الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل دلالة على توحيد الأسماء والصفات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

فهذه دلالة على توحيد الأسماء والصفات .

وأما دلالة الأسماء الخمسة عليها ، وهي " الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والملك " فمبني على أصلين :

أحدهما : أن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله ، فهي مشتقة من [ ص: 52 ] الصفات ، فهي أسماء ، وهي أوصاف ، وبذلك كانت حسنى ، إذ لو كانت ألفاظا لا معاني فيها لم تكن حسنى ، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال ، ولساغ وقوع أسماء الانتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان ، وبالعكس ، فيقال : اللهم إني ظلمت نفسي ، فاغفر لي إنك أنت المنتقم ، واللهم أعطني ، فإنك أنت الضار المانع ، ونحو ذلك .

ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها ، قال تعالى وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها ، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها ، وأثبتها لنفسه ، وأثبتها له رسوله ، كقوله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فعلم أن القوي من أسمائه ، ومعناه الموصوف بالقوة ، وكذلك قوله فلله العزة جميعا فالعزيز من له العزة ، فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قويا ولا عزيزا ، وكذلك قوله أنزله بعلمه ، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ، ولا يحيطون بشيء من علمه .

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه البصير .

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات " .

[ ص: 53 ] وفي الصحيح حديث الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك فهو قادر بقدرة .

وقال تعالى لموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فهو متكلم بكلام .

وهو العظيم الذي له العظمة كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي وهو الحكيم الذي له الحكم فالحكم لله العلي الكبير وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله ، أو سمعه ، أو بصره ، أو قوته ، أو عزته أو عظمته انعقدت يمينه ، وكانت مكفرة ، لأن هذه صفات كماله التي اشتقت منها أسماؤه .

وأيضا لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها ، فلا يقال : يسمع ويرى ، ويعلم ويقدر ويريد ، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها ، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها .

وأيضا فلو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة ، التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قام به ، فكانت كلها سواء ، ولم يكن فرق بين مدلولاتها ، وهذا مكابرة صريحة ، وبهت بين ، فإن من جعل معنى اسم القدير هو معنى اسم السميع البصير ، ومعنى اسم التواب هو معنى اسم المنتقم ، ومعنى اسم المعطي هو معنى اسم المانع فقد كابر العقل واللغة والفطرة .

[ ص: 54 ] فنفي معاني أسمائه من أعظم الإلحاد فيها ، والإلحاد فيها أنواع هذا أحدها .

الثاني : تسمية الأوثان بها ، كما يسمونها آلهة ، وقال ابن عباس و مجاهد : عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه ، فسموا بها أوثانهم ، فزادوا ونقصوا ، فاشتقوا اللات من الله ، والعزى من العزيز ، ومناة من المنان ، وروي عن ابن عباس يلحدون في أسمائه يكذبون عليه ، وهذا تفسير بالمعنى .

وحقيقة الإلحاد فيها العدول بها عن الصواب فيها ، وإدخال ما ليس من معانيها فيها ، وإخراج حقائق معانيها عنها ، هذا حقيقة الإلحاد ، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله ، ففسر ابن عباس الإلحاد بالكذب ، أو هو غاية الملحد في أسمائه تعالى ، فإنه إذا أدخل في معانيها ما ليس منها ، وخرج بها عن حقائقها ، أو بعضها ، فقد عدل بها عن الصواب والحق ، وهو حقيقة الإلحاد .

فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها ، وإما بجحد معانيها وتعطيلها ، وإما بتحريفها عن الصواب ، وإخراجها عن الحق بالتأويلات الباطلة ، وإما بجعلها أسماء لهذه المخلوقات المصنوعات ، كإلحاد أهل الاتحاد ، فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون ، محمودها ومذمومها ، حتى قال زعيمهم : وهو المسمى بكل اسم ممدوح عقلا ، وشرعا وعرفا ، وبكل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا ، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث