل أن يقول إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر ، والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك الحيز ، أو لا يكون كذلك ، فإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان حدوثه ، فإنه ليس متحركا لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه ، وإن كان الثاني فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون أمرا وجوديا ، ولا مخلص عنه" .

قلت : هذه مسألة نزاع بين أهل النظر : أن الجسم في أوقات حدوثه : هل يوصف بأحدهما أو يخلو عنهما ؟ والذي قاله الرازي هو قول [ ص: 275 ] أبي هاشم وغيره من المعتزلة ، ومضمونه : أنه في أوقات حدوثه ليس متحركا ولا ساكنا .

واعترض عليه بتقسيم حاصر فقال : "إن كانت الحركة عبارة عن الانتقال من حيز إلى حيز ، والسكون البقاء في حيز بعد حيز ، فالجسم في أوقات حدوثه : لا متحرك ولا ساكن ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، فقد بطل ما ذكره من كون السكون أمرا وجوديا ، فإنه اعتمد في ذلك على أن السكون عبارة عن الحصول في الحيز ، بعد أن كان في ذلك الحيز .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث