الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ، في هذا الحرف قراءتان سبعيتان ، وقراءة ثالثة غير سبعية . قرأه عامة السبعة ما عدى نافعا : مفرطون ، بسكون الفاء وفتح الراء بصيغة اسم المفعول ; من أفرطه . وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم الفاعل ; من أفرط . والقراءة التي ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف ، وتروى هذه القراءة عن أبي جعفر . وكل هذه القراءات لها مصداق في كتاب الله .

                                                                                                                                                                                                                                      أما على قراءة الجمهور : مفرطون ، بصيغة المفعول فهو اسم مفعول أفرطه : إذا [ ص: 395 ] نسيه وتركه غير ملتفت إليه ; فقوله : مفرطون ، أي : متروكون منسيون في النار . ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا [ 7 \ 51 ] ، وقوله : فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد الآية [ 32 \ 14 ] ، وقوله : وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار الآية [ 45 \ 34 ] ، فالنسيان في هذه الآيات معناه : الترك في النار . أما النسيان بمعنى زوال العلم : فهو مستحيل على الله ; كما قال تعالى : وما كان ربك نسيا [ 19 \ 64 ] ، وقال : قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى [ 20 \ 52 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      وممن قال بأن معنى : مفرطون ، منسيون متركون في النار : مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن الأعرابي ، وأبو عبيدة ، والفراء ، وغيرهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء : معنى قوله : مفرطون ، على قراءة الجمهور : أي : مقدمون إلى النار معجلون ; من أفرطت فلانا وفرطته في طلب الماء ، إذا قدمته ، ومنه حديث : " أنا فرطكم على الحوض " ، أي : متقدمكم . ومنه قول القطامي : فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تقدم فراط لرواد .

                                                                                                                                                                                                                                      وقول الشنفرى :

                                                                                                                                                                                                                                      هممت وهمت فابتدرنا وأسبلت وشمر مني فارط متمهل



                                                                                                                                                                                                                                      أي : متقدم إلى الماء . وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر : إذا أسرف فيه وجاوز الحد . ويشهد لهذه القراءة قوله : وأن المسرفين هم أصحاب النار [ 40 \ 43 ] ، ونحوها من الآيات . وعلى قراءة أبي جعفر ، فهو اسم فاعل ، فرط في الأمر : إذا ضيعه وقصر فيه ، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله الآية [ 39 \ 56 ] ، فقد عرفت أوجه القراءات في الآية ، وما يشهد له القرآن منها .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : لا جرم ، أي : حقا أن لهم النار . وقال القرطبي في تفسيره : لا رد لكلامهم وتم الكلام ، أي : ليس كما تزعمون وجرم أن لهم النار حقا أن لهم النار ! وقال بعض العلماء : " لا " صلة ، و " جرم " بمعنى كسب ; أي : كسب لهم عملهم أن لهم النار .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية