الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الشهادات وما جاء فيها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 144 ] باب : الشهادات وما جاء فيها

قال أبو عبيد : اختلف العلماء في نسخ أشياء من الشهادات التي في التنزيل ، منها الشهادة على البيع وشهادة القاذف وشهادة أهل الكتاب على وصايا المسلمين .

262 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن ابن جريج في قوله : وأشهدوا إذا تبايعتم قال : سئل عطاء : أيشهد الرجل إذا بايع بنصف درهم ، فقال : " نعم هو تأويل قوله : وأشهدوا إذا تبايعتم

263 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : " تشهد ولو على دستجة بقل

[ ص: 145 ]

264 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، أنه " كان إذا باع أشهد ولم يكتب .

قال أبو عبيد : " هذا مذهب من رأى أن الآية محكمة وهي عند آخرين منسوخة "

265 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي زائدة ، عن العلاء بن المسيب ، عن الحكم بن عتيبة في قوله : فإن أمن بعضكم بعضا قال : " نسخت هذه الآية آية الشهادة

266 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي في قوله : فإن أمن بعضكم بعضا قال : " إن أشهدت فحزم أو كلمة تشبهها ، وإن تركت ففي حل وفي سعة .

[ ص: 146 ]

267 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم ، عن إسماعيل بن أبي خالد قال : سألت الشعبي عنها " فتلا علي هذه الآية : فإن أمن بعضكم بعضا

268 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا سليمان التيمي قال : سألت الحسن عنها ، فقال : " إن شاء أشهد ، وإن شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله : فإن أمن بعضكم بعضا .

قال أبو عبيد : " والعلماء اليوم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم على هذا القول ، أن شهادة المبايعة ليست بحتم على الناس إلا أن يشاءوا للآية الناسخة بعدها ، وهو قوله عز وجل : فإن أمن بعضكم بعضا ويرون أن البيعين مخيران في الشهادة والترك ، فهذا ما في نسخ شهادة البيوع "

[ ص: 147 ]

269 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: وحدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، وعثمان بن عطاء ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، في قول الله عز وجل : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون قال : ثم استثنى ، فقال : إلا الذين تابوا قال : " فتاب عليهم من الفسق فأما الشهادة فلا تجوز

270 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا جرير ، عن منصور ، عن تميم بن سلمة قال : جاء ناس يشهدون عند شريح فيهم رجلا قد جلد في قذف ، فقال له شريح : " يا فلان قم فقد عرفناك

271 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا الشيباني ، عن الشعبي ، عن شريح قال : " لا تقبل شهادة القاذف أبدا ، [ ص: 148 ] توبته فيما بينه وبين الله عز وجل .

272 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا يونس ، عن الحسن ، ومغيرة ، عن إبراهيم ، أنهما قالا مثل ذلك .

273 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن كثير ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن الحسن ، وسعيد بن المسيب ، أنهما قالا مثل ذلك .

274 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا الهيثم بن جميل ، عن شريك ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير مثل ذلك .

[ ص: 149 ] قال أبو عبيد : " فهذا قول من رأى التوبة إنما نسخت الفسق وحده ، وقال آخرون : إنما نسخت الفسق وإسقاط الشهادة معا "

275 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون قال : ثم قال : إلا الذين تابوا قال : " فمن تاب وأصلح ، فشهادته في كتاب الله عز وجل تقبل

276 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي مريم ، عن محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن سعيد بن المسيب ، أن عمر : " استتاب الذين شهدوا على فلان ، فتاب اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب ، فكانت شهادتهما تقبل وكان أبو بكرة لا تقبل شهادته

[ ص: 150 ]

277 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، قال : حدثني ابن شهاب ، أن عمر : " استتاب أبا بكرة فيما قذف به فلانا ، فأبى أن يتوب وزعم أن ما قال حق ، وأقام على ذلك فلم يكن تجوز له شهادة . قال : قال ابن شهاب : " فأما من تاب واعترف فإن شهادته تقبل "

278 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا الفرج بن فضالة ، عن محمد بن الوليد الزبيدي ، عن الزهري قال : " إذا أكذب نفسه فهي توبته وتقبل شهادته

[ ص: 151 ]

279 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، أنه سأل القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله عن ذلك ، فقالا : " نكره شهادته ما لم تر منه توبة

280 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن أبي الهيثم قال : سمعت إبراهيم ، والشعبي ، يتذاكران شهادة القاذف ، فقال : الشعبي ، لإبراهيم : لم لا تقبل شهادته ؟ قال : " لأني لا أدري أتاب أم لا

281 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي قال : " إذا تاب قبلت شهادته ، يقبل الله منه ولا تقبلون شهادته ؟ " قال : " وقال محارب بن دثار : تجوز شهادته

[ ص: 152 ]

282 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن يزيد ، عن العوام بن حوشب ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر ، عن عبد الله بن عتبة ، أنه " أجاز شهادة المفتري

283 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن بكير قال : " إذا أكذب نفسه وتاب مما قال فشهادته جائزة

284 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن أبي نجيح قال : " إذا تاب القاذف تجوز شهادته . قال : وقال : كلنا نقوله قال إسماعيل : قلنا من ؟ أو قيل من ؟ فقال : عطاء ، وطاوس ، ومجاهد

[ ص: 153 ]

285 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن بكير ، عن مسعر بن كدام ، عن عمران بن عمير ، عن عبد الله بن عتبة ، أنه : " أجاز شهادة المفتري

286 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية ، عن مسعر بن كدام ، عن عمران بن عمير ، عن عبد الله بن عتبة ، أنه " أجاز شهادة القاذف

287 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن بكير ، عن مالك بن أنس ، أنه كان يقول مثل ذلك " يرى شهادته جائزة إذا تاب .

قال أبو عبيد : " وهذا قول أهل الحجاز جميعا ، وأما أهل العراق ، فيرون شهادته غير مقبولة أبدا وإن تاب ، وكلا الفريقين إنما تأول فيما نرى الآية ، فالذي لا يقبلها يذهب إلى أن الكلام انقطع من عند قوله : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ثم استأنف ، فقال : وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ، فأوقع التوبة على الفسق خاصة دون الشهادة ، وأما الآخرون ، فذهبوا إلى أن الكلام بعضه معطوف على بعض ، فقال : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ثم أوقعوا الاستثناء في التوبة على كل الكلام ورأوا أنه منتظم له.

قال أبو عبيد : والذي يختار هذا القول ؛ لأن من قال به أكثر وأعلى ، منهم

[ ص: 154 ] عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فمن وراءه ، مع أنه في النظر على هذا أصح ، ولا يكون المتكلم بالفاحشة أعظم جرما من راكبها ، ألا ترى أنهم لا يختلفون في العاهر أنه مقبول الشهادة إذا تاب ، فراميه بها أيسر جرما إذا نزع عما قال وأكذب نفسه ؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وإذا قبل الله عز وجل التوبة من عبده كان العباد بالقبول أولى ، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ، من ذلك قوله عز وجل : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ثم قال بعد ذلك : إلا الذين تابوا فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها وأن التوبة لهؤلاء جميعا بمنزلة واحدة ، وكذلك قوله عز وجل في الطهور حين قال : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ثم قال : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فصار التيمم لاحقا بمن وجب عليه الاغتسال ، كما لحق من وجب عليه الوضوء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر عمارا وأبا ذر بذلك ، وعلى هذا المعنى تأول من رأى شهادة القاذف جائزة ؛ لأنه كلام واحد بعضه معطوف على بعض وبعضه تابع بعضا ، ثم انتظمه الاستثناء وأحاط به

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث