الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية على الاستدلال على حدوث الجسم

فهذا أبو حامد هو وغيره يبينون فساد ما ذكروه من نفي كون الأول جسما، ويقولون : لا طريق إلى ذلك إلا الاستدلال على حدوث الجسم. ثم أبو حامد وغيره من النظار يبينون أيضا فساد ما احتج به على حدوث الجسم ، وقد سبقهم الأشعري إلى بيان فساد ما احتجت به المعتزلة على حدوث الجسم . [ ص: 290 ]

والرازي وأتباعه يبينون حدوث الجسم في كتبه الكلامية "كالأربعين" و"نهاية العقول" و"المحصل" وغير ذلك، ثم يبينون فساد كل ما يحتج به على حدوث الأجسام في مواضع أخر، مثل "المباحث المشرقية" وكذلك في "المطالب العالية" التي هي آخر كتبه بين فساد حجج من يقول بحدوثها ، وأنه فعل بعد أن لم يكن فاعلا، ويذكر حججا كثيرة على دوام الفاعلية، ويورد عليها مع ذلك ما يدل على فسادها، ويعترف بالحيرة في هذه المواضع العظيمة: مسائل الصفات، وحدوث العالم، ونحو ذلك .

وسبب ذلك أنهم يقولون أقوالا تستلزم الجمع بين النقيضين تارة ، ورفع النقيضين تارة ، بل تستلزم كليهما ، والأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم والدين لا يذكرون فيه إلا أقوالا ضعيفة .

والقول الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه ، كما في مسألة حدوث العالم ، فإنهم لا يذكرون إلا [قولين]: قول من يقول [ ص: 291 ] بقدم الأفلاك ، وإن كانت صادرة عن علة توجبها ، فالمعلول مقارن لعلته أزلا وأبدا . وقول من يقول : بل تراخى المفعول عن المؤثر التام ، وأنه يمتنع أنه لم يزل متكلما إذا شاء ويفعل ما يشاء .

والقول الصواب الذي هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه ، وهو القول بأن الأثر يتعقب التأثير التام، فهو سبحانه إذا كون شيئا كان عقب تكوينه له ، كما قال تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [سورة يس : 82] وهذا هو المعقول ، كما يكون الطلاق والعتاق عقب التطليق والإعتاق، والانكسار والانقطاع عقب الكسر والقطع، فهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ويذكرون في كونه موجبا بذاته وفاعلا بمشيئته وقدرته قولين فاسدين: أحدهما قول من يقول من المتفلسفة : هو موجب بذاته في الأزل ، وأنه علة تامة في الأزل ، فيجب أن يستلزم معلوله ، وأن معلوله يجب أن يكون مقارنا له في الزمان أزلا وأبدا . [ ص: 292 ]

وهذا القول من أفسد أقوال بني آدم ، فإنه يستلزم أن لا يحدث في العالم حادث ، فإنه إذا كانت علة تامة أزلية ومعلولها معها ، والعالم كله معلوله ، إما بواسطة وإما بغير وسط، لزم أن لا يكون في العالم شيء إلا أزليا، فلا يكون في العالم شيء من الحوادث ، وهو خلاف المشاهدة .

ثم إنهم لما أثبتوا الواجب بالممكن، إنما استدلوا على الممكن بالحادث الذي يفتقر إلى محدث، فإن لم يكن في العالم حادث بطل الإمكان الذي به أثبتوا الواجب ، ولزم إما أن لا يكون في العالم واجب الوجود ولا ممكن الوجود ، وهو إخلاء للوجود عن النقيضين. وإما أن يكون جميعه واجب الوجود، فيكون الحادث الذي كان بعد أن لم يكن واجب الوجود .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث