الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 502 - 505 ] فصل في مقدار الواجب ووقته ( الفطرة نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو زبيب أو صاع من تمر أو شعير ) وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: الزبيب بمنزلة الشعير ، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله ، والأول رواية الجامع الصغير ، وقال الشافعي [ ص: 506 ] رضي الله عنه : من جميع ذلك صاع ; لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : { كنا نخرج ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم }. ولنا ما روينا . [ ص: 507 - 516 ] وهو مذهب جماعة من الصحابة ، وفيهم الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم أجمعين ، وما رواه محمول على الزيادة تطوعا ، ولهما في الزبيب أنه والتمر يتقاربان في المقصود .

                                                                                                        وله أنه والبر يتقاربان في المعنى ; لأنه يؤكل كل واحد منهما بجميع أجزائه ، بخلاف الشعير والتمر ; لأن كل واحد منهما يؤكل ويلقى من التمر النواة ومن الشعير النخالة ، وبهذا ظهر التفاوت بين البر والتمر ، ومراده من الدقيق والسويق ما يتخذ من البر ، أما دقيق الشعير فكالشعير ، والأولى أن يراعى فيهما القدر والقيمة احتياطا وإن نص على الدقيق في بعض الأخبار ، لم يبين ذلك في الكتاب اعتبارا للغالب ، والخبز تعتبر فيه القيمة ، هو الصحيح . ثم يعتبر نصف صاع من بر وزنا فيما يروى عن أبي حنيفة رحمه الله .

                                                                                                        وعن محمد رحمه الله أن يعتبر كيلا . والدقيق أولى من البر ، والدراهم أولى من الدقيق فيما يروى عن أبي يوسف رحمه الله ، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر رحمه الله ; لأنه أدفع للحاجة وأعجل به .

                                                                                                        وعن أبي بكر الأعمش رحمه الله تفضيل الحنطة ; لأنه أبعد من الخلاف ، إذ في الدقيق والقيمة خلاف الشافعي رحمه الله .

                                                                                                        [ ص: 505 ]

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        [ ص: 505 ] فصل في مقدار الواجب ووقته الحديث الخامس : روى أبو سعيد الخدري ، قال : كنا نخرج ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : أخرجه الأئمة الستة عنه مختصرا ومطولا ، قال : { كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير ، حر أو مملوك : صاعا من طعام ، أو صاعا من أقط ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من زبيب ، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا ، أو معتمرا ، فكلم الناس على المنبر ، فكان فيما كلم به الناس ، أن قال : إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر } ، فأخذ الناس بذلك ، قال أبو سعيد : أما أنا فإني لا أزال أخرجه أبدا ما عشت ، قال أبو داود . وذكر فيه رجل واحد عن ابن علية ، أو صاع حنطة ، وليس بمحفوظ ، وذكر معاوية بن هشام : نصف صاع من بر ، وهو وهم من معاوية بن هشام ، أو ممن رواه عنه . انتهى كلامه . وقد أساء عبد الحق في " أحكامه " إذ قال : زاد أبو داود في هذا الحديث : أو صاع حنطة ; لأن هذا يوهم أن هذه الزيادة متصلة عند أبي داود ، وليس كذلك ، هكذا تعقبه عليه ابن القطان ، والله أعلم ، وحجة الشافعية من هذا الحديث في قوله : صاعا من طعام ، قالوا : والطعام في العرف هو الحنطة ، سيما وقد وقع في رواية للحاكم : صاعا من حنطة ، وهي التي أشار إليها أبو داود ، أخرجه في " المستدرك " من طريق أحمد بن حنبل عن ابن علية عن ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض بن عبد الله ، قال : { قال أبو سعيد ، وذكر عنده صدقة الفطر ، فقال : لا أخرجه إلا ما كنت أخرجه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر ، أو صاعا من حنطة ، أو صاعا من شعير ، فقال له رجل من القوم : أو مدين من قمح ؟ فقال : لا ، تلك قيمة معاوية ، أقبلها ولا أعمل بها }. انتهى . وصححه ، ورواه الدارقطني في " سننه " من حديث يعقوب الدورقي عن ابن علية به سندا ومتنا ، ومن الشافعية من جعل هذا الحديث حجة لنا من جهة أن [ ص: 506 ] معاوية جعل نصف صاع من الحنطة عدل صاع من التمر والزبيب ، قال النووي في " شرح مسلم " : هذا الحديث معتمد أبي حنيفة ، ثم أجاب عنه بأنه فعل صحابي ، وقد خالفه أبو سعيد ، وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه ، وأعلم بحال النبي عليه السلام ، وقد أخبر معاوية بأنه رأي رآه ، لا قول سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى كلامه .

                                                                                                        قلنا : أما قولهم : إن الطعام في العرف هو الحنطة ، فممنوع ، بل الطعام يطلق على كل مأكول ، وهنا أريد به أشياء ليست الحنطة منها ، بدليل ما جاء فيه عند البخاري عن أبي سعيد ، قال : { كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعا من طعام }.

                                                                                                        قال أبو سعيد : وكان طعامنا الشعير ، والزبيب ، والأقط ، والتمر ، انتهى . قال الشيخ في " الإمام " : روى ابن خزيمة في " مختصر المختصر " بسند صحيح من حديث فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال : لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التمر ، والزبيب ، والشعير ، ولم تكن الحنطة . انتهى .

                                                                                                        وأما ما رواه الحاكم فيه : { أو صاعا من حنطة } ، فقد أشار أبو داود إلى هذه الرواية في " سننه " وضعفها ، فقال : وذكر فيه رجل واحد عن ابن علية : أو صاع حنطة ، وليس بمحفوظ ، انتهى .

                                                                                                        وقال ابن خزيمة فيه : وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ ، ولا أدري ممن الوهم . وقول الرجل له : أو مدين من قمح ، دال على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم ، إذ لو كان صحيحا لم يكن لقوله : أو مدين من قمح معنى . انتهى .

                                                                                                        نقله الشيخ في " الإمام " عنه ، وقد عرف تساهل الحاكم في تصحيح الأحاديث المدخولة ، وقول النووي : إنه فعل صحابي ، قلنا : قد وافقه غيره من الصحابة الجم الغفير ، بدليل قوله في الحديث : فأخذ الناس بذلك ، ولفظ : الناس للعموم ، فكان إجماعا . وكذلك ما أخرجه البخاري ، ومسلم عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ، قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى ، والحر والمملوك صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، فعدل الناس به مدين من حنطة } ، ولا يضر مخالفة أبي سعيد لذلك ، بقوله : أما أنا فلا أزال أخرجه ; لأنه لا يقدح في الإجماع ، سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة ، أو نقول : أراد بالزيادة على قدر الواجب تطوعا ، والله أعلم . وقوله : ولنا ما روينا ، يشير إلى حديث عبد الله بن ثعلبة المتقدم أول الكتاب .

                                                                                                        [ ص: 507 ] أحاديث الباب : أخرج أبو داود ، والنسائي عن حميد الطويل عن الحسن عن ابن عباس أنه خطب في آخر رمضان على المنبر بالبصرة ، فقال أخرجوا صدقة صومكم ، فكأن الناس لم يعلموا . قال : من ها هنا من أهل المدينة ؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم ، فإنهم لا يعلمون . { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر ، أو شعير ، أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك ، ذكر أو أنثى ، صغير أو كبير }. فلما قدم علي رأي رخص السعر ، فقال : قد أوسع الله عليكم ، فلو جعلتموه صاعا من كل شيء . قال حميد : وكان الحسن يرى صدقة رمضان على من صام . انتهى . قال النسائي : والحسن لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما . قال الحاكم : أخبرنا الحسن بن محمد الإسفراييني ثنا محمد بن أحمد بن البراء ، قال : سمعت علي بن المديني سئل عن هذا الحديث ، فقال : الحسن لم يسمع من ابن عباس ، ولا رآه قط ، كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة . قال : وقول الحسن : خطبنا ابن عباس بالبصرة ، هو كقول ثابت : قدم علينا عمران بن الحصين ، ومثل قول مجاهد : خرج علينا علي ، وكقول الحسن : إن سراقة بن مالك حدثهم . وإنما قوله : خطبنا ، أي خطب أهل البصرة . انتهى .

                                                                                                        وقال صاحب " تنقيح التحقيق " : الحديث رواته ثقات مشهورون ، لكن فيه إرسالا ، فإن الحسن لم يسمع من عباس على ما قيل ، وقد جاء في مسند أبي يعلى الموصلي في حديث عن الحسن ، قال : أخبرني ابن عباس ، وهذا إن ثبت دل على سماعه منه . انتهى كلامه . وقال البزار في " مسنده " ، بعد أن رواه : لا يعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث ، ولم يسمع الحسن من ابن عباس ، وقوله : خطبنا أي خطب أهل البصرة ولم يكن الحسن شاهدا لخطبته ، ولا دخل البصرة بعد ; لأن ابن عباس خطب يوم الجمل ، والحسن دخل أيام صفين . انتهى .

                                                                                                        طريق آخر : أخرجه الحاكم في " المستدرك " عن يحيى بن عباد السعدي ثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث صارخا بمكة صاح : إن صدقة الفطر حق واجب : مدان من قمح ، أو صاع من شعير ، أو تمر }. انتهى . ورواه البزار [ ص: 508 ] بلفظ : { أو صاع مما سوى ذلك من الطعام } ، وصححه الحاكم ، وقد تقدم . ورواه البيهقي ، وقال : تفرد به يحيى بن عباد عن ابن جريج ، وإنما رواه غيره عن ابن جريج عن عطاء من قوله في المدين . وقال ابن الجوزي في " التحقيق " : وقد تكلم العقيلي في يحيى هذا ، وضعفه ، وكذلك ضعفه الدارقطني ، قال الأزدي : منكر الحديث جدا عن ابن جريج . انتهى . طريق آخر : أخرجه الدارقطني عن الواقدي ثنا عبد المجيد بن عمران بن أبي أنس عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر : صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، أو مدين من قمح }انتهى . وأعل بالواقدي .

                                                                                                        طريق آخر : أخرجه الدارقطني عن سلام الطويل عن زيد العمي عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { صدقة الفطر عن كل صغير وكبير ، ذكر أو أنثى : نصف صاع من بر ، أو صاع من تمر ، أو صاع من شعير }. انتهى . وهو معلول بسلام الطويل .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الترمذي عن سالم بن نوح عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { أن النبي عليه السلام بعث مناديا ينادي في فجاج مكة : ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ، ذكر أو أنثى ، حر أو عبد ، صغير أو كبير ، مدان من قمح أو صاع مما سواه من الطعام }. انتهى . وقال : حسن غريب

                                                                                                        وأعله ابن الجوزي في " التحقيق " بسالم بن نوح ، قال : قال ابن معين : ليس بشيء ، وتعقبه صاحب " التنقيح " ، فقال : هو صدوق ، روى له مسلم في " صحيحه " ، وقال أبو زرعة : صدوق ثقة ، ووثقه ابن حبان وقال النسائي : ليس بالقوي ، وقال الدارقطني : فيه شيء ، وقال ابن عدي : عنده غرائب وأفراد ، وأحاديثه مقاربة مختلفة . طريق آخر : أخرجه الدارقطني عن علي بن صالح عن ابن جريج عن عمرو بن [ ص: 509 ] شعيب عن أبيه عن جده ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر صائحا ، فصاح : إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم : مدان من قمح ، أو صاع من شعير ، أو تمر }انتهى .

                                                                                                        قال ابن الجوزي : وعلي بن صالح ضعفوه ، قال صاحب " التنقيح " : هذا خطأ منه ، ولا نعلم أحدا ضعفه ، لكنه غير مشهور الحال ، قال ابن أبي حاتم : علي بن صالح روى عن ابن جريج ، وروى عنه معتمر بن سليمان ، سألت أبي عنه ، فقال : مجهول لا أعرفه ، وذكر غير أبي حاتم أنه مكي معروف ، وهو أحد العباد ، وكنيته أبو الحسن ، وروي عن عمرو بن دينار ، وعبد الله بن عثمان بن خيثم ، ويحيى بن جرجة ، والأوزاعي ، وعبيد الله بن عمر ، وجماعة ، وروى عنه سعيد بن سالم القداح ، ومعتمر بن سليمان ، وسفيان الثوري ، وروى له الترمذي في " جامعه " ، وذكره ابن حبان في " كتاب الثقات " ، وقال : يعرف ، وتوفي سنة إحدى وخمسين ومائة ، انتهى .

                                                                                                        ورواه البيهقي كذلك عن المعتمر بن سليمان عن علي بن صالح ، قال : ورواه سالم بن نوح عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا ، ثم قال : قال الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث ، فقال ابن جريج : لم يسمع من عمرو بن شعيب . انتهى كلامه .

                                                                                                        ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب { أن النبي عليه السلام أمر صارخا يصرخ }. الحديث .

                                                                                                        ومن طريق عبد الرزاق : رواه الدارقطني في " سننه " هكذا معضلا ، وأخرجه الدارقطني أيضا عن عبد الوهاب هو ابن عطاء أنا ابن جريج قال : قال عمرو بن شعيب : بلغني { أن النبي عليه السلام أمر صارخا يصرخ } ، الحديث .

                                                                                                        { حديث آخر } : رواه الإمام أحمد في " مسنده " من طريق ابن المبارك أنا ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم ، قالت : { كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدين من قمح ، بالمد الذي [ ص: 510 ] يقتاتون به }انتهى .

                                                                                                        وضعفه ابن الجوزي بابن لهيعة ، قال صاحب " التنقيح " : وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة ، سيما إذا كان من رواية إمام مثل ابن المبارك عنه ، والله أعلم .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه البخاري ، ومسلم عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ، قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى ، والحر والمملوك : صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، فعدل الناس به مدين من حنطة }. انتهى .

                                                                                                        طريق آخر : أخرجه الدارقطني ، ثم البيهقي عن سليمان بن موسى أن نافعا أخبره عن ابن عمر ، قال : { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم في زكاة الفطر بنصف صاع من حنطة ، أو صاع من تمر }. انتهى . قال البيهقي : هذا لا يصح ، وكيف يصح ورواية الجماعة عن نافع عن ابن عمر أن تعديل الصاع بمدين من حنطة إنما كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعله ابن الجوزي بسليمان بن موسى ، قال : قال ابن المديني : مطعون عليه ، وقال البخاري : عنده مناكير . طريق آخر : أخرجه أبو داود ، والنسائي عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر ، قال : { كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو زبيب ، فلما كان عمر رضي الله عنه وكثرت الحنطة ، جعل نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء }. انتهى . وأعله ابن الجوزي بعبد العزيز ، قال : قال ابن حبان : كان يحدث عن التوهم ، فسقط الاحتجاج به ، وقد تقدم في حديث أبي سعيد ، أنه إنما عدل القيمة في الصاع معاوية ، فأما عمر فإنه كان أشد اتباعا للأثر من أن يفعل ذلك . انتهى .

                                                                                                        قال صاحب " التنقيح " : وعبد العزيز هذا وإن كان ابن حبان تكلم فيه ، فقد وثقه يحيى بن سعيد القطان ، وابن معين ، وأبو حاتم الرازي [ ص: 511 ] وغيرهم ، والموثقون له أعرف من المضعفين ، وقد أخرج له البخاري استشهادا . انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي عليه السلام ، { أنه قال في صدقة الفطر : نصف صاع من بر ، أو صاع من تمر }. انتهى . والحارث معروف ، قال الدارقطني : والصحيح موقوف ، ثم أخرجه عن عتبة بن عبد الله بن مسعود عن أبي إسحاق به موقوفا .

                                                                                                        وقال في " كتاب العلل " : هذا حديث يرويه أبو إسحاق ، واختلف عليه ، فرواه أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ، وقال فيه : نصف صاع من بر ، ثم اختلف عنه ، فرفعه أبو بكر محمد بن عبد الله بن غيلان البزار عن أبي بكر بن عياش ، ووهم في رفعه ، وغيره يرويه موقوفا ، ورواه أبو العميس عتبة بن عبد الله بن مسعود عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ، وقال فيه : صاعا من حنطة ، ووقفه أيضا ، والصحيح موقوف . انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني أيضا عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من كان عنده شيء فليتصدق بنصف صاع من بر ، أو صاع من شعير ، أو صاع من تمر ، أو صاع من دقيق ، أو صاع من زبيب ، أو صاع من سلت . انتهى . قال الدارقطني : لم يروه بهذا الإسناد غير سليمان بن أرقم ، وهو متروك الحديث انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني أيضا عن أحمد بن رشدين ثنا سعيد بن عفير ثنا الفضل بن المختار حدثني عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك عن النبي عليه السلام { في صدقة الفطر : مدان من قمح ، أو صاع من شعير ، أو تمر ، أو زبيب }. انتهى .

                                                                                                        وأعله ابن الجوزي بالفضل بن مختار ، قال أبو حاتم : يحدث بالأباطيل ، وهو مجهول .

                                                                                                        { حديث آخر } : مرسل ، رواه أبو داود في " مراسيله " حدثنا قتيبة أنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ، قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر مدين من حنطة }. انتهى . قال ابن الجوزي : وهذا مع إرساله يحتمل أن يكون قوله : مدين من [ ص: 512 ] حنطة تفسيرا من سعيد ، قال صاحب " التنقيح " قد جاء ما يرد هذا ، فرواه سعيد بن منصور حدثنا هشيم عن عبد الخالق الشيباني ، قال : سمعت سعيد بن المسيب ، يقول : { كانت الصدقة تدفع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر نصف صاع من بر } ، ورواه الطحاوي ، ورواه أبو عبيد في " كتاب الأموال " حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد الخالق بن سلمة الشيباني به ، قال : { كانت صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : صاع تمر ، أو نصف صاع حنطة عن كل رأس }. انتهى .

                                                                                                        وقال هشيم : أخبرني سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب ، قال : { خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر صدقة الفطر ، فحض عليها ، وقال : نصف صاع من بر ، أو صاع تمر ، أو شعير عن كل حر وعبد ، ذكر أو أنثى }. قال الطحاوي : حدثنا المزني ثنا الشافعي عن يحيى بن حسان عن الليث بن سعد عن عقيل بن خالد ، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { فرض زكاة الفطر مدين من حنطة }انتهى .

                                                                                                        قال في " التنقيح " : وهذا المرسل إسناده صحيح كالشمس ، وكونه مرسلا لا يضر ، فإنه مرسل سعيد ، ومراسيل سعيد حجة . انتهى .

                                                                                                        ومن طريق الشافعي أيضا رواه البيهقي ، ونقل عن الشافعي رضي الله عنه ، قال : حديث مدين خطأ ، قال البيهقي : وهو كما قال ، فإن الأخبار الثابتة تدل على أن التعديل بمدين كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى .

                                                                                                        قال الشيخ في " الإمام " : وهذا طريق استدلالي غير راجع إلى حال الرواة ، وإلا فالسند كله رجال الصحيح ، ومراسيل سعيد اشتهر تقويتها ، وكلام الشافعي فيها ، والله أعلم انتهى كلامه . وفي الباب { حديث آخر } : رواه ابن سعد في " الطبقات " ، وسيأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى .



                                                                                                        أحاديث الخصوم : أولها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في " أول الفصل " .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " ، وصححه عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { فرض زكاة الفطر صاعا من تمر ، أو صاعا من بر ، على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين } ، [ ص: 513 ] انتهى .

                                                                                                        وأخرجه الدارقطني ، ثم البيهقي ، قال البيهقي : هكذا قاله سعيد بن عبد الرحمن الجمحي ، وذكر البر فيه ليس بمحفوظ ، قال الحاكم : وأشهر منه حديث أبي معشر عن نافع الذي علونا فيه ، لكني تركته ، لأنه ليس من شرط هذا الكتاب . انتهى . وهذا الذي أشار إليه ، رواه في " علوم الحديث " له ، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى .

                                                                                                        طريق آخر : أخرجه الدارقطني عن مبارك بن فضالة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { فرض على الذكر والأنثى ، والحر والعبد صدقة رمضان : صاعا من تمر ، أو صاعا من طعام }. انتهى .

                                                                                                        قال ابن الجوزي : والطريقان ضعيفان ، ففي الأول : سعيد بن عبد الرحمن ، قال ابن حبان فيه : كان يروي عن عبيد الله بن عمر ، وغيره من الثقات أشياء موضوعة ، يتخيل من يسمعها أنه كان المعتمد لها ، انتهى .

                                                                                                        وفي الثاني : مبارك بن فضالة ، كان أحمد يضعفه ، ولا يعبأ به ، وضعفه النسائي ، وابن معين . وتعقبه صاحب " التنقيح " فقال : أما سعيد بن عبد الرحمن الجمحي فروى له مسلم في " صحيحه " ، ووثقه ابن معين ، وهو أعلم من ابن حبان . وقال أحمد ، والنسائي : ليس به بأس . وقال ابن عدي : له أحاديث غرائب حسان ، وأرجو أنها مستقيمة ، ولكنه يهم في الشيء ، فيرفع موقوفا ، ويرسل مرسلا ، لا عن تعمد ، وأما مبارك بن فضالة ، فقد حسن أمره غير واحد من الأئمة ، قال الفلاس : سمعت عفان يقول : كان مبارك بن فضالة ثقة ، وسمعت يحيى بن سعيد القطان يحسن الثناء عليه ، وسئل أبو زرعة عنه ، فقال : يدلس كثيرا ، فإذا قال حدثنا ، فهو ثقة . طريق آخر : أخرجه الطحاوي في " المشكل " عن ابن شوذب عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر ، على الحر والعبد ، والصغير والكبير ، والذكر والأنثى : صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من بر ، قال : ثم عدل الناس ، نصف صاع من بر : بصاع مما سواه }انتهى .

                                                                                                        [ ص: 514 ] قال الطحاوي : لا نعلم أحدا من أصحاب أيوب تابع ابن شوذب على زيادة البر فيه ، وقد خالفه حماد بن زيد ، وحماد بن سلمة عن أيوب ، وكل واحد منهما حجة عليه ، وليس هو حجة عليهما ، فكيف وقد اجتمعا ؟ وأيضا ففي حديثه ما يدل على خطئه ، وهو قوله : ثم عدل الناس نصف صاع من بر ، بصاع مما سواه ، فكيف يجوز أن يعدلوا صنفا مفروضا ، ببعض صنف مفروض منه ؟ ، وإنما يجوز أن يعدل المفروض بما سواه مما ليس بمفروض . انتهى .

                                                                                                        طريق آخر : أخرجه الحاكم في كتابه " علوم الحديث " عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر ، قال : { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج صدقة الفطر ، وفيه : أو صاع من قمح } ، مختصر ، وسيأتي بتمامه في " آخر الباب " إن شاء الله تعالى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " أيضا ، وصححه عن بكر بن الأسود ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة { أن النبي عليه السلام حض على صدقة رمضان ، على كل إنسان : صاع من تمر ، أو صاع من شعير ، أو صاع من قمح }انتهى .

                                                                                                        ورواه الدارقطني ، وقال : بكر بن الأسود ليس بالقوي ، والأكثر على تضعيف سفيان بن حسين في روايته عن الزهري ، قال النسائي : ليس به بأس إلا في الزهري ، وقال ابن عدي : هو في غير الزهري صالح الحديث ، وفي الزهري يروي أشياء خالف فيها الناس ، وقد استشهد به البخاري في " الصحيح " ، وروى له في " الأدب وفي القراءة خلف الإمام " ، وروى له مسلم في " مقدمة كتابه " ، وبكر بن الأسود وإن تكلم فيه الدارقطني ، فقد قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه ، فقال : صدوق .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني عن هشام عن محمد بن سيرين عن ابن عباس ، قال : { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعطي صدقة رمضان ، عن الصغير والكبير ، والحر والمملوك : صاعا من طعام ، من أدى برا قبل منه ، ومن أدى شعيرا قبل منه ، ومن أدى زبيبا قبل منه ، [ ص: 515 ] ومن أدى سلتا ، قبل منه }. انتهى .

                                                                                                        قال في " التنقيح " : رجاله ثقات ، غير أن فيه انقطاعا ، قال أحمد ، وابن المديني ، وابن معين ، والبيهقي : محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئا ، وقال ابن أبي حاتم في " علله " : سألت أبي عن هذا الحديث ، فقال : حديث منكر انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني أيضا عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ، قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ، على كل صغير وكبير : صاعا من تمر ، أو صاعا من طعام أو صاعا من زبيب }انتهى .

                                                                                                        وكثير هذا مجمع على تضعيفه ، ولم يوافق الترمذي على تصحيح حديثه في موضع ، وتحسينه في آخر ، قال أحمد : ليس بشيء ، وقال الشافعي رحمه الله : هو ركن من أركان الكذب ، وقال ابن معين : ليس حديثه بشيء ، وقال النسائي ، والدارقطني : متروك ، وإسحاق الحنيني أيضا تكلم فيه البخاري ، والنسائي ، والأزدي ، وابن معين .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الدارقطني أيضا عن عمر بن محمد بن صهبان ، أخبرني ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أخرجوا زكاة الفطر : صاعا من طعام } ، قال : { وطعامنا يومئذ : البر ، والتمر والزبيب ، والأقط }. انتهى . وعمر بن صهبان ، قال أحمد : ليس بشيء ، وقال ابن معين : لا يساوي فلسا ، وقال النسائي ، والرازي ، والدارقطني : متروك .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " عن الحارث عن علي عن النبي عليه السلام { في صدقة الفطر عن كل صغير وكبير ، حر أو عبد : صاع من بر ، أو صاع من تمر ، }انتهى . والحارث لا يحتج به ، وأخرجه الدارقطني ، ثم البيهقي مرفوعا وموقوفا ، وقالا : الصحيح موقوف ، وقد تقدم كلام الدارقطني في " علله " بتمامه ، وفي لفظة أيضا [ ص: 516 ] اختلاف ، فعند الحاكم هكذا : صاع ، وفي " سنن الدارقطني " أو نصف صاع .

                                                                                                        قوله : وهو مذهب جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، فيهم الخلفاء الراشدون . قلت : أما حديث أبي بكر : فأخرجه البيهقي ، ورواه عبد الرزاق في " مصنفه أخبرنا معمر عن أبي قلابة عن أبي بكر أنه أخرج زكاة الفطر : مدين من حنطة ، وأن رجلا أدى إليه صاعا بين اثنين . انتهى .

                                                                                                        قال البيهقي : هذا منقطع . وأما حديث عمر : فأخرجه أبو داود والنسائي عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر ، قال : { كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : صاعا من شعير ، أو تمر ، أو سلت ، أو زبيب ، قال عبد الله : فلما كان عمر ، وكثرت الحنطة جعل [ ص: 517 ] عمر : نصف صاع حنطة ، مكان : صاع من تلك الأشياء }. انتهى . وقد تقدم . وأخرج الطحاوي عن عمر أنه قال لنافع : إنما زكاتك على سيدك ، أن نؤدي عنك عند كل فطر صاعا من تمر ، أو شعير ، أو نصف صاع بر . انتهى .

                                                                                                        وأما حديث عثمان : فأخرجه الطحاوي عنه ، أنه قال في خطبته : { أدوا زكاة الفطر مدين من حنطة } ، قال البيهقي : هو موصول عنه . وأما حديث علي : فأخرجه الطحاوي أيضا ، وأخرجه عبد الرزاق عنه أيضا ، قال : على من جرت عليه نفقتك : نصف صاع من بر ، أو صاع من شعير ، أو تمر . وأخرج عبد الرزاق عن ابن الزبير ، قال : زكاة الفطر مدان من قمح ، أو صاع من تمر ، أو شعير ، وأخرج نحوه عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، وروي أيضا أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن عن أبي هريرة ، قال : { زكاة الفطر على كل حر وعبد ، ذكر أو أنثى ، صغير أو كبير ، فقير أو غني : صاع من تمر ، أو نصف صاع من قمح }.

                                                                                                        قال معمر : وبلغني أن الزهري كان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى .

                                                                                                        قال الشيخ في " الإمام " : وهذا الخبر الوقف فيه متحقق ، وأما الرفع فإنه بلاغ ، لم يبين معمر من حدثه به ، فهو منقطع . انتهى .

                                                                                                        وأخرج أيضا عن مجاهد ، قال : كل شيء سوى الحنطة ، ففيه صاع ، والحنطة نصف صاع ، وأخرج نحوه عن طاوس ، وابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن . وأخرجه الطحاوي عن جماعة كثيرة ، ثم قال : وما علمنا أحدا من الصحابة ، والتابعين روي عنه خلاف ذلك . وقال البيهقي رحمه الله : وقد وردت أخبار عن النبي عليه السلام في صاع من بر ، ووردت أخبار في نصف صاع ، ولا يصح شيء من ذلك ، وقد بينا علة كل واحد [ ص: 518 ] منهما في " في الخلافيات " . انتهى .




                                                                                                        الخدمات العلمية